صيف وسجائر وعرق ٢٠١٦









كان لجارنا حسن توحيد كلبة ولدت أربع من الجرو، وكان لكلبتنا ثلاث من الجرو. وفي يوم شتوي خرجت كلبتنا على غير عادتها تتشمشم خارج الحديقة. في الصباح المتأخر حضرت الشرطة ، لتفصل بين المتجمهرين الذين وقفوا متفرجين لمعركة دموية وقعت بين كلبتنا وكلبة جارنا. قال لي أخي شريم بتلطف أن كلبتنا فقدت أذنها، كان يود أن يهون علي وقع شكل وجهها المشوه والمسلوخ. في المساء رأيتها حزينة متحفزة، تشبه كثير من نسائنا الصامدات. تنازلت في مركز الشرطة رفقة جارنا حسن توحيد عن الأضرار، وقد قررت بلدية الحارة خمسة أشهر من برامج التأهيل والعناية الطبية والنفسية لكلبتنا جاكي.




منذ ثلاث عشرة سنة وقعت لصديقي رياض مشكلة، أبقاها سرية قدر ما يستطيع. وحين توثقت المعلومة بين شلتنا الصغيرة، حاولنا أن نساعده، كلُ واحد منا على كيفيته، ودون أن يعرف كل واحد منا بمحاولة الآخر الخاصة. واليوم بعد سنة كاملة من موته، بات من الصعب عليّ احتمال هذا الثقل. كان صديقنا رياض يعاني من وسواس نفسي قاتل، بأن هناك من يلاحقه ليفتك به. كنت احاول بيني وبين نفسي تفهم مشكلته، بامتثال وسواس طفولي قديم، بأن هناك من يطاردني بين البيوت القديمة المظلمة في حارتنا، وأنا اجتازها بعد ساعات اللعب الطوبلة، في عودتي إلى بيتنا، لكن ذلك ربما لم يجدِ كثيراً. أما اليوم، وأنا انتظر في زنزانتي، حكم المحكمة المتوقع بإعدامي، فإن ما يتمثل لي هو تقلبات وجه رياض وهو يحكي لي شيطانه الملاحق هذا. كان يبدو كأن العدم يجثم على وجهه، وكأن شفتيه تقذف حرائقا مخلبية، وعذابات مجنونة. إن موتي لا يعني لي أكثر من وجه يخرج أو يُنفى من الخرابات ليحل مكانه وجه آخر بريء سيمتلء بالقذارات المنتشرة من هذا العالم. تفرقت شلتنا الصغيرة، لم يزرني في سنين السجن الخمس هذه سوى رفيق المدرسة حسين سالم، ضحكت في وجه أول مرة، وأنا اتذكر منظره حين بلل سرواله أمام الأستاذ الشامي نبيل. غداً، سنكون معاً في مكان ما، أو في لا مكان، فهذا القمر لا يعد قلوبنا بشدة وثقة، بنبض أجمل وأحلى، كما كنا نحلم، أو نعتقد.







يُنهي غسان كنفاني روايته " رجال في الشمس"، والتي حولها توفيق صالح بعد ذلك لفيلم تحت عنوان المخدوعون، بالفكرة الملحة على ذهن أبو الخيزران. سأقتبس الجزء الأخير، ثم سأورد خبرا قرأته قبل أيام عن طفل أفغاني ينقذ حياته وحياة خمسة عشر شخص معه داخل شاحنة تهريب في منطقة كالييه الفرنسية، والتي أقيم فيها مخيم للآجئين تم تفكيكه، فصاحب الشاحنة يرفض التوقف، والهواء يكاد ينعدم، في مفارقة غريبة مع قصة أبو الخيزران وأسعد وأبو قيس ومروان، الذين ماتوا دون أن ينتبهوا لهذه الفكرة الملحة على أبو الخيزران " لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟...". أما كيف أنقذ الطفل الأفغاني، أو كيف دق جدران الخزان، فقد بعث برسالة قصيرة من الجوال إلى متطوعة في الإغاثة، والتي بدورها ساعدت في نجاتهم، بينما على الجانب الأخر لم تسعف أسعد ورفيقيه أية فكرة للنجاة، وتنجح عملية تهريبهم من على الحدود العراقية الكويتية.

