تأزم العلاقة الأزلية في أعمال التكرلي، وانطباعات منفردة










فؤاد التكرلي في مقهى حسن عجمي




* إني آسف أن قراءة جميلة ممتعة لفؤاد التكرلي، خرجت منها هذه الكتابة المتهافتة المضطربة. إنها مشكلتي ولم تكن مشكلته.
* تحوي هذه الكتابة على 55 تكراراً لكلمة "تأزم"، بما فيها الواردة في العنوان، وهذه المضافة في هذه الملاحظة!.
* الأعمال التي ارشح قرائتها، بصقة في وجه الحياة - رواية صغيرة. و المسرات والأوجاع - رواية كبيرة.

؛



على الرغم من قلة أعمال الروائي العراقي فؤاد التكرلي، إلا أن الملاحظ أنها تهتم بمحاولة إبداع قصة عراقية جديدة، محاولة خاضها متردداً ومراجعاً كثيراً. تلك القصة التي نشأت مع عبدالملك نوري، وتبعه آخرون. ومع ذلك، فإن أعمال التكرلي تحمل بصمته الخاصة، وجهده المثابر لخلق فنية خاصة بالقصة العربية العراقية. إن ما دعاني لقراءة أعمال التكرلي، هي قراءة قديمة لعمل اسمه " بصقة في وجه الحياة"، أثارني جداً، وأحدث في وجداني تصوراً بقوة وجرأة هذه التجربة. يبين فؤاد التكرلي ظروف كتابة " بصقة في وجه الحياة"، التي كتبها في عمر الحادية والعشرين. يكتب : " كنا نعيش أنا وعائلتي في حالة مستمرة من العوز المادي بعد وفاة والدي...، إلا أن التباعد الكبير بين مظاهر الترف المحيطة بي في الكلية وبين ما أعيش، لم يجعل الأمر خالياً من المرارة دائماً. لم أكن شقياً ولا كانت الظروف تسمح لي بسعادة حقيقية مستمرة، وكان الحرمان متنوعاً يحاصرني من كل الجهات. ... . كنت أحس إحساساً ذا مستويات عديدة بحاجة إلى وجود الجنس الآخر في حياتي، وجود الأنثى رفيقة الشباب، الصديقة الذكية المتعاطفة. هذه الحاجة العظمى لشاب حساس متأدب، التي تأخذ من الوجود الروحي بقسط كبير من ضرورات الجسد بقسط آخر، كانت قمة الحرمان". ربما أن هذه التجربة المريرة، تفجرت مؤثرة على تصورات هذه العلاقة في أعماله، وعمّقت لها أبعاداً متباينة. فنعاين ضمن الصوت الداخلي للشخصية، قدراً أكبر من تصوير حالة التأزم العامة هذه، والتي تنحصر موضوعاتها في مراقبة العلاقات وتفسيرها، تأملات سير الحياة، سيطرة الجنس والهيام بتفاصيل المرأة. وقد يصح لنا تصور الربط الجائز بين ظروف كتابة العمل، وفنية العمل، فيمكن أن توفر قراءة أعماله من قصص وروايات ومسرحيات/ حواريات، على استجلاء حالة التأزم هذه، في كيفية علائقية، تدور حولها حياة أبطاله، الداخلية والخارجية.


