أمثلة المراقب والناقد المتطفل عند ساراماغو



























خوزيه دي سوسا ساراماغو










النص:

يقدم  خوزيه دي ساوسا ساراماغو نفسه إلى العالم باعتباره مناضلاً سياسيا وإنسانيا جنب إلى جنب ككاتب وشاعر وروائي. وهنا سنظل مع الروائي والأعمال. مع أنه لا يفضل هذا حين يقول في إحدى تدويناته الأخيرة على الإنترنت والمنشورة في كتابه " المفكرة - The notebook ": " لا أظنني أفضل فصل هويتي ككاتب عن ضميري كمواطن". فسيرته واهتمامه كمواطن ومناضل موضوع أخر، على الرغم من أن همومه هذه هي وقود كتاباته الفنية.

تبدأ أعماله المترجمة إلى العربية، بما عُثر عليه أخيرا ونشر في 2014، " المنوّر / Skylight / Claraboia"، وهي الرواية الثانية في القائمة التوثيقية لأعماله، فلم تترجم الرواية الأولى " أرض الخطئية / Land of Sin / Terra do Pecado" حتى الآن. يعتبر هذا " المنور" غريباً عن ساراماغو  الذي سنعرفه بعد ذلك. وهذه التجربة الأولى الملتزمة بفنيات العمل الروائي المعروفة، لم تحقق لساراماغو ربما طريقته الخاصة في أن ينتج شيئا مختلفا وجديداً، لكنها كانت عملاً تاماً سنلقي عليه الضوء في نهاية هذه المقالة.

تقوم فكرة العمل عند ساراماغو على ثقل ثقافته الكبيرة أولاً، وعلى اجتراحه أسلوباً فنياً خاصاً وجديداً، يرتكز على تحطيم كل أساليب ونظريات البناء والرواية. فهو لا يعترف بنائيا بأية خدع أو احتياجات فنية مستخدمة، غير ضرورة أن تكون هناك قصة ما، ولتروى على طريقته فقط. العنوان الأكبر لقالبه ما يمكن أن نطلق عليه" الإفتراض"، ويستعمل هذا الإفتراض محركين يعمل من خلالهما، التاريخ أولاً، وما يمكن أن نسميه بـ " المضاد" ثانياً، أو الفكرة العكس. تُنشأه هذه القولبة والنمذجة بأنواع وعلى درجات متفاوتة ومختلفة. ويكوّن قالبه الإفتراضي، المخيلة والغرابة. أما الموضوع، والمتحصلات الفكرية، فهي في الغالب مستنتجات نهائية تدور في ضوء رؤية العالم، وأزمات الإنسان المعاصر. فباستثناء "المنور"، تقع أعماله بعد ذلك تحت هذا الثقل الفني. فيما يلي تعريفاً موجزاً بعناوين الأعمال وفقاً لترتيب كتابتها، نبدأ بـ " كتاب الرسم والخط  / Manual of Painting and Calligraphy " التي يقدم لنا فيها سيرة ذاتية يكتبها رسام الوجوه/ البورتريه اسمه السيد " H"، ونتنقل بين فصل لهذه الحياة بكل اضطرابتها، وفصل آخر عن فناني الرسم العالمي، تاريخ اللوحات، مبدعيها، وقراءتها أيضا، فلدنيا قصة تجاورها مدونة متخمة بثقافة وتاريخ الفن، فيما تشبه سيرة يكتبها البطل. بعد ذلك تأتي رواية " ثورة الأرض  / Levantado do Chão /Raised from the Ground" والتي تقرأ حياة ما يشبه جيلين متصلين من عمّال الوسايا في البرتغال مروراً بأحداث ثورة القرنفل عام 1974، سيطرة الإقطاعيين على العمّال وقصة اعتقال " جوان المنحوس".  في " سنة موت ريكاردوريس/ The Year of the Death of Ricardo Reis" يستعرض عودة طبيب عام من البرازيل إلى لشبونة، لتناظرها شخصية " فرناردوا بسوا" كالمرآة وكالظل التي تزور "ريكاردوريس" لتتأمل معه الحياة والإستجواب الأمني، وأحداث الحرب التي هي على وشك الوقوع. في " الطوف الحجري/ The Stone Raft " يفجر ساراماغو افتراضه وفكرته الرمزية بانفصال شبه الجزيرة الايبيرية عن أوروبا، ويصف إلى جانبها قصص أربعة أشخاص تحدث لهم حالات غريبة، يجتمعوا لتبدأ الغرائب.  في " قصة حصار لشبونة / The History of the Siege of Lisbon " يجتمع الافتراض بالتأريخ متأزما، حين يتعمد مصحح الكتب، وضع"لا"، عند تصحيحه لكتاب - لطلب ملك البرتغال من الصليبين مساعدتهم لحصار لشبونة 1147م، بدلاً من "نعم" التاريخية المُنجزة، ليعود ساراماغو ويتأمل حركة هذا التأريخ والقصة الداخلية للمحاصِرين والمحاصَرين، مع مزاوجة قصة حياة المصحح لاعادة كتابة هذا التأريخ ملفقاً. ثم بعد ذلك، التأريخ مُفترضاً ومعدلاً مرة أخرى في " الانجيل يرويه المسيح / The Gospel According to Jesus Christ " باعتبار ولادة المسيح من زواج يوسف النجار ومريم العذراء. المرحلة التالية تتميز بذروة الافتراض وانسحاب التأريخ في روايته "  مقالة في العمى / Ensaio sobre a Cegueira "، حيث يكون الافتراض/ المضاد، كل ما تقوم عليه الرواية. فيصبح العمى هو السائد. وفي نفس المسار مع إيجاد بطل وإسم له يكتب " كل الأسماء /  Todos os Nomes /All the Names"، حيث تسيطر فكرة غريبة لا تبرير لها بتتبع حياة امرأة مجهولة من  قبل" دون جوزيه" بطل العمل.  