النص:
" .. التفت إلى الوراء حيث ألقى بالجثث، إلا أنه لم ير شيئاً، ولم تجد النظرة تلك إلا بأن أوقدت الفكرة ضراماً فبدأت تشتعل في رأسه.. وفجأة لم يعد بوسعه أن يكبحها داخل رأسه أكثر فأسقط يديه إلى جنبيه وحدق في العتمة وسع حدقتيه.
انزلقت الفكرة من رأسه ثم تدحرجت على لسانه : 
- " لماذا لم يدقوا جدران الخزان ؟ ..." 
دار حول نفسه دورة ولكنه خشي أن يقع فصعد الدرجة إلى مقعده وأسند رأسه فوق المقود: 
- لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ لماذا لم تقولوا ؟ لماذا ؟ 
وفجأة بدأت الصحراء كلها تردد الصدى : 
- لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ "


الخبر: 
أنقذ طفل أفغاني في الـ7 من عمره حياة 15 لاجئا بفضل رسالة قصيرة باللغة الانجليزية بعث بها إلى متطوعة إغاثة في منطقة كالييه الفرنسية.

وكتب الطفل في رسالته القصيرة التي دونها باللغة الانجليزية على هاتفه المحمول: "أحتاج لمساعدتك، لأن السائق لم يوقف الشاحنة، ونعاني من نقص في الهواء داخل صندوق الشاحنة، كما أنه لا يوجد تغطية للهواتف.. أقسم بالله أني لا أمزح.." I ned halp darivar no stap car no oksijan in the car no signal iam in the cantenar. Iam no jokan valla.

ووصلت الرسالة إلى متطوعة الإغاثة ليز كليج في منطقة "كاليه" الفرنسية، عندما كانت في مدينة نيويورك، لتقرر بدورها طلب المساعدة من إحدى زميلاتها في بريطانيا، وهي تانيا فريدمان التي تعمل في مؤسسة "هيلب ريفيوجيس" الخيرية شمال فرنسا.

فريدمان من جهتها، أبلغت الشرطة فورا، وتم استدعاء مترجم للتواصل مع الطفل الأفغاني لتعلم الشرطة منه أنه يختبئ وعدد من الاجئين داخل صندوق شاحنة مبرد لنقل المواد الغذائية من فرنسا إلى بريطانيا.
وبعد تحديد موقع الهاتف المحمول، رصدت الأجهزة الأمنية مكان الشاحنة حيث كان متوقفة قرب موقف للسيارات في لايكسترشاير في بريطانيا.

وذكرت الشرطة أنها اعتقلت 14 شخصا بتهمة الهجرة غير الشرعية إلى بريطانيا وشخصا آخر بتهمة تهريب البشر، فيما استثنت الطفل الأفغاني من العقوبة وقدمت له "سبل الرعاية" اللازمة.
المصدر: وكالات





عادة ما يحدث حريق. وعادة ما اختلس لحظاته المهيبة لأفتش البيوت. وعادة ما اسرق منه تذاكراً. عطر، قميص، تحفة، ملابس نسائية داخلية. طنجرة. وفي الصباح، وحين تحين تلك الساعة، اتقدم بوجه أسيف اقدم التآاسي والسلامات. اعرف كم هو داخلي مشوه وحزين، وأعرف أني احاول كثيرا أن اعيد المسروقات لكن يحيل دون ذلك أشياء كثيرة. البارحة، وقع حريق في آخر الحي، استيقظت آخر الليل، وسمعت من الشارع عنه، مع الفجر، دخلت مبكرا مع عمال التنظيف اسأل وكأني مالك العمارة. تتفتح الأبواب بسهولة. عدت بعد نصف ساعة احمل في كيسي وسادة صغيرة بيضاء. وسّخ طرفٌ منها سخام الحريق الذي وصل للغرفة. كان شعوري الأولي اللحظي يشبه شعور أول سرقة، ولكنه سرعان ما تبدد. اللعنة على التكرار الذي يفقد حتى الشذوذ مذاقاته الحلوة الغريبة. في الظهيرة لم تمهلني شكوكي وقتا كالعادة، ان مأساة هذه الأسرة لن تغفلهم عن هذه الوسادة البيضاء الصغيرة والرطيبة وسيسألون من دخل ومن خرج !!. عدت في نهاية النهار احملها داخل كيس معتم. قابلني عند باب العمارة ساكنها وصاحب الشقة المنكوبة. سلمت عليهم، ومضيت في طريقي خائفا أن يلاحظوا ارتباكي ويفتشوا كيسي. الحرائق في العموم جيدة، وهي أكثر ما يثيرني في الحياة. اتمنى ألا يعرف أحد عن هوايتي هذه، والا أصبح خبرا يتناقله الناس، يضحكون ويأسون ويسخرون به. أنا انسان محترم وغريب في اختياراتي.