ينضوي هذا التأزم الإنساني الداخلي العلائقي داخل مجتمع متأزم أيضاً. فالمجتمع العراقي عانى منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ومع تأسيس الدولة العراقية أزمانا من نكبات الحروب والإنقلابات والحصار التي لا تنتهي. ومن هذا التاريخ الاجتماعي، تخرج شخوص التكرلي، من هذا الفرن الصاهر، بنفسيات متأزمة، وتدافع داخلي متوتر، يريد الانتفاض على تقاليد صلدة رجعية لا زالت تحكم العائلة العربية، ونفس تود تحقيق طموحاتها الكبيرة التي يقف شظف الحياة في طريقها، إضافة إلى عنصر ثالث طبيعي نفسي منبعث من حالة الثورة على الخارج برغبة من تحقيق الفردية، والإنحياز التام لها، يحدث هذا في فترة المراهقة، والتي كانت ذا تأثير مهم فيما سنقرأه من تصور عن حالة التأزم هذه. إذاً؛ فهذا مولدات حالات التأزم في أبطاله، تنطبع تأثيراتها في العلاقة الأزلية بين الرجل والمراة. يوظف التكرلي هذا الخارج المحاصر/ الحرب للإنسان في أعماله. فبدءاً من "الرجع البعيد" يحل الضربات الحربية والقصف الذي لا يتوقف، كخلفية تصويرية في أجزاء العمل الأخيرة بالذات، جنب لجنب مع تمزق مدحت وهربه، وبقاءه مشدوها مما آلت إليه حياته. وحين ينتهي العمل عند معادلة رياضية يدورها البطل في مخه، ليجتاز شارعاً تقع فيه مناوشات نارية تُجهز عليه أخيراً، ليخلّص التأزم الخارجي التأزم الداخلي. يصف التكرلي مجتمع هذه الفترة، في " الرجع البعيد" فيقول: " أنه المجتمع العراقي في سنة 1962. ولأنه مجتمع اللااستقرار، اللامستقبل؛ مجتمع الهاوية والتخمة والبلادة والارتعاد والحقد والنفاق، مجتمع أن تأكل بعد وجبة طعام دسمة والا تعلم ما يجري في العالم وان تتعقد جنسياً بالضرورة وأن تحذر الفقر، فانه مجتمع لا علاقة له بأفراده الحقيقين. انه المجتمع الذي لا يقدم لك شيئاً مقابل شروطه الغبية؛ لأنه ليس مجتمعا، بل فترة زمنية. ولذلك فان ذكر الخداع في تعاملك معه، يعني الكلام بلغة غير مفهومة. انك ليس في موضع الخديعة حين تريد أن تنقذ نفسك". في "المسرات والأوجاع" يكون التاريخ والصراع أثراً معايشاً على الشخوص، فيشير إلى انقلاب عبدالسلام عارف على رفاق الثورة عام 1963 في الفصل الأول من العمل،  ليحرك شخوصه تحت تأثير هذه التبدلات السياسية والإجتماعية. وينتهي العمل في أجواء الحرب القائمة مع إيران. في عمله الأخير " اللاسؤال واللاجواب" يعود إلى تصوير حياة عائلة عراقية تعيش ضمن هذا الحصار القائم على العراق، فيقول: " كلنا كأفراد، محاطون بظروف وأزمنة تجعلنا كدودة القز، منغلقين داخل شرنقة لا فكاك منها. لسنا مجوعين من قبل سلطتنا العراقية فحسب، بل إن العالم كله، دولاً وشعوباً، صمم أن يقتلنا جوعاً وخوفاً؛ وسيُنسى كل هذا ولن يسجله التاريخ". ويكمل تصوير حال المجتمع في ظل هذا الحصار وبعد انتهاء الحرب مع إيران، في مكان آخر من العمل: " عدت إلى البيت منهكاً بعيد الساعة الواحدة. لم أجرب معايشة الجوع هكذا من قبل، وكنت أفكر، أثناء إلقاء الدرس بشكل آلي، بأن هناك سداً منيعاً من فراغ المعدة وتقلصاتها، يمنع هؤلاء التلاميذ المساكين من الفهم أو حتى من نصف الفهم. فهل فكر العالم وهو يحاصر شعباً بأكمله بناء على رغبة حقودة من دولة معينة، بمثل هذه النتائج؟ أم ان هذا العالم كان يسعى بإصرار إلى تجهيل هذا الشعب، لأنه يجد في ذلك، عدا المتعة والانتساء، فائدة جلى مستقبيلة؟".