يكتب بعد ذلك " الكهف / A Caverna / The Cave " ويؤجل فيها غرائبية الفكرة إلى نهاية العمل، ويعتمد على البناء القصصي. يعود الافتراض بقوة بعد ذلك في " الآخر مثلي / O Homem Duplicado / The Double" حين يكتشف معلم تاريخ تشابها تاما بينه وبين ممثل صاعد، لتتبادل تلك الحياتين بشكل ساراماغوتي. يستكمل الافتراض وحده - في هذه الموجة المتتابعة، بـ "البصيرة / Ensaio sobre a Lucidez / Seeing "، حين يصوّت المقترعون بنسبة عالية في انتخابات هذا البلد غير المسمى طبعا بأوراق بيضاء، لتقوم الحكومة بمعاقبتهم، وهكذا يقوم العمل على استعراض الحالة العامة، ويعود إلى  شخوص" العمى" ليكملوا العمل. بعد ذلك يستمر الافتراض في " انقطاعات الموت / Death with Interruptions "  حين ينقطع الموت في بلد ما، ثم يعود على كيفية ساراماغوتية خالصة، مع الإعتماد على بعض القصص من ردات الفعل العامة. بعد الثمانين يكتب ساراماغو " الذكريات الصغيرة / As Pequenas Memórias / Small Memories " ويصنفها كرواية، وهي استذكارات لطفولته أو لما يعتقد أنه يتذكره منها. يعود التاريخ أخيراً في " مسيرة الفيل  /  The Elephant's Journey " فيستعين بحادثة إهداء ملك البرتغال الفيل سالمون لأرشيدوق النمسا، ليبتكر تفاصيل تلك المسيرة، ويختم أعماله بـ "قايين / Caim / Cain" وهي ذروة غيظه من فكرة الإيمان والإله، ويستعين بتاريخ الأنبياء هنا، وبقابيل القاتل بطلأ للعمل، وينهي العمل بالافتراض أيضا، حيث تنتهي الرواية على نهاية مغايرة لما حدث في القصة اللاهوتية للنبي نوح وسفينته. هذا الإستعراض كان للأعمال المترجمة للعربية فقط.

الفكرة الغرائبية/ الخيالية في شكلها الإفتراضي هنا، تتطلب عملا جاداً في بنائيتها. ويعتمد الكاتب على ثقافته حين يلتزم واقعة أو حدثاً تاريخياً أو جداراً من التاريخ كما في " ثورة الأرض" و " الطوف الحجري" - يعتمد هنا على الجغرافيا أكثر- و" قصة حصار لشبونة" و " الانجيل يرويه المسيح" و " مسيرة الفيل" و "قايين" بتعبئته بالمعلومات التي تضفي جوا عاما ومصداقية فنية إلى حد ما يناسب مصداقية السيد ساراماغو. وفي الافتراض الكامل كما في " العمى" و " البصيرة" و" الآخر مثلي" و "انقطاعات الموت" وغيرها، يعتمد على استعراض الحالة العامة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفلسفيا، قالب واحد لا يمكن الخروج منه. فالنتيجة والموضوع الذي يود الكاتب اشعاله هو ايجاد جو أو نوافذ من البصيرة عن العالم، باعتباره مهموما بالانسان. بين الفكرة/ الموضوع والقصة/ البناء تقوم اللغة بدورها لتجمع هذا الشتات. ولغة خوزيه ساراماغو هي لغة تبحث عن ذاتها، ففي بناء يقوم على الافتراض والمخيلة والغرائبية وتقل فيه الحاجة والاعتماد على السرد المنساب بخلق التصاوير والوصوف والأجواء، ينحو الكاتب ناحية تخليق لغته الخاصة، والتي يغلب عليها ما نسميه باللغة الإعتراضية، لتُحدث بنائية اعتراضية على طول أعماله. وأهم مظاهرها، الجمل التقديمية والمقالية، الإستطراد القصير والطويل، الشروح القارئة لحركات الشخوص أو أفكارهم أو ما يفترض أن تكون عليه أفكارهم أو حركاتهم، التعقيبات على فنيات البناء، وكل هذا عبر صوت ساراماغو الناقد والكاتب والمراقب، لا صوت الراوي ولا أحد ابطاله. بشكل إنطباعي يمكن وصف هذه اللغة، باللغة المشحوذة بالمراجعة والقلق والبحث عن الكمال، إنها تشبه لغة مريض نفسي مهووس باحتمالية المعاني، تتحول في مرات أخرى إلى لغة طافية وساخرة، لكنها لغة لا تثور، تتحسس الأمكنة والرغبات ولا تعلن عنها. ساخرة؛ فهي متحولة بين الكاتب ساراماغو الذي هو ذاته الراوي إلى المروي عنه/ الشخوص، دون أي تحييد، حيث لا حدود بين هذا القاطع الفني. ولهذا اعتمد المترجمون ضبط أول حرف في الحوارات المتداخلة بحجم/ بنط أكبر، ليميز القارئ أنه بصدد حوار جديد للشخصية الأخرى - على الرغم أن هذا لم يمكن ضرورياً، فالقراءة يمكن أن تحيد الحوارات وتعطي كل شخصية جملتها. يصبح تعدد الأصوات المشتبك ثيمة فنية عامة وأساسية في كل ما سيأتي، فقط عليك الاعتياد على هذا. في الهامش سأقدم بعض الأمثلة، لذلك المراقب والناقد المتطفل، الذي يقاطع فعل القراءة ليعلن عن وجوده. 