قال الرواي، وبما أن الحياة مليئة بالمهازل - كمسرحيات شكسبير، فمن حق البشر الذين يشعرون بفردانيتهم، أن يحكوا أحلامهم، فوجب على السيد جبران أن يتكلم عما يغيظه. يقول صديقنا؛ أنه حلم في منام العصر أنه أنقذ ابن عمته من حكم الإعدام، ثم إنه عاد ليلته بعد أن سكر يغازل جارته، التي نهاه عنترة في مكرمته أن يغازلها. ولكن الرجل استولت عليه غريزته، فسرى ليلته ينظم شعرا لها، ويتشبب بها، وحين لم تجبه، سحب خنجره كعادة الأعرابي الأصيل واغمده في صدره ناحية القلب. ولما مات، جاءه رجل في ثياب برتقالية بها رائحة عصير القصب الاسكندراني، وناداه فسأله؛ لماذا فعلت ما فعلت؟ فأجابه صاحبنا، إن أسعار السجائر قد ارتفعت، وإننا لا نجد في الطائف من بيوت الطيبات من تقبل أن نقضي الليل في هناء جحورها، مطمئنين. وحين غدا الصباح، وكشف لنا الإله عن وجوههنا، عدنا مهرعين إلى أهلنا، نخب إلى حارات القوم ببطحاء مكة، نتذكر أمجادنا، ونجادل الرب بأفعالنا الطيبة. فكان أن أصابنا غضبه، فأهكلنا يا أصدقائي، بين الطائف ومكة عُطاشى خوفى متعبين من المشي والسُكر.









يا لفرحة الشعب العظيمة. الليلة انتخبتني الجماهير لأكون رئيسها بعد سنوات الكلاب والتعب. تناديني الجموع وهي تحملني بإسمي الثوري مشتاق، ولكني طالبتها بأن تناديني بإسم شجون. فإن الشجون في نفوس الفقراء لا تنتهي، وهي تعبر عن كل ما تجوش به الأنفس من أحلام وطوحات ورغبات. جلست على رأس طاولة المجلس الثوري، واخترت أن نتحدث عن أي شيء بخلاق ثورتنا المنتصرة، وقد كان هذا خلافا للعقل الطبيعي المنساق مع الحدث. قال السيد عبده، إنه يجب أن تتخلى الأنفس عن نصف الرغبات ليتحقق النصف الآخر على الأقل، فوافقه المجلس. السيدة بوسي قالت: يجب أن نعيد تعريف بعض المصطلحات الاجتماعية على أرض الواقع، كأن يكون مبدأ كشف وجه جنس النساء ( الإناث ) حق غير قابل للنقاش، وعلى الرغم من سخف ما قالته، إلا أن أفراد المجلس صفقوا بأيديهم، كموافقة جماعية. فأمرت لحظتها، أنه يحق للشباب فوق سن السادسة عشر أن يستمتعوا بأوقاتهم، على أي كيفية، دون أن يؤذوا الآخرين، كما تنص عليه السيدة حرية. وحينها قمنا فرحين نرقص على أغنية شعبية قديمة.







عدتُ من خميس في الليل متأخراً، الطريق يعج بمهربي المخدرات واللوحات. أحسست براحة كبيرة، وشيء من الانبساط ينتشر في نفسي، وأنا اقتعد وحدي في مقهى المشوار. دخان وأصوات الزبائن والتلفاز، مكوّن ضوضائي أساسي. تناولت جبنة مالحة بالخبز، وشربت كاسة شاي، انتظر منتصف الليل. مشيت كالكلب الليلي المنقب في القمائم، توقفت على درجات بيتها الثلاث قليلاً، فتحت لي، وشرعنا في عملية الانضغاط والاعتصار على عجل، كل منا يرغب بشيء عند الآخر، بشدة كما يبدو، وبقليل من الذوق. سألتها عن موعد عودة زوجها، قالت، وهي تحرك اصبعها في كاسة الشاي، إنه مات في الحرب، على الحدود، قبل يومين. فكرت أنا، انه كان يحمينا، ليرحمه الله.