إن هذا التأزم ينقسم إلى مستويين، الأول هو تأزم الشخصية في ذاتها، والآخر هو تأزم تلك العلاقة الأزلية المضطربة بين الرجل والمرأة. النظر إلى المرأة باعتبارها أنثى ذات مكوّن جاذب جدا وملغز، أكثر من اعتباريات وجودها ضمن تكوينات اجتماعية وأخلاقية مقننة. وربما يصبح التأزم الثاني سبباً من أسباب في تأزم ذوات شخوصه وتعقدها. كما في روايته الأولى " بصقة في وجه الحياة"، التي تقوم على ذروة تأزم العلاقة الأزلية بين البطل/ الأب، شرطي متقاعد في الخميسن، وبين زوجه وبناته الثلاث. فنتتبع مع صوته الداخلي صور تأزمه انعكاسا لموقعه من هذه العلاقة، والتي يمارس طرفها الآخر/ زوجه والبنات، تحت نظره، حياة منفتحة من العلاقات العاطفية والجنسية، ودنيا من اللهو بلا حدود. في "الوجه الآخر" الرواية التالية، يتحول تأزم العلاقة الأزلية بين البطل محمد جعفر والسؤال الأخلاقي الذي يلاحقه. هل يرضخ لإغواء امرأة جديدة /سليمة، أم يبقى في عناء الزوجة/ سعدية، التي اصبحت عمياء، واخرجت له ابناً ميتاً. وهنا يلتقي بوجهه الآخر، وسؤالات الشرف والتضحية، جوهر وواقع هذه المفاهيم. في الرواية التالية التي كتبها خلال عشر سنين " الرجع البعيد" 1966 -1977، نواجه تأزم الشخصيات على المستويين، فلنتقي بعبدالكريم المراهق المتأزم ذاتياً بأسئلته الكثيرة، وكذلك هو الحال مع مدحت وحسين ومنيرة. أما المستوى الآخر، فيرتفع التكرلي بهذه الأنفس المطبوخة داخلياً إلى ساحة أخرى من تشابك وتعقد هذه العلاقة بين الرجل والمرأة. فبعدالكريم ينحت شكلاً حالماً في محاولته فهم مشاعر الإعجاب تجاه ابنة عمته منيرة، ومدحت أيضاً يجد في مد أمشاج هذه العلاقة بمنيرة ضمن منحوته الذاتية الخاصة، بينما تناور منيرة في منطقة غائمة بين هاتين الرغبتين الممدودتين نحوها. في ذات المستوى، هناك علاقة حسين بزوجته مديحة، تلك العلاقة المنقطعة القائمة والمرتبكة في نفس الوقت، تحمل تحتها تأزمات ذات حسين الغارقة في السُكر والهرب. يرفع التكرلي أحياناً من تأزم هذه العلاقة. فيحاصر منيرة بهم كبير ناشئ عن فقدها لعذريتها، والذي حدث لها بالغصب، ويُعلي مرة أخرى من هذا التأزم، فيكون مغتصبها هو ابن اختها عدنان. نلاحظ هنا تأزم معقد، من طبقتين أو بخطين متواليين. فها هي مقبلة على الزواج من مدحت، وتحمل معها إرثاً كارثياً، من تأزم سابق وقديم ولكنه يبقى إلى الحاضر وربما إلى الأبد. في العمل التالي " خاتم الرمل" يعمل التكرلي على كشف بواطن التأزم والقلق الفردي وجدانيا ونفسياً بإزاء المجتمع. ونعاين شكلاً جديداً من صور هذا التأزم العلائقي، والمُقدمة كحلول لتأزم آخر. تسيطر ذكرى الأم سناء على جانب كبير من رؤية هاشم للحياة، فهي تمثل بسطوتها مثالاً حميمياً وقوياً ومثالياً للعلاقة الرابطة بين الرجل والمرأة. يعود البطل لظل العلاقة بالأم، كعودة للمثال، وربما كمهرب ومبرر لأخطاء وفشل العلاقة الأزلية التي هو بصددها. نجد هذا الشكل، في أعمال التكرلي كوجود مكوّن مؤثر في أعماق الشخوص، وربما يتجاوز ليكن من أسباب تأزم دواخلهم، في "المسرات والأوجاع" يعود البطل/ توفيق لذكرى أمه كملاذ نفسي، كما تحكم غسان أحد شخوص العمل علاقة مؤثرة بذكرى أمه التي هربت وتخلت عنه. المستوى المعهود في "خاتم الرمل" من تأزم العلاقة الأزلية، يقود البطل إلى التغيب عن حفلة زواجه، حيث يقوده شعور قوي للبقاء بجانب قبر أمه، وهو بعد ذلك، لا يعود ليكتب نهاية ما لعلاقته بزوجته المعلقة - كما هو حال حسين في "الرجع البعيد" مع زوجته، ويبقى تبرير هذا التأزم غير ظاهر ولا معروف لا للبطل ولا للقارئ. يكتب التكرلي بعد ذلك روايته الكبيرة " المسرات والأوجاع"، ونشهد هذا التأزم في العلاقة الأزلية، بدءاً