إن مراقب اللغة هذا والناقد المتطفل، هو أحد أذرع لغة ساراماغو الإعتراضية. وهذا الناقد يذكرني بسخط وقع لي من مترجم لكتاب عن إحدى الشخصيات التاريخية، ففي كل صفحة كان هناك هامش من عدة أسطر، والهامش هو للمترجم فقط. فعند كل إسم أو معلومة لا تحتاج أي شرح، يصيح لك من الاسفل ليقول، هل تذكرني أنا المترجم، تعال وأقرأ هذه المعلومة، عن هذا الكتاب الذي اترجمه لك؟!.




الهامش: 

إن ساراماغو دائما ما يقطع. إنه يقطع السرد القارئ والمناقش للطبيعة الانسانية من خلال الشخصية أو التأملات البحتة، فهو لا يكمل به إلى قمة قريبة أو حتى أعلى منتصف هذا البناء، يقطع هذا البناء الفني المصور للحظة أول فكرة لينهيها بما لا يثير الوجدان أو السؤال الحائر. ومن خلال مشارط القطع هذه يتيه ويغرق في الجمل التقديمية، تلك المقدمات والتحليلات التي تفطر القلب لأنها لا تخلق وعيا للقصة، أو انها لا تكاد تسعد بخلق هذا الوعي الذي يبنيه عبر الافتراض/ الخيال/ الغرابة، إنه يقطع نفس القارئ وهو يبرر علاقة ما أو حركة ما. ها هو الناقد يناقش معنا كقرّاء تماسك شخصية بطل " قصة حصار لشبونة" : " سوف يسأل من يهتم بمنطقية الأشياء: هل يُعقل ألا يكون رايموند سيلبا قد فكر ولو مرة خلال هذا الوقت الطويل في المشهد المخزي بدار النشر، أو، أنه لو فكر فيه فلماذا لم يبح بهذا التفكير من باب الحفاظ على تماسك الشخصية ورجحان تصديق ما يصدر عنها.". مثال آخر على بزوغ رأس الناقد في أعماله، في نفس العمل " خلاصة القول إن رايموند سيلبا لو مشى على قدميه من دار النشر حتى بيته ما كان سيبتل أكثر مما هو عليه الآن، وخلال المسافة إلى البيت مرت عليه لحظة كريهة - ولو أردنا إضفاء البعد الدرامي على الموقع نقول مخيفة بدلاً من كريهة- ....". إذاً، سنقول أن قمة السخرية عند القارئ هو أن يغضب أو يسخر من اعتراض ساراماغوي، كان القصد منه تدقيق ومراقبة الوصف للقارئ، ولكن حين يتحول العمل إلى اعتراضات ليست فقط في شكل جملة بين شرطتين اعتراضيتين ولكن على وجوه أخرى متعددة، يصبح صوت هذا المراقب ثقيلاً وصعباً. في منتصف هذا العمل، وحين ينهي البطل مكالمة مع حبيبته يستوقفنا ساراماغو، ليجمد شخوصه في تمثال شمعي، وينخرط في سباق حميم نقدا وتحليلاً لشخصيتيه ولا يوفر أي قصة من التاريخ ليضمنها عينه المتلصصة على العمل، إنه يقول : " انتهت المحادثة بكلمتي "مع السلامة".... ومن الظلم في هذه الحالة ترك أحدهما لكي نتفرغ للحديث عن الآخر، لقد تبين من قصة أخرى أشد إغراقاً في الخيال أنه من المستحيل - ذهنياً ومادياً- وصف النشاط المتزامن لشخصيتين،...، رغم حرص الراوي واهتمامه بما يعتقد أنه يصب في مصلحة موضوعية الحكي ويُرضي الطموحات المشروعة لهذه الشخصية أو تلك - رغم كونها ثانوية - بتفضيل أقوالها المتواضعة وأعمالها القليلة على الكلمات والأعمال المهمة للشخصيات الرئيسية أو الأبطال؟ وما دمنا ذكرنا الأبطال أناشدكم بأن تستحضروا معي - كمثال توضيحي- تلك اللقاءات المدهشة.....( قصة ). أما بالنسبة لرايموند سيلبا وماريا سارة فإن المسألة جد معقدة، لأنهما شخصيتان رئيسيتان، وسيظلان هكذا حتى النهاية، إن إيماءاتهما وحركاتهما وافكارهما المتزامنة تمثل في نهاية المطاف صعوبة لا يمكن التغلب عليها،.." ها هو يفتح نافذة تتسع مع انتفاخ رقعة الناقد، لينافح عن خاطره الفني المراقب لشخوصه، والذي يمكن التغلب عليه فنستعمل هذه الفنية بصمت، أو لا يمكن بالمرة التغلب عليه، فهذه مشكلة اللغة المستحيلة أنه لا يمكن أن تقول كل شيء دفعة واحدة، فنتغاضى عنه بصمت أيضاَ. إن هذه اللغة الإعتراضية ستتحول لأداة فنية فعالة حين توظف بدقة.  فلو قُدمت ضمن نموذج خاص يسير بمحاذاة البناء أو يكوّن في العمل، وليس على هذا الشكل من الرغبة في تدوين ملاحظات الرواي عن عمله، ملاحظات اشبه بالثرثرة، يستبق بها عمل النقاد. يستعيد الكاتب التاريخ في هذه الرواية ليشق من خلال الحكاية قصة أخرى، وتتجاور القصتين وتتداخل لما يمكن أن نتحصل به على مادة فلسفية ومتابعة بطل القصة وحركته اليومية وافكاره المضطربة والقلق، لكن دون أي محاولة لأي تحصل شعوري وجداني ممكن عند أي تأمل وعند أي اعتراض. وبعد ذلك، فهو لا يستغني عن أن يكون جباراً حارقاً وفتاكاً بعمله، فالآن كيف يمكن أن تكتب رواية بفنية تحمل هذا التداخل إضافة إلى بناء مصداقية لتحريف سيرة القصة الأصيلة القادمة من التاريخ القديم المنجز عن حصار لشبونة؟!. يمكن هذا دون هذه المناورات المتقاطعة دوما بين صوت القاص والناقد المتفضل على القارئ بطرح أسئلة العمل والإجابة عليها.  