اجتاحني شعور الحب والغرام والإنغماس بشدة في الحياة، اليوم قبل مغيب الشمس بدقائق، وهو وقت كئيب يشعر بالنهاية، إلا أني التصقت بالدنيا الفانية الحلوة. قاعدٌ على كرسي خشبي طويل في حوش بيتي الصغير، يطل بابه المفتوح على زقاق في الحارة. وانتظرت السيدة "هـ". ولما مرّت، ألتفت إليّ بحرص واضح، وتروت في نظرتها، وكأنها تحمل تلك النظرة كل شهوتها ورغبتها وحبها. أنا وهي في الخمسين، نستعيد آخر ما تبقى من شبق الاحتكاكات، الفضالة المتبقية في أجسادنا من هذه المتعة اللذيذة العاصرة. إنها تصرخ بقوة وتفقد عقلها وهي تتشنج حين يقذف فرجها، حدث هذا منذ أشهر قليلة، في بيت صاحبتها هدى، كان صاحبي نائما ولم يستثيره أي شيء، فلملمت الموقف بيدي بدلاً منه، وهكذا عشنا الأشهر الأخيرة على نظرات مفعمة بالرغبة المحيرة على تلك الذكرى المُذلة. إن شيئاً من هذا لا يثيرني، إلا أن غرابته فريدة، تداعب في نفسي مشاعر الحب والتعلق بالحياة.







صادفت السيدة ميساء وأنا اسحب الباب، كنت خرجت من غرفتي في الفندق، أنوي الذهاب لبازار في شارع خلف الفندق اكتشفته أمس، فالمشروبات عنده أرخص 3 مرات من مشروبات الفندق. ومن عادتي أن استمني قبل خروجي حتى يخف هيجاني، وأكون قادرا على التحكم بنفسي، فيما سيلي من وقت مدغدغ. ابتسمت لي، بادلتها الابتسامة. شاهدتها ترقص البارحة مع 5 رجال على الأقل، وقد قبلتني على خدي في عز نشوتها لما وجدتني صامتاً انظر في وجهها، وردة حلوة تتنقل لتبعث تفتقات ذكورية، فكرتُ: من يا ترى ظفر بها في غزوة البارحة، وعض لها لحمها المتكور، ردفيها الطويلين الرشيقين، وفرجها الثائر، مبتلع الدنيا. قضيت نصف الليلة في غرفتي اجرّب نوعا من الويسكي، وحين وجدت أني خفيف الروح، نزلت أقصد كازينو الفندق، مع السلالم.








متُ في قريتي التي ولدتُ فيها
في بيت عمتي القديم
اتذكر من طفولتي رجلاً أسمراً اسمه ياسين 
كان يغازل بنت جارتنا حليمة
بقيت صامداً ولم اتزوج
أهلكتني ليال الوحدة والملل
ومع صحتي المتقلبة 
تنازلت كثيرا عن أحلامي الصغيرة
كنت أمني نفسي بالهرب
ولكني انتقلت من أعلى الحارة إلى وسطها
ازور الأرض البيضاء التي تركها لي والدي
لا ادري ماذا افعل بها
اجمع فيه الخشب والخردة
واتجول فيها في عصاري المطر
اتذكر اني كنت طفلاً صغيراً هنا
وأني مررت بحياتي -على هذا الأسفلت
كأي انسان 
مررتُ بها محملاً بالأشواق والغد الناعس
وخرجت منها مرتعدا مكوراً
يتجاذبني الوجود والعدم
وكما قال ديكارت عند موته: لقد كان حسناً!
سأقول بكل عادية: لقد كان مقلباً جميلاً!
آووه مخدوعون .. كم نحن مخدعون!
بالموسيقى والتأمل والجمال
مخدوعون بالأوهام الكبيرة
؛
سأموت هادئاً مرتعداً في زاوية الغرفة
ببيت عمتي القديم
راضياً بأي شيء كأنه كل شيء..