من علاقة الزواج التي أفشلها عقم توفيق، وتقلبات الزوجة وتنمرها ثم طلاقها، إلى ممارسة توفيق انفتاحاً ملتهباً مع رغباته الجنسية، وتلهفه الكامل للعلاقة بالمرأة، بعضهن كن في دائرة الحب المحرم. يناقش التكرلي هذا التأزم في أشكال أخرى من العلاقات، فهناك امرأة مستعادة جسدياً دائماً كما هي  منيرة في الرجع البعيد و فتحية في المسرات، وزكية في رواية اللاسؤال واللاجواب. فتظهر المرأة في الرواية في حياة البطل بعد أن تخوض علاقة زواج أو حب أو اغتصاب/اغتراب في ذاتها، فمنيرة تشرع في العودة لمصافحة ذاتها ومسالمته بدخولها حياة مدحت، وفتحية في المسرات والاوجاع تعود لتوفيق كحبيبة مترددة ومنصاعة في ذات الوقت لهذا التأزم العلائقي الذي يشدها نحو توفيق، بعد موت زوجها الشائخ في السبعين أيضاً، وأيضا أديل التي تعود لتختفي، وزكية أيضاً في اللاسؤال واللاجواب ربيبة طفولة البطل تعود له بعد موت زوجها. وفي هذا الشكل، نلاحظ تأزم تكويني ونفسي في العلاقة الأزلية يؤثر في داخل المرأة، حين يتزوج بعض شخوصه من النساء في أعمار صغيرة من شيوخ في السبعين من العمر، وحيث يكون الجنس وحده هو هدف هذه العلاقة، كما يظهر هذا بوضوح في قصته " القنديل المنطفئ". في العمل الروائي الأخير للروائي العراقي فؤاد التكرلي " اللاسؤال واللاجواب"، وبعد إضاءات خلفية عن تأزم علاقة الأب بأم البطل وضربه لها، يسيطر على البطل/ الإبن تشكك يحاول أن يفسر به، عثوره على كنز ثمين في غرفة المكتبة العلوية، وهذه التفسير الاحتمالي الداخلي للبطل هو علاقات غير شرعية تربط زوجه وبنتيه برجال في الخفاء، أثمر عنها هذا الكنز المخبأ. إن هذا التشكك، على الرغم أنه لم يكن ثيمة أساسية في اخر أعمال فؤاد التكرلي الروائية، إلا أنه لم يخلو منها على كل حال. ولا نجد المرأة كشخصية في أي من قصصه القصيرة إلا ويقوم هذا التأزم في هذه العلاقة، فقصته الشهيرة " العيون الخضر" هي صوت داخلي لنفس معذبة، مجبرة على الاعتراف لذاتها بالهزيمة، إنه صوت فتاة عاهرة. وقصصه الأخرى كـ" الحائط والحكايات الحزينة" " م.أ.ع.ر.س" "ذاك النداء" الغراب" " غرباء" "القنديل المنطفئ" تحوي شكلا من هذا التأزم، بينما قصص أخرى كـ " أمسية خريف" " المجرى" " الدملة" يظهر فيها الحب الشاذ، المتلهف لما عند الغير، في درجة أعلى من هذا التأزم. نجد هذا أيضاً بشكل غريب واضح ضمن قصص مختلفة وتبديلات فنية، في مجموعة " خزين اللامرئيات"، فهناك اعتلال للعاطفة دائماً، وحب محرم. ففي قصة "المنحدر" يكوّن الشرف المهتوك موضوعها. وفي القصة الجميلة"إمرأة الصمت" تتعارك شكوك هذا الحب المحرم المتجاوز، رغم أن إمراة الصمت هذه لم تكن مذنبة. في " النهاية الثانية" تأزم العودة إلى الزوجة التي تزوجها الأخ بعد أن بات طي النسيان. في قصة " وانغمرت بصوتي" تأزم في العلاقة الأزلية بين رجل في الخمسين وتلك الأسيل الصغيرة. إن نظرة عامة فنية لتكرر هذا الموضوع، قد تهتم بمقاربة التكرلي لهشاشة وتهتك عالم الهروب الذي يقصده طرفا هذه العلاقة معا أو أحدهما، حيث تلوح فرص الحب الجديد، الحب الذي يعوض السابق التالف، والمشوق الذي يغير روتين الحياة القاتل والكآبة الضاربة في النفوس.  إن  مثل هذا الحشد المتسارع من تتبع تأزم هذه العلاقات الأزلية، هو عملية جرد متعجلة تريد أن تتصور هذا النموذج العام المسيطرة على  أعمال التكرلي. ومن جهة أخرى نقول أن كل هذا الحشد الذي سردته بهذه الكيفية المحزنة لأي كاتب يود أن يكتب مراجعة عن أي كتاب أو كاتب - ولنقل فؤاد التكرلي مثلا، تم تبريره فنياً وموضوعياً، وعولج بلغة قصصية جادة، وفي قوالب كانت ضمن محاولات محترمة ومقدرة لابداع القصة العراقية الحديثة.