إن ساراماغو لا يستغني عن أن يكون فتاكاً بعمله، لأنه يسلط على هذه الرؤية الساخرة في كتابة الرواية هذه الأدوات المشرطية الثقيلة والحادة المتثملة في اللغة الاعتراضية بالنقد والاستطراد. كتب ساراماغو " الطوف الحجري" قبل " قصة حصار لشبونة"، وسيضع ما يشبه قصتين متجاورتين أيضاً، واحدة لشخوصه التي تحدث لهم حالات غير اعتيادية، والثانية هي انفصال شبه الجزيرة الايبيرية، مع يتبعه من ردات فعل الحكومة والجماهير. نلحظ هذه اللغة وهي تتمركز في كل مكان لوحدها. فساعة ما يود مثلاً أن يدخل إحدى الآلات الزراعية أو الصناعية أو يخترع آلة فضائية ما، ليضمنها داخل العمل ويخلق بنائية صغيرة، فهو يستهلك الخمسة الأسطر التالية ليسرد فيها  كل الأنواع المشابهة لتلك الآلات، لنختار مرة نوعا من الزهور  أو الحشرات أو البلدات البرتغالية الساحلية مثلا، ستكون هناك خمسة أسطر فقط من الأسماء فيما يشبه القاموس. ويصح أن نسمي هذا انغلاق اللغة بدلا من تمركزها. في هذا العمل نجد كثافة للأسماء، أسماء القرى والأبطال والبلدات إنما في شكل ذلك الانغلاق، فهدف اثبات مصداقية الحدث لا يقع بذكر تلك الأسماء، إنما بتوظيفها فنياً من خلال السرد. إن غرابة فكرة العمل الساحرة حاصرها هراء تلك اللغة الصحفية الاستعراضية. ومع هذين العملين كنت استغرب جدا قدرة الكاتب على قتل روايته، فلديه لغة ذكية مرنة وشجاعة يمكن أن تحمل على أكتافها الفكرة والقصة معاً إلى مكان أفضل. إن هذه الفنطازيا التاريخية والجغرافية في العملين والملغزة والمشوقة تدمرها تلك اللغة الميكانيكية والمقالية والتقدميات الكشفية التي تبغي احداث الاقناع، بينما كان يمكن هذا بمزيد من احداث الأثر الفني باللغة القاصة والساردة المناسبة.


مرة أخرى - تحت هذا التصنيف، إلى أكثر أعمال خوزيه ساراماغو صفاءً ونأياً عن البنائية الاعتراضية، وهو " الأنجيل يرويه المسيح"، ولكننا سنتوقف عند مثال للغة المراقب والناقد المتطفل. يقول في بداية فصل في منتصف العمل، " لقد قيل الكثير حول مصادفات الحياة، ولكن قيل القليل أو لاشيء حول المواجهات اليومية التي تكاد تقود وتتحكم بالحياة دائما،..." يواصل في هذه اللغة المقالية عدة أسطر حتى يكتب، " عندما يناقش النقاد أصول السرد المؤثر، فإنهم يصرون على أن المواجهات المقررة، في الأدب القصصي كما في الحياة، لابد أن تتداخل وتتقاطع مع أحداث أخرى لا أهمية حقيقية لها، لذلك يجد بطل القصة نفسه متحولاً إلى إنسان مفرد لم تحدث له أبداً حوادث عادية، وهم أيضا يرون أن هذه هي العملية السردية التي تخدم التأثير المطلوب دائماً للمحتمل على أكمل وجه، إذ لو أن الحادثة المتخيلة والموصوفة من غير المحتمل أبدأ أن تكون أو تحل محل الواقع الحقيقي، فلابد على الاقل من نوع من المشابهة،..." وهكذا يوجه لنا الناقد ساراماغو رؤيته الفنية والنقدية ليعود إلى جذب المسيح إلى قصته من خلال هذا التداخل الساراماوغاتي العجيب. العمل يوحي جهداً عظيماً في تتبع وتعديل قصة المسيح منذ الولادة وحتى الصلب لتناسب رؤية ساراماغو المادية ربما. كل ما يشوه هذا أن يطل علينا بوجهه كل مرة، ليقول ها أنا هنا وها أنا اكتب، فحين يتحدث عن أسماء كـ " فولتير" أو عن آلالات وأشياء لا يحتملها المدار الزمن الفعلي للرواية إنما يمثل هذا تجبر لغة الكاتب على العمل، فمصداقية العمل تفرض أن تخلو من هذا. يتابع هنا بناءه الجديد لحركة المسيح ويحتفظ بمسار لغة الحوار المفتشة والقارئة، التي كانت مساعدة جداً حتى حينما كانت ساخرة تحلت بثياب الجدية، فحملت سخرية أعمق. لقد أعاد قراءة نفسية لحياة المسيح، أحلامه وكابوسه، علاقاته بأمه بأبيه، بالذنب الأول، وبإخوته، بحبيبته المجدلية، ثم بالرب والشيطان. أين نجد لغة ساراماغو الحلوة هنا؟، في الحوار الطويل الذي وقع بين الرب والمسيح بحضور الشيطان، كانت ذروة السخرية والقلق. في الرابعة والثمانين أتم ساراماغو عمله قبل الأخير " مسيرة الفيل"، بعد وعكة صحية كادت أن تقضي عليه، يقع العمل تحت هذا التصنيف، وهو أقرب أعماله فنيا إلى "الأنجيل يرويه المسيح". ومع بداية العمل ينبهنا ساراماغو المراقب " لكي نستطيع فهم ما يحدث هناك في هذا الشأن. سنستخدم مقاييسنا المعاصرة في المسافات، دون ان يتحتم علينا اللجوء باستمرار لجداول الضرب المرهقة. الأمر بهذه الصورة سيشبه فيلماً نصنع له مونتاجاً بلغتنا ليسد الجهل والمعرفة غير الكافية باللغة التي يتكلم بها الممثلون، والفيلم كان مجهولاً بالطبع في القرن السادس عشر". نعم، إنه يشرح لنا بأي خطاب سيستعين في هذا العمل، وهو الخطاب المعاصر، المقاييس المعاصرة، وعلى الرغم من هذا التطفل الطيب والمبارك إلا أنه لا يفي به، وهو يستعمل مقياس " فرسخ" - خطاب عصر القصة، فيما بعد. وهناك تفاصيل كثيرة أخرى، يجبرنا على خوضها،  ثم يحكي لنا هنا مبرراً لماذا يلجأ لها، " هذا الوصف، الذي يبدو للكثيرين مفرطاً لكثرة التفاصيل التي نلجأ إليها عمداً، له هدف مفيد، وهو تنشيط ذهن سوبهرو حتى يصل لنهاية متفائلة حول مستقبل المسيرة". وعلى الرغم من نضوج هذه اللغة الاعتراضية في عمله هذا قبل الأخير، حين يستل من القصة ما يؤام به مع ملاحظة الناقد ساراماغو كما في المثال السابق والتالي، إلا أن هذا التطفل كان شاقاً دائماً، " لم نتجنب في هذه الحكاية اعتبارات شبه يقينية عن الطبيعة البشرية، ودوناها بإخلاص وعلقنا عليها طبقاً للموضوع المطروح بفكاهة اللحظة. ما لم نكن ننتظره بصراحة، هو أن نسجل فكرة كريمة للغاية، شديدة السمو، في غاية الرفعة، مثل تلك التي عبرت بذهن القائد بومضة البرق، وهي أنه يجب أن يضيفوا إلى شعار أسلحة الكونت مالك هذه الحيوانات، في ذكرى هذا الحدث، ناقوسين، أو جرسين، كما يسمونه أيضاً". جملة طويلة جداً، متكاثرة ومترادفة، قد تعني أخيراً سخرية تخنقها عذاب اللغة. مثال آخر على هذه النقطة، " ربما تعتبر هذه ملاحظات غير ضرورية لقراء مهتمين بديناميكية النص، وهي ملاحظات تطمح أن تكون تضامنية، وبشكل ما مسكونة، لكن فريتس -كما رأينا- بعد أن فقد همته جراء الأحداث الكارثية الأخيرة، كان يحتاج إلى يد صديقة توضع على كتفه، وهذا ما فعلناه، وضعنا يدنا على كتفه". وكما في " الأنجيل يرويه المسيح" حين يتجاوز الكاتب ضابط الزمن الفعلي للقصة، فيحق لحائز نوبل، أن ينسل من قصة مسيرة فيل القرن السادس عشر ليستطرد في ثقافته، وعلينا معذرته لا ادري لأي سبب، وحين نقرأ فلنسمح لأنفسنا على الأقل بالتوقف ومحاولة الاستغراب إن أمكن لنا هذا، " تجرأ هينبال على التقدم عبرها وربما لم نضطر لانتظار موقعة كناي العظمى لنحضر، في سينما الحي، الهزيمة الأخيرة والنهائية للجيش القرطاجي على يد إسثيبيون الإفريقي، في فيلم أنتجه الابن الأكبر لبينيتو، فيتتوريو موسوليني.". وخطأ الروائي حين تغلبه ثقافته الكبيرة على حملها كخلفية لا أكثر بدلاً من التصريح بها، هي ذاتها التي تحمله بكل هذا التواضع من قبله، والتعب من قبلنا على أن يعتذر عن أخطاء عمله ضمن هذا التكوين العام، ليقول : " مؤرخ هذه الأحداث ليس لديه تخمة في الاعتراف بأنه يخشى ألا يكون قادراً على وصف المضيق الشهير الذي ينتظرنا فيما بعد، هو من توجب عليه، عند مضيق إيساركو ، أن يخفي عجزه بأفضل ما يمكن، مطنباً بمواد ثانوية، لعلها ذات أهمية في ذاتها، لكنه هرب بوضوح مما هو جوهري. من المؤسف أنه في القرن السادس عشر لم يكن التصوير الفوتوغرافي قد اخترع بعد، لأن الحل حينئذ كان سيصير في غاية اليسر، فكان يكفي إدخال بعض صور الفترة هنا، بخاصة لو تم التقاطها من خلال طائرة مروحية، وكان القارئ سيمتلك كل الأسباب ليعتبر نفسه راضياً بشكل واسع وليعترف بالجهد المعلوماتي الهائل لكتابتنا. وبالمناسبة، فقد حان الوقت لنقول إن المدينة الصغيرة القادمة....". مع هذه الأمثلة والملاحظات، فالعمل في غالبه يتصف بصفاء سردي، وحركة متنقلة حثيثة بين الصوت والحوارات والتقديمات والتأخيرات جاءت على شكل معلومات أو سخرية ساراماغوية ما. يتبقى أن نقول أن " الساراماغوتيات": الإستطراد، التعقيب الفني على حدث أو حركة، مراقبة اللغة بقرائتها وفلسفتها إلى آخر القائمة، سيطرت بشدة على الربع الأخير من العمل، وهو ما دفع الكاتب أن يبتكر ارتباكاً فنياً بالضررة عبر لغته لنقد أخطاءه الفنية، أو لنقل عقبات ضبط القصة منطقياً، أو خلوها منه. وهذا هو ما يضفي حسرة لا تنقطع في أيّ من أعماله. فهو يود أن يقول فلنحكي كل شيء بوضوح، هذه رواية وأنا أكتبها ولن أكون خلفها، سنكون معاً، هكذا فلنفتح كل الأبواب على آخرها وعلينا ألا نشعر بالخجل. وباعتبار لمحات قصصية سريعة أراد منها وصف الحالة الدينية المشؤومة المسيطرة على شعوب أوروبا حينها، والتي يقطع من خلالها الفيل مسيرته، حين كانت بقبضة محاكم التفتيش، وظف من خلالها استعارات قصصية ساخرة عن تلك المرحلة، وحادثة أخيرة أنقذ فيها الفيل طفلة من الموت، باعتبار هذين الحدثين اللذين كان ساراماغو كالعادة يخيط آخرهما بلغته الإنشائية والمستفزة القارئة للحدث، كان العمل حركة مملة وتنقلاً ثقيلاً، لا نخرج منه إلا ببعض فلسفات ساراماغو المتفلسفة، والتي يمكن أن نستعملها كاقتباسات طيبة ومباركة، نُحدث بها عن أنفسنا أو نغيظ بها آخرين لا نحبهم.