تحصل في الظلام الأسرار. اغمض عيني رغما عني، فيفتح أحدهم بوابات الأحلام والقصص الخرافية والتصويرات العجيبة. لا أحد يدري أين كان وماذا حدث؟ لكنهم يقومون من هذا السحر، كل ليلة، قومة البغال المتأزمة المختنقة بالحياة. قبل أن نتخدر بالنوم، نلتحم بأنفسنا، بأزواجنا، بأفكارنا الصغيرة، بآمال الغد، ثم نغيب في الكهف الدامس العجيب. كنت اسكن غرفة داخلية صغيرة جدا، اعيش وحيدا في صمت لأشهر، يحل الليل مثيرا بالتخويفات والتوهمات، كان النوم ينتشلني من خوفي ووحدتي.






في الليل في لحظاته الخاصة، يكاد يكون لا معنى للنهار بكامله، لا معنى للشقاء للركض للكسب للضحك، يأتي ليمسح على قلبي نكهة من الأبدية الصامتة، من اللاشيء، مخاوف الصبي الصغير. يغشيني الليل بمشاعر النهاية والتسليم للعقل، فالعقل يرقب اشكال النهاية دائما. اغنية فقط لصالح عبدالحي يمكن لها أن تجعل الانغماض في مغارة الفقد هذه، والخلود في النوم، تشبه الزمن الذاهب من حياتي وذكرياتي. وهذا يجعله حميميا في لحظته.






أني اتخيل قبل أن أنام، قصة غريبة عن صبي. قصة طويلة ويحدث فيها تكرار، لكنها تبقى حميمية للغاية. في وقت ما قبل الظهيرة وقبل أن تحمى الشمس تماما، يمشي في طريق ترابي تقطعه المركبات. يمر بجانب شجرة، وينظر إليها بلمحة سريعة. اتخيل قبل النوم، أنه يلمح الشجرة، كل مرة يحاذيها، ثم يكمل مشيه، بهيئة متكسرة ومتعبة. وحين يعود فيما قبل أن تغرب الشمس، يلقي عليها لمحته هذه، ليست هي تحية لصديق في الطريق، ولا رغبة في طمأنة نفسه بأنه يقطع طريقه الصحيح، ولكن لمحة جافلة فارغة، وكأنها ضرورة داخلية جبرية. اتخيل هذه الصورة قبل أن تغوص نفسي في ظلام النوم وفقدان ذاتي، ولا ادري لماذا؟!







في 2012 كنت أكتب بلغة تشبهني حينها، لغة ساخطة وحارة. في 2013 أدمنت البصل والخبز الناشف والسليط، وبقيت جافلاً متعرقاً في غرفتي لا أعرف كيف أكتب. الآن اتسائل وقد طمرت سخطي تحت أكوام ثقيلة من الواقع والقرب من الحياة، لم الضرر؟!، لا تفاجئنا الحياة بشيء، ولكن يبقى من الضرر وخزه الموجع الدائم. اني أدافع سخطي كل يوم بدرينة من حقن التشتيت والتخدير. كم اشتاق لتلك اللغة القديمة الهمجية، التي تركتها مهشمة تتطوح لوحدها، ولا ادري كيف اجذبها لي! كم تبعد عني وكأني لا أعرف فيها،  لا اتذكر منها سوى أنفاس الغليان لحظات كتابتها. ما الذي يجبر أحدنا على الهدوء؟، أعتقد أنه توالي الحياة، مزيداً من الركض الفارغ باتجاه الموت. الفراغ في النهاية الذي يجعل أعمارنا بلونة فُقأت. في هذه الليالي اتحسس لغتي القديمة كالأعمى العاشق نحو النور. أتمنى أن أعود صغيراً نزغاً ساخطاً متشائماً نحاسياً، فهذا على الأقل يناسب كل هذا الضرر، ويجلعني أعيش في صحة متناسبة.





لما اطفأ النور واغوص في الظلمة اشعر اني وحيد واني لا شيء وكأن كل شيء مخيف وعبثي وحقيقي. يقول ساراماغو الموت هو ببساطة كنت هنا وبعد ذلك لم تكن هنا. فيلسوف آخر يقول لا اخاف من الموت لانه حين يأتي لن أكون هنا. إن شعوري لا يتعلق بالموت بل بكثرة الأشياء في الحياة وبالتتالي، كالأمواج والرياح التي لا تريد أن تتوقف، شعور الوحدة شكلي داخله البحث عن موقف شبه دائم على الأقل بشأن الاستمرار في الحياة مثلا، بشأن اليقين بشيء والوضوح.





كل يوم يمكن أن تكون له فلسفة خاصة. والآن في مكان ما اعرف ان رجل افغاني يهتم بمزرعته الصغيرة ويهتم بقطيعه الصغير أيضا. وكل مرة تتحادث فيها مع أحدهم قد تتحصل على فكرة جديدة ويمكن له أن يشوش مزاجك. المهم أن هناك أشياء كثيرة في الحياة، ويفترض أن نتعلم كيف نأخذها بلامبالاة أحيانا مهما كنا جادين فيما نريده.





قد ننفق كثيرا من المحاولات مع الزمن حتى نفهم ان الحب  يود أن يخفي وحشة مرور الزمن، ويود أيضا أن يجدد نسياننا للذاكرة.







قال لي:
كل انسان وأي متهدم فليتأمل أن يحبه أحد.






قبل الموت هناك أربع هدايا
إلى الضالين كيف ضلوا عن الشوق
إلى مذاق النشوة في فمي كمذاق الخديعة
إلى قبلة الجروح في العالم
والهدية الأخيرة لرضا وأولادها..
ثم الموت الطيب لقلبي المنهك والظامئ
آمين




هنيئا لك بالظلام يا صديقي
فالدنيا إشارات غريبة ولم تعد مفهومة
إن قصة غرامك وعشقك الخافت واللاهب
قد يكون لها معناً ولا ادري
وهذا إن كان يشبع نفسك فهنيئاً
البارحة حين قال رجل في المقهى أننا ضائعون
كان يقصد أنه يفهم كل شيء
وكنت اشعر في قلبي أنه يبكي في قلبه لأنه لا يدري
ولا يدري اي شيء
وأنه لا يكاد يرى النور من حوله..
هنيئاً لك الفقد يا صديقي في ربعنا الخالي
إنما هذا وحده يعني أنك ربما وجدت الحياة
أو وجدت لها معنا
هذا إن كنت وجدت لها معناً
حقاً..




المشكلة المثيرة التي واجهتني عند قراءة خوزيه ساراماغو قرأتها البارحة في عمله الإنجيل يرويه المسيح، وهي في آخر العمل. حين يذهب يسوع لملاقاة الرب ليستفهم ويعرف ماذا يريد منه، وحينها يحضر باستور "الشيطان"، فيدور هذا الحوار بين يسوع والرب بحضور وتعليقات الشيطان!. يقدم ساراماغو مشكلة الخير والشر في وضوح وجدية وسخرية لم اقرأها من قبل. فالرب يريد أن يُعرف بأنه الخير والجمال والحب، وأوجد الشيطان لتنسب إليه كل الشرور، وكأن ساراماغو يوري بأن الفكرة تُنسب لمخترعها وإن آمن بها اخر وأصبح أباً لها. وحين يقدم الشيطان توبته، ويرجو الرب أن يقبلها حتى لا يعذب كل هؤلاء البشر ويحل السلام والجمال، يرفض الرب هذه التوبة. يا لسخرية كل نقد الذي لا يرى عيوب هذه القصة!. نعم أود أن اضيف وأقول أن الحياة، حياة البشر هي لعبة، رهان، قامت على مثل هذا التحدي: البقاء لفترة أطول لفترة تافهة جدا.


أيها الدخان الصاعد في الفضاء
فإذا ركض الناس كالبغال
وتباغضت الوجوه
وعلى وجه الأرض وردة ناعمة تسيل بالدماء
وإذا كتب الشعراء تسلياتهم بالهراء
واشتاق الراحلون إلى نهاية رحلتهم
واظلم الكون ونادى على اللا أحد
واشتاق السكارى لوجدهم القصير
وإذا ما ملت الأعناق من التلفت والحديث
إذا ما اقتنع الخياليون أن عوالمهم كاذبة خانقة
إذا ابتعد كل شيء عن معناه
وفقد المعنى أن يكون معنا
إذا ما صدق النفييون
وجاء العدم
قل لي كيف احارب بعوض هذا الليل
بأي قلب وبأي سيف !




abuiyad