- انطباعات منفردة مختصرة عن الأعمال:




بصقة في وجه الحياة - 1949:

بطل العمل، شرطي متقاعد في الخمسين، يدير حواراً ذاتياً متتبعاً لأسلوب عيش زوجته وبناته، واللاتي يعشن حياة منفتحة قذرة وجنسية تحت أعين الأب المراقب. وهنا يفوز صوت الضمير الحاكي تماماً، إذ تتحول اللغة الساردة داخل هذا الصوت إلى ما يشبه كوّة مستترة داخل قلوبنا وفم الراوي/ الأب، ليخبأ فيها عصارة سخطه وجبنه وورطته وخزيه وتأمله. يشرّح التكرلي عبر هذا الصوت مثالاً صعباً، في منطقة ملعونة ومرفوضة اجتماعياً. وحين يصح تناول هذه المناطق الشائكة باعتبار وجودها، إلا أن التناول السردي عبّر عن تأزم خانق في العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة. وهو ما يمثل علامة موضوعية شديدة التكتل في سياقات البناء العامة. إن الصوت الحاكي للأب، هذا الضمير المنطلق في ملاحظاته وصب لعناته، كان أباً فنياً أيضاً استطاع أن يحوي موعيات القصة، حين يكون التقمص تاماً وغير ملاحظ، وينجح في اقناعنا تماماً. عمل هذا الصوت عبر مفردة صارخة وواضحة وبليغة، أضفت على المأساة القصصية بعداً متقناً ورصيناً. يفوز هذا النص القصصي، أو الرواية القصيرة، منذ البداية وحتى فصوله الصغيرة الأخيرة، حين تتكثف اللغة، وتحمل وعياً ضوئياً شاعرياً يُبقي خط العمل مع ذلك واقعياً ومستساغاً وقوياً. نفست هذه اللغة عن حالة تأزم في منطقة محظورة، لكنها تناولتها بفنية توازي محظوريتها.




الوجه الآخر- 1957:

ينتقل صوت الراوي بينه وبين صوت البطل الداخلي، بتتابع الفصول. وهنا المرأة مرة أخرى كطرف أصيل في عذابات التمزق الإنساني، المرأة كميدان للسؤال والصراع عن الوجه الصريح للإنسان. إن البطل محمد جعفر المأزوم والمحاصر داخلياً بين صراحة ضميره ووقاحة نفسه، يعاين في مسافة البين هذه إشكال السؤال عن جوهر الأخلاق. حين يقابل وجهه الآخر في ساعة المحن، وهو يكاد يتلمح تمرد وجهه الآخر هذا حين يتكشف عن أسئلة جادة بشأن الحقيقة ورغبات الهرب منها أو الإلتجاء إليها. فهو في خضم هذا التمزق والصراع يفكر بالضرورة في طبيعة هذه المفاهيم الأخلاقية، في أهميتها لحياته، أيلتزم بها أم يدوس عليها بقدمه. ما الشرف؟ وما التضحية؟ وما هذين الموضوعين الاجتماعين المسيطرين في واقعهما وفي جوهرهما؟, إن الإغواء يجتذب وجهه الآخر من سليمة الحبيبة، لينكفأ عن سؤال الأخلاق القائم عن جريمة لو تخلى عن سعدية زوجته، التي باتت كحمل ثقيل، بعد أصيبت بالعمى وقدمت له ابناً ميتاً. يقابل محمد وجهه الآخر هذا فيحادثه بوضوح وعنف ورعدة. 



الرجع البعيد - 1966 -1977 : 

يشير التكرلي في إحدى مقالاته، إلى أن فكرة الرواية بقيت مختمرة ثلاث سنوات قبل أن يشرع في كتباتها. ونجد من اشارات التكرلي في مقالاته، أن هذا العمل و " خاتم الرمل" كانت أفكارهما الرئيسة هي مجرد قصص سمع بها من معارف أو أصدقاء. تمثل " الرجع البعيد" علامة بارزة في أعمال التكرلي القليلة، فهي تخوض بعمق في تعقد العلاقات الاجتماعية العراقية، ويعتمد اللهجة العراقية لغة أساسية في الحوارات، عمق جواً أكثر حميمية ومصداقية للشخوص والأحداث. نعاين التأزم المنعكس عن العلاقة الأزلية، في توجدات الرغبة والحب، التي تتصارع منفردة وذاتية بين الأخوين " مدحت" و" عبدالكريم" باتجاه "منيرة" ابنة العمة. وفنيا يختار التكرلي هذه المرة، وجهات النظر منطلقات للسرد. فنقرأ في كل فصل الأحداث من خلال مناظير الشخوص النفسية والداخلية. ونجده مقنعا حين لا يغير من لغته بل يجعلها تحمل الشخصية على طوفها، كما في فصل الطفلة " سناء".إن إعادة قراءة حدث عبر عين شخصية أخرى هو مغامرة تحتاج كثيراً من الجهد والتدقيق وكذلك فنية الإفلات من المنظورية الميكانيكة والاقتراب من منظورية ذات وعي قصصي مناور وخلاق. ما يعمق التأزم هو استباط الروائي لصراعات الداخل عند شخوصه وخاصة " عبدالكريم". ثم يوظف التكرلي موضوع الشرف في الشخصية العربية، عند وبعد علاقة الزواج التي تربط " مدحت" بـ " منيرة". حين يكتشف أنها لم تكن عذراء، فيعود ليعاين عمق التصدع النفسي داخل هاتين الشخصيتين. وها هي منطقة أخرى مرفوضة ومحظورة، ففقد "منيرة" لعذريتها وقع غصباً من ولد أختها " عدنان"، والذي يشرّح لنا من خلال شخصيته لامبالاة وتسلط هذه النفس العفنة. المرأة والحب والأخطاء والتعب ما يميز هذه الرواية العراقية موضوعيا، ولغة التكرلي هي لغة مكتملة القص، فلا تتخلى حركة الوصف الشعوري عن الوصف المكاني والتي تخلق مصداقية وحميمية معايشة لحالات الشخوص. أبطاله هؤلاء أشقياء وضعفاء يدركون ضعفهم ويحاوروه. وهو يكمل اتقانه هذا عبر تتبع خواطر شخوصه حتى اللحظة الأخيرة، حيث لا تفيض فتمثل تعباً في البناء. هذا مثال لحميمة الفكرة، حين يقابل الإنسان نفسه، ويواجهها.  يحاور "مدحت" زوج أخته " حسين"، والذي يعيش أيضا حالة من تأزم العلاقة مع زوجته، فهو منفصل عنها، مسحوب للشرب فقط، يقول " مدحت" : " شلونك ويه صوتك الداخلي يا حسين؟ كل لي، ما عندك صوت يركض وراك وين ما تروح، يسألك عن كل شيء ويعلق على كل شيء؟ هذا شنو، هذا ليش سويته، هذا صح. هذا غلط. هذا نفاق. هذا تعدي. هذي خربطة. هذي هزيمة؟ صوت لا ينام ولا يتعب. يحجي وياك أثناء ما تحجي واثناء ما تسكت. من انت بوحدك وأنت ويه الناس. عندك هيجي شي حسين؟ عندك؟". يبتدأ العمل بموت وينتهي بموت، وبينهما نغوص في قراءات فلسفية ووجدانية وتأملات بسيطة تخص الحياة والعذابات. وموازياً لذلك تحتفظ الرواية ببنائيات التصوير للأحداث والمشاهد حتى الصغيرة منها، والتي هي تسمك وعي القصة. كان هناك بعض الاطالات السردية الفائضة، خاصة في الفصل قبل الأخير، والتي هي اطالات من الصوت الداخلي ازدحم بخطاب مبالغ الرومانسية، كان يمكن اختصاره. وفي بعض الفصول قاطع الروائي بين صوتي الروائي وصوت الشخصية/ الضمير، لم يحقق هذا نجاحا كاملاً بسبب تعليق الاثارة المنترة ومحاولة قراءة عمق الداخل الانساني لشخوصه.



خاتم الرمل - 1993 :

يعود الصوت الداخلي للبطل هاشم ليكشف بواطن التأزم والقلق والتمرد الفردي وجدانياً ونفسياً بإزاء سلطة المجتمع. إنه يبحث التفكك والمصير، وفي عمق اشتباك هذا البحث يعاين البطل تجربته، والتي يقدمها التكرلي كعادته بلغة ملتزمة ومتحركة بالتصوير الداخلي والخارجي. وتكاد تتضح رؤية الروائي عن رغبته في تدوين المسافة الفاصلة بين الداخل الخاص المسالم والفوضى الخارجية للمجتمع. ففي هذه المسافة يلتزم البطل بالإنسياب وإطاعة ذلك الصوت يجبره على تحدي المجتمع والعرف، وإهانته حين يتخلى عن حضور حفلة زواجه. إن هذا الانصياع اللامبرر لهذا الداخل يعطي فسخة لتأمل الداخل أكثر. وحين يتوقف البطل عند بعض الأصوات الخارجية كخاله رؤوف والدكتورة سلمى، ليستمع للخارج، لا يوقفه هذا عن الإنصات لداخله، والابتهاج له، ثم السخرية من هذا الخارج المتكلف. إن التبرير الشكلاني الذي نقرأه متأخرا عن سبب تخلف هاشم عن زواجه، وإبقاءه متأزماً في علاقة نعم ولا/ زوجة وليست زوجة، هو شيء ما أجبر بطلنا على أن يقضي ليلته تلك بجانب قبر أمه. ولكننا يمكن أن نتلمح الفردية والحرية عنواناً خلفياً لهذه العقدة. يكتفي البطل بإمراة واحدة، أمه سناء، وينجح ذهوله عن تهديدات الخارج بالتصفية لإنهاء علاقة الزواج تلك، بإبقاءه صامداً مدافعاً عن داخله المتآلف والغير مفهوم له. 



المسرات والأوجاع - 1996 :

بالنسبة لي يعبر هذا العمل عن عجز الإنسان في معرفة ذاته، ومن ثم يمكن أن نقرأ تحت هذا العنوان سير العمل والعناوين الأخرى المتفرعة. تستغرق عملية بناء خلفيات الأسرة والمجتمع والتاريخ وقتا قصصيا، ثم يتفرغ بعد هذا الإرساء لتتبع حياة البطل منذ الولادة وحتى سن الخمسين سنة. أربعة فصول فيما يقارب 460 صفحة، تنقل فيها بالتتالي بين صوت الراوي وصوت البطل الداخلي. إن هذا العمل يتوسل عملية الحشد والجمع والتقطيع في الوصف والتصوير وبناء وعي القصة. ووجوه هذا الحشد والجمع تقوم بها لغة جمالية هادئة ملتزمة ذات رتم واحد ممتد. وهذا الصوت الداخلي يجعلنا مستسلمين لأفعال البطل وحركات الشخوص من حوله، حيث يتابع الراوي ضبطه القصصي بمواكبة أنماط وتغيرات حياة الشخوص من خلال تماسهم مع بطله توفيق. هذه الرواية هي حشد كبير لما يمكن أن تقوله حياة إنسان متأزمة على مستويات. لكنه رضخ لتبدلات هذه الحياة وتأثيراتها عليه، وبقي متفرجاً عليها، ينجر مع دوافعها الداخلية الصغيرة والكبيرة، ويستلم لها خارجياً. أما الداخل فهو متسائل وحيّ ومنساق للغزه الخاص. ما أعجيب هذا الصبر الذي يحمله كاتب ليقص مثل هذا التكرار الحياتي، والذي ننساه بمضي الوقت، ولكنه يُجمع هنا ليشي ببلاوة الحياة- إن صح التعبير. إن الفُسح الموضوعة باتزان يتأمل فيها البطل تبدلات حياته وحركته اليومية فيها أضافت لمسة نفسية جمالية عذبة، تثير كل يكمن بسرية وغرابة، داخل صناديقنا الصغيرة والكبيرة المغلقة في دواخلنا. يكوّن الجنس والعلاقة الأزلية النهمة والمستعرة بناءً مهماً في العمل. وتخلق هذه العلاقة المتطلبة والشائكة دائماً، المتغيرة والمسيطرة على حياة البطل موضوعاً مشكلا وثيمة مؤثرة تكاد ترتكز عليها جوانية البطل وهمومه. المرأة دائماً عند التكرلي بوصفها حبيبة وزوجة وأماً وحالة غائمة لا حدود لها، المرأة بوصفها مثيراً لفعل الحياة، وشاغلاً للنفس من خلال رغبة التحصل عليها جمالاً وجنساً لذيذاً ومهرباً ومأمناً. إن قراءة متعجلة قد تود أن تضع هذا العمل في رف الأدب الإيروتيكي، لأنه يعنى كثيرا بتصوير العلاقات الجنسية والحب الشاذ النافض عن كتفيه أية حدود وقوانين داخلية وخارجية. لكن قراءة أكثر تريثاً وعمقاً ستنظر بشكل من سيطرة التأزم والحصار على نفسية البطل، ليجد في هذا الإنغماس موضوعاً للحياة، وموضوعاً مثيراً، قد يجعل حياته أكثر تلغزاً في تلغزها الكبير. كيف يمكن أن نعاين بطل العمل؟ هل باعتباره متأزماً أو مسالماً منطلقاً مع رغباته، أم متعباً منتبهاً وغير مستقيل من الحياة؟. أعتقد أنه يصح أن يكون هؤلاء معاً. فنياً؛ نشعر بذات كوّة "بصقة في وجه الحياة"، التي يشرف أو يطل علينا منها التكرلي، ليصطحبنا داخل تلك النفس المراقبة والنشطة، المتأملة للوقائع والحائرة أيضاً. وهذه الحائرة تدعونا من خلال التعبير الصريح عن رغبات التحصل على الأنثى والتدقيق في تكاوين جمالها الجسدي والنفسي واللذة الكامنة في الإلتصاق بها. إن المسرات والأوجاع هي عنوان أكبر لمتحصلات فلسفية رائعة وجميلة قُدمت بهدوء، ويمكن التحصل عليها بمجرد القراءة، فقط قراءة قصة هذا البطل وصوته المعبر عن عجز الحياة من حوله لتجامله أو تسعده. إن نفس هذا البطل هي نفس كبيرة خاملة، أقرب لطبيعة المجتمع وصيرويته منها للشذوذ عنه. وإن هذه اللوحة الأخيرة التي نشاهدها تتكون أثناء القراءة وعند الإنتهاء، هي لوحة في منتهى القرب مما تعنيه فلسفة الحياة بجملتها. حيث هي كثير من التعب والرغبة. وعلى الرغم من طول العمل إلا أننا نقرأ بلغة متزنة حافظت على إيقاعها الذي تستلزمه هذه الرواية الغاصة بالتفاصيل والتكرارات والحركة المتبدلة. ما تثيره هذه الرواية هي أن تعيدنا لنقطة واحدة، وهي الا نعتبر الحياة أكثر من ذلك!. فنفض عنها وعنا كل هراءات كاذبة وحالمة ومنافقة وتافهة.




اللاسؤال واللاجواب - 2006 :

يكافح بطل هذا العمل ليبقى على قيد الحياة مع ما يعوله من زوج وبنتين. ويعتري هذه العائلة العراقية تشوهات علائقية، وكأنها مخلفات ونتائج الحصار العالمي والمفهوم الأخلاقي. يستذكر البطل شخصية الأب المتجبرة، ويزاول تأزمه الحياتي المكافح في عملين ليلاً ونهاراً، ونوعاً من تأزم العلائق وهو يحاول أن يبرر مصدر الكنز الثمين الذي وجده مخبأ في البيت، متشككاً في زوجته والبنتين. يضيف التكرلي مرض الصرع كتركيب ضاغط في حياة البطل، وعقدة فنية يندرج فيها العمل على الانقطاع والتذكر الذي يولده المرض في ذاكرة البطل. وفي هذا الجو لا يخلو صوت البطل الداخلي من تأملاته في حياته وفي أسباب انقطاع الذاكرة هذا. وحين تكون هذه هي الحياة بكل صعوبتها وعوائقها والرغبة الشدية في النجاة، يصبح الموضوع لاسؤال ولاجواب عن القانون والأخلاق. ومع ذلك فالصرع ينقذ الأسرة، ولا تسأل الزوجة عن مصدر المال النازل عليهم، ويعود المرض ليقضي على البطل، حينما تطل بوجهها هذه الحياة الجديدة المنتظرة. 


؛


قد يصح أن نلاحظ أخيراً كثيرا من الفلسفات الواضحة والبسيطة المنتشرة في أعماله. فمثلاً، هناك فلسفة ما للمال في حياة أبطاله، في رواية المسرات والأوجاع، تنتهي الرواية حياة تحضر الثروة في حياة البطل. ويحدث هذا أيضاً في اللاسؤال واللاجواب، حينما تصبح العائلة على مشارف حياة جديدة مترفة تنتهي المروية، وكأن قصص التكرلي لا تستطيع أن تعيش ضمن اعتبار المال والحاجة إليه منعدمة أو قليلة، ولكنها تتنفس بأبطالها الذين يتماسون مع أشخاص يحيون بثراء، فيعاينون تلك الأنفس الغريبة والمختنقة بطمعها وبخلها وأمراضها. إن هناك فلسفة ضمنية خلف هذه الصورة تشي باحتقار المال. 












abuiyad