أخر الأعمال تحت هذا التصنيف، هو آخر أعمال خوزيه ساراماغو "قايين". الذي ينفث أو يبث فيه غيظه الكبير من فكرة الإله وقد أسماه بالسيد، ويكيل لها كل هذه الشتائم، الحاقد، الحاسد، الخبيث، المجنون، الأصم، على طول العمل. ويقوم التحريك باتخاذ قايين/ قابيل بطلاً متجولاً داخل قصص الأنبياء يتحدث إليهم، يسخر منهم، ويغويهم. وهذا التنقل هو حالة الافتراض/المخيال/ الغرائبية، التي يتوسلها ليفتت هذه القصص ويسخر بها. وأيضا نلتقي بناقدنا الطيب هنا مشتبكاً بالنص، " بينما هابيل المزيف يمضي سائراً نحو الساحة حيث سيلتقي، حسب كلام الشيخ، بقدره، سنلتفت إلى هذه الملاحظة المناسبة التي يبديها بعض القراء المتيقظين، ممن هم منتبهون على الدوام ويرون أن الحوار الذي انتهينا من تسجيله على أنه جرى هو أمر غير ممكن سواء من الناحية التاريخية أو الثقافية، إذ لا يمكن لفلاح، يملك القليل أو لا شيء من الأراضي، وشيخ مسن لا تُعرف له مهنة ولا منفعة أن يفكرا أو يتكلما على هذا النحو. ولدى هؤلاء القراء الحق، وإن كانت المسالة لا تعتمد كثيرا على امتلاك أو عدم امتلاك أفكار أو مفردات كافية للتعبير عنها، وإنما قدرتنا على أن نتقبل، وإن يكن لمجرد تعاطف بشري وتساهل ثقافي، أن فلاحاً من أول عصور العالم وشيخاً معه نعجتان مربوطتان بحبل،...... . وما فعلناه نحن، ببساطة، هو أننا نلقنا إلى البرتغالية السائدة كبديل..."، إلى آخر طرح الناقد الذي نلمح فيه سخريته من عملية النقد. على الرغم من أن أي بناء فني يحتمل أن يُسرد على أي كيفية، وعلى أن يحدث التنقل عبر أحداثه بإيقاع معين يفهمه القارئ، وحين يفهمه لن يصبح بمقدوره أن ينقد وجوده الأصيل. وفي جملة أوضح أخرى، إنني أفهم ضمناً أنه يمكن لأي كتابة ألا تلتزم بأية قواعد لتكون كتابة مؤثرة وعالمية، ولكن حين تخلق لها ومن ذاتها قواعدها الخاصة، رتمها ولغتها وإيقاعها وحركتها الخاصين. وهنا فقط ادون هذا الولوغ المختوم بختم ساراماغو لا أكثر، حيث لا يكاد يصفو السرد حتى يعود لنا هنا مرة أخرى ليقول بعد أربع صفحات " وكيلا نُثقل الرواية بتفاصيل تاريخية يمكن تجاوزها، سنمضي دون التمعن في قائمة المأكولات المتواضعة، ومكوناتها التي لا نستطيع من جهة أخرى، تحديد بعضها". إن كانت مثل هذه الاعتراضات قد توحي بسخرية الكاتب أو باعتذاره فعلاً عن إيراد هذه التفاصيل، فكان الأفضل ألا يتطرق إلى إحطاتنا علماً بذلك، لأن ما قد يظهر لنا هو ضعف البحث عن تلك المعلومات، عوضاً عن ثقلها. تتمة هذا الافتراض يقع في النهاية، حين يركب "قايين" في سفينة نوح، ويلقي ببناته وأزواجهم مرة تلو الأخرى من السفينة، ثم يغوي نوحا بالانتحار، وحين ترسو السفينة يخرج قايين للسيد المتفاجئ ليخبره أنه قد أنهى هذه اللعبة. هنا نلاحظ أن حيلة ساراماغو مع قرائه لا أن يلغي فكرة الإله، كما أيضا في" الأنجيل يرويه المسيح" فالمسيح يلتقي بالرب هناك. ولكنه يعتمد على تحطيم هذه الفكرة لهم، عبر السخرية من تلك الوقائع المدونة في الكتب المقدسة، ففي "قايين" يركز على الافعال الفاحشة التي وقعت للأنبياء، عذابات وحرمانات الشعوب التي تعيش مع الأنبياء، يدير حواراً بين الرب والشيطان في لعبة تحدي كما في قصة " أيوب"، يقارن بين قصة هابيل وقابيل وقصة ذبح إسحاق على يد أبيه، ويكرر ببساطة: ما ذنب هؤلاء الأطفال؟، يقصد بهم أطفال ونساء قرية سدوم المدمرة. إنه يقدم قايين كلمحد يناقش السيد الإله، ليكرر سخريته من أحاديث الملائكة التي يلتقيهم بأن حكمة الإله بعيدة الغور، ولا نعرفها، ولا نعرف لماذا فعل ما فعل، فهناك حكمة ما وهي بعيدة الغور. وعلى الرغم من حججه الساخرة، إلا أنه لم يناقش الحجج الأخرى التي يود تحطيمها، ونحن لسنا بصدد مناقشة حججه الساخرة، بل بتقييم اعتراضاته المقدمة في شكل افتعاله لأقوال للإله وللأنبياء والملائكة لم تُذكر في الكتب المقدسة لأتباع هذه الديانات.



نستعرض فيما يلي، تلك الأمثلة، تحت التصنيف الآخر لأعمال خوزيه دي سوسا ساراماغو، وهو الإفتراض الكامل، القائم على ما يضاد الطبيعية والاعتياد. ويمكن تصنيفه على درجات. ففي الذروة تكون رواية " العمى" ثم " انقطاعات الموت" و " الآخر مثلي" و " البصيرة"، وفي درجة متوسطة تأتي " كل الأسماء" وأخيرا يمكن اعتبار " الكهف" تحمل تكيفاً مختلفاً حتى ما قبل النهاية حيث تعوض الأمثولة انخفاض الموضوع والخيال والغرائبية. وعلى الرغم من أن " الطوف الحجري" تستحق أن توضع تحت هذا التصنيف، إلا أن فيها من الفوضى الغرائبية ما أحيل القارئ إليها، وما يجعلني أيضا استغني عن سرد أمثلتها. يمكن أن اميز سبب شهرة " العمى" بالتالي: تحصل الكاتب على ذروة الفكرة الغريبة/ الإفتراض، وهي فكرة معاشة لكنها غير متصورة على هذه الكيفية، لتُتخم بالرمزية بسهولة. انسحاب الناقد السيد ساراماغو كثيراً إلى الوراء، مما ساهم في تدفق السرد وتحرره من تلك اللغة المتوقفة عند كل جملة لتحل وتعقد، وهذه اللغة المتتالية ولدت ايقاعا متسارعا للقص يدفع للمتابعة والإنسياق، وأخيراً عدم تفلت الإفتراض إلى ساحة أخرى كما حدث في " البصيرة" و " انقطاعات الموت". ولكن السؤال هل تخلى الكاتب عن جمله التقديمية والتنظيرية المستطردة بالمرة؟، لم يحدث هذا، ولكنها في مجملها لم تؤثر على سير العمل. إن قارئ ساراماغو قبل "العمى" يشفق على عدم تمكنه من توليد لغة رومانسية كان يحتاجها العمل كثيراً. ولغة " العمى"، لغة ذكية إلا أنها تخلو من توالي وترابط الوعي السردي الذي يحولها إلى أكثر من مجرد لغة عملية إلى لغة مؤثرة. وهنا يمكن أن نقول أن ساراماغو هو عالم بالمفردة واللغة أكثر من هو فنان بهما. إن الجمل التي تنتهي بعبارة " أجهشت بالبكاء" في " العمى"، لا تحدث فينا ذلك التأثير، لأنها لم تحمل خلفها - في وعيها وبنائها- ما يجعل إيحائها قوياً وكاملاً وشفيفا - إن أحببتم، فكأنها جمل معملية وصفية لا أكثر. خير مثال كان يفترض أن تثور فيه اللغة وتخرج من هذا اللحاف الوصفي المجرد، مشهد قضاء الحاجة للعميان في الحديقة على مرأى من زوجة الطبيب، سبعة أسطر كان بالإمكان الاستطراد فيها يا سيد ساراماغو لجعلها مقززة ومبكية معاً. إذاً، فاللغة هي شاهدنا الوحيد على أمثلة هذه الرواية، لأن الكاتب وظف لغته هذه المتحركة السريعة التي يلجأ إليها أحيانا في أعماله السابقة لتحريك العمل، على طول " العمى"، وهذه الحركة حملت في يدها الوصوف والتصاوير لحركة الشخوص وخواطرهم، وقليلاً ما نفس الكاتب عن تلك الخواطر لتصبح تأملية أو شاعرية ليس لأجلي، بل لضرورة ما يود أن يحكيه. فجملة واحدة رومانسية حزينة وغنائية ربما كانت لتختصر سطوراً كثيرة من الترق والتخييط الجاد. دعونا نقول أن تراجع الناقد مراقب العمل إلى الخلف أسهم كثيرا مع ما سبق في عالمية العمل وصوله إلى القراء على تنوع اهتماماتهم. ماذا سيفترض خوزيه ساراماغو من فكرة مضادة بعد ذلك؟، إنه يفترض بعد عشر سنوات من نشر " العمى"، إنقطاع الموت. يطرح الإفتراض سريعاً في أول عشرين صفحة على الأكثر في " إنقطاعات الموت"، ثم يعاين ردات الفعل. وعلى هذا المنوال تقوم أعماله تحت هذه التصنيف. تتمثل هذه الردات من قبل الحكومة أكثر كما نعاينها في "البصيرة"، وبشكل اقل في" الطوف الحجري" و" العمى". وفي هذا العمل " إنقطاعات الموت"، يعتمد على ردة الفعل هذه من قبل الحكومة والمؤسسات الحكومية والأهلية والمجمتع المُصاب، والذي يكتشف أن إنقطاع الموت هو كارثة حلت به، وليست نعمة سماوية حالمة. بعد هذه التقدمة، ننتقل إلى الأمثلة. يعبرّ ساراماغو في هذا المثال الذي يمكن لكم أن تعاينو لغة الاستطراد فيه عن صبر قارئه عليه، فيقول في بداية فصل بمنتصف العمل ما يلي : " من المحتمل أن تربية متقنة فقط، من تلك التي صارت نادرة، وربما يكون، في الوقت ذاته، الاحترام المتطير إلى هذا الحد أو ذاك الذي تبثه الكلمة المكتوبة في النفوس الهيابة، هو الذي حمل القراء - وإن كانت لا تنقصهم الاسباب لإظهار إشارات واضحة إلى صبرهم  المكبوح - على عدم مقاطعة ما رحنا نرويه باستفاضة، ورغبتهم في أن نخبرهم بما كان يفعله الموت منذ الليلة المشؤومة التي أعلن فيها عن عودته.". شكرا لك، والسؤال كيف لنا أن نقاطعك، وهل تقف أمامنا أو نحادثك على التليفون من الهاتف العمومي؟!. هذه النوعية من الجمل الممتدة المتتالية القادرة على قتل أي شعور جميل بالفضول، هي ما يربك إفتراضات الكاتب الفنية التي يعمل على بنائها وتركيبها. يعود مرة ليلقي بهدوء وسخرية باللوم على الرواي لإهماله، " ذلك أن تسمية الموت الأخرى لكتاب الموت، ومن الملائم أن نعرف ذلك، هي كتاب العدم. أزاح الهيكل العظمي مجلد الأنظمة جانياً ونهض. قام بجولتين في القاعة، مثلما يفعل عادة كلما احتاج إلى لب القضية، ثم فتح درج الأرشيف الذي فيه ملف عازف الفيولونسيل وأخرجه. هذه الحركة ذكرتنا للتو بأن هذه هي اللحظة المناسبة، وإلا لن تتاح لنا أبداً، لتوضيح المظهر المهم المتعلق بسير عمل الأرشيف الذي هو محط اهتمامنا والذي لم ننوه به حتى الآن، وهذا إهمال من الراوي يستحق اللوم عليه.". لا يكمن الخلل فيما اعتدنا عليه، وما سنكرره في بقية الأعمال، إنما، ما توحي به هذه اللغة غير الأكيدة على نحو ما، اللغة الاحتياطية التي لا تكتفي بهذا، بل المُسهبة أيضاً بشكل يحرض على الملل. في المثال الأخير هنا، يفترض الكاتب وقد انتقل لساحة أخرى في العمل تقوم على الفنتازيا أن قارئاً ما من قراءه سيكون موسوساً جداً -ربما هو أنا- ليسأل عن تفسير منطقية أن تدفع "الموت" وهو سيدة الهيكل العظمي المتحولة، في هذه اللحظة من العمل إلى كائن من لحم ودم على الواقع، تذكرة دخول المسرح. " من الطبيعي أن فضول من يتابع هذه القصة باهتمام موسوس وهاجسي بحثاً عن تناقضات، وزلات، وسهوات، وانعدام منطق، يطالب بأن نفسر له باية نقود ستدفع موت قيمة تذكرتي حضور الحلفتين إذا كانت قد خرجت قبل ساعتين من قاعة تحت أرضية لم يُشر إلى أن فيها صرافيين آليين ولا مصارف مفتوحة الأبواب. وبما أننا في ميدان التساؤلات، فإنه يريد ان نخبره إذا ما كان سائقو الأجرة قد تحولوا عن تقاضي أجورهم المستحقة من النساء اللواتي يضعن نظارة شمسية ويتمتعن بابتسامة لطيفة وجسد حسن القوام. حسن، قبل أن يبدأ سوء التفاهم بترسيخ جذوره، نسارع إلى التوضيح بأن موت لم تدفع المبلغ الذي اشار إليه عداد سيارة الأجرة فحسب، بل لم يفتها أن تضيف إليه إكرامية أيضاً. أما مصدر النقود، إذا كان هذا الأمر لا يزال يهم القارئ، فيكفي أن نقول أن النقود خرجت من الحقيبة نفسها التي خرجت منها النظارة الشمسية، أي من الحقيبة التي تحملها معلقة على كتفها، لأنه لا يمكن لشيء منذ البدء، وليكن هذا معلوماً، أن يحول دون إمكانية خروج شيء من مكان كان قد خرج منه شيء آخر". والسؤال هو؛ من طالب السيد الكاتب، أن يبرر حدثاً ما منطقياً تقوم أحداثه الرئيسة على الخيال والإفتراض والغرائبيات، خاصة في هذا الجزء التي وصل إليه العمل، حيث باتت الفوضى سيدة الفنتازيا. نلاحظ في هذا العمل، ما يمكن أن نسميه إفراط في الافتراض، فالموت يبعث برسالة يرد فيها على المصحح اللغوي، جيد، في سياق هذه الغرائبية تعتبر سخرية طيبة. ولكن إلى أن تغوص فلسفته إلى اعتبار الموت ميتاً!، فهذا شقاء فني. وبسبب سرعة بناء الإفتراض وتعويل السرد على ردات فعل المجتمع وحكومة هذا البلد والمؤسسات والتجار، فلم تحمل القصة ثقل هذه الفكرة، وما كان له أن يطول بهذه المكونات إلا ليتهدم، فجاءت القصة في شكل مرآة متشظية لا تعود بصورة كاملة، وهذا هو ما قاد الكاتب بعد منتصف العمل لإنشاء عقدة جديدة تمرره لقصة أخرى، ليغوص في الموت الأكثر بخلق فنتازيا وقصة جديدة في العمق، حيث يمارس علينا هذيانه وينشر علينا غسيل ثقافته وهنا الموسيقية بالذات. لكنه لا يعود بالمرة إلى حكاية ردات الفعل والقصص التي هنا والتي هناك - التي يعول عليها، للفلسفة وإكمال البناء. وتحول العمل إلى ما يشبه قصتين منفصلتين يربط بينهما خيط رفيع هو الموت الذي غصنا معه وفيه، كان ويجب أن يوجد هذا الخيط، وإلا فلن تقدم لنا في كتاب واحد. يحدث هذا أيضاً في " البصيرة" أو " