ليلة دخان

















الساعة الثالثة والنصف عصراً، متعب يبعث برسالة " رفعوا سعر الدخان". بالمقدور تخيل نفسي انجح مرة واقلع عن التدخين تماما، فالعقل يعيش في تبادل متفاوت ودائم بالخدع بينه وبين النفس. انتعلت حذاء الركض، وفكرت في شيء واحد عن أضرار مفاجأة قلبي بالخبر، بمعنى ما يحفل في داخلي فعلا وما لا يحفل. فنحن نعيش في دوامات يومية من أخبار الفجائع والجنون، وبينها تتسلل الشائعات والكذبات. في الليل قمت محصوراً، على ضوء أنوار الشارع المتسلل من تحت البطانية المعلقةعلى شباك الغرفة، تلمست بيدي البرميل في الزاوية، سحبت الغطاء، خنقتني رائحة البول السوداء، افرغت مثانتي، ودخنت سيجارة معلونة ومعجونة ببقايا كوابيس ورغبة ملحة في العودة للنوم. اعيش في غرفة معزولة، علي أن امشي كثيرا وفي نزول وصعود وافتح أربعة أبواب لأجد الحمام. استيقظت والشمس تحاصرني بقوة. اشعر برغبة قاتلة لأمزق هذا التشباك بين الافكار في رأسي. لماذا قد يود أحدنا أن يدمر نفسه بكل هذا الجموح؟!. أنا اعمل في مستودع للاخشاب والحديد، مهتمي هي الاشراف على العمال في تنزيل وتحميل الأخشاب، هناك أخشاب لينة وأخرى صلبة، كقلوب الرجال وكفحولتهم. أخشاب للبناء وأخشاب للديكورات، أخشاب من نوع ممتاز لا تعتمد عليها كثيرا، لا شيء يمكن الاعتماد عليه كثيرا. وصلت متأخرا كالعادة، لامني المدير بعبارته الدائمة. عندما جاء الليل، كانت الليلة. توجد في القرية ست بقالات، في البقالة الأولى، قال سليم، إن المورد لم يأت. وقال: عندي hope. تسمية حلوة. لابد أن يكون الرجل الذي اختار لسجائره اسم hope  كان يحب الحياة. تجولت حتى بقالة المبروك، قدم لي صندوقا مستطيلا من الكرتون جمع فيه ما تبقى من علب السجائر، كانت لحظة عظيمة، كأن أحدهم لاحظ أني رجل يحتاج إلى اهتمام ما. وجدت أنواعا واسماء جديدة لم ألاحظها من قبل. هاتفت عبدالستار، "في دخان؟". أجابني بما لا يفيد أي شيء، لم أفهم شيء. عدت ماشيا إلى داخل الحارة، صادفت يحيى في الطريق المظلم بين البيوت القديمة، كان يدخن، لم أره منذ اشهر. أخذنا الحديث المتعجل إلى الدخان. كان يحيى له وجه أبيض وصافٍ، وحين يضحك يعود رأسه إلى الخلف. قدم لي سيجارتين بمناسبة انقطاع الدخان، وافترقنا. الآن لم يصبح لوجه علامة تعرفه بها. هكذا نخلة كبقية النخل المحشورة بين أرصفة المدن الكبيرة. تقع مشكلة المدخنين الخاصة، والتي تحفظ لهم اعتزازهم بأنفسهم، أنهم يهتمون بما يدخنون. هناك نرجسية طيبة تسعدهم، حين يعرفون أن كل واحد منهم يدخن نوعا خاصا، فئة محددة تحفظ لهم اعتبارهم. لنسميها " جمعية الاعتزاز التدخينية"، وهم يولون اهتماما ملحوظا حين يغير أحدهم نوع دخانه، وطبعا يجب أن تكون هناك مبررات منطقية، وفي العادة هم يصيبون في تنبئاتهم حول هذه المبررات. أما أنا فالتدخين هو حالة من الحديث الأهوج مع الكون. ماذا سأدخن اليوم لهذه المجرات، أي أغنية سأحطم هذا المساء. ولذا فأنا حالة مرتبكة وغير مصنفة عندهم، وقد تستدعي الاهتمام، وبالطبع مع الغاء فكرة قبولي في جمعيتهم تماما. لأني حينا، ادخن بعض أنواع سجائر المالبورو، ومرة ادخن نوعا آخر يدخنه الحداد الباكستاني مشتاق اسمه " gold leaf"، ومرة ادخن سجائر "merit" لأنه يذكرني بسيدة كنت امارس معها الحب من طرف واحد!، واميل إلى "samp erna" لأن به مذاق ورق السيجار الكوبي، وهكذا. ولذا فالصندوق الذي عرضه لي عامل بقالة المبروك استولى على هذا الشعور المحبوب عندي بالتنوع. واذا كنت سأسخر، فإني اقول بجدية، أنا لا ادري لماذا ادخن. أو لماذا اشيش، أو لماذا اصبح لامباليا في النهار وجادا بالليل، ولماذا اقول بنباهة أبله لبائعي السجائر أنهم يخزنونه حتى يستفيدوا من رفع أسعاره، - مع العلم أن هذه هي كل القضية!. على الرغم أني لست مدخنا دائما، فيصح تصنيفي بالمدخن الشره الممتاز. الساعة الحادية عشرة ليلا، قدت سيارتي لبقالة صغيرة على الطريق العام، وجدت دخاني، باعه لي وكأننا في مكان آخر لا تسيطر عليه فكرة الاستغلال الطبيعية في الناس. هاتفني متعب وأنا في طريق العودة، قال: كم اخذت علبة؟ اجبته اني ابتعت واحدة. شتمني ونعتني بالحمار، وقال : لقيت دخانك، وتأخذ وحدة، اشتر كل ما عنده، بكرة يرتفع!. توقفت على جانب الطريق، كنت اعرف أنه سيرتفع، لكني مليء بالعقد. وهو الآن وضعني أمام نفسي، فكان عليّ ان اتوقف قليلا لاكتشف أي شيء فيّ مني. ينتابني شعور دائم أن الغد ليس لي، وأن الأمل هو احساس جميل قصده التحصن، أن نبقى متيقظين بأننا غدا سنبقى نملك ما نملكه الآن، بل ونضيف إليه اشياء لا تنتهي، ربما سنتملك أثاثا يبعث الحرارة في علاقتنا بأزواجنا، وسنتملك كتبا وغرائبا تثير فينا نشوتنا بالمعرفة وتحصلنا على الحكمة، سنتملك أولادنا وسنتملك اطمئنانا بالتفرد، سنتملك إيمانا جاهلا أعمق، وطبعا دون أن نعيث جدلاً بشأن كيف نعيش لليوم وكيف نعيش للأبد بهذا التملك!. عدت فأكلمت الطريق إلى البيت، ولكني عرجتُ على البقالات الثلاث المتبقية في القرية،أجابو بالتعذر. احصيت ثلاث قطط مهروسة على الشارع حتى وصلت البيت. دخنت بكثرة، تعاودني صورة رشدي اباظة يدخن على فراش المرض برفقة أحمد رمزي، صورتي شكري والماغوط على أغلفة كتبهم متعلقين بسيجارة بين اصابعهم. وبالذات تعاودني مشاهد من أفلام الأبيض والاسود المصرية، الفراغ الذي تتخلعه حركات وأصوات الممثلين والممثلات من داخلي، الشعور الحزين والغريب لتمثيلهم امام الكميرات، الفراغ الذي استحال لشيء آخر وقصة أخرى.





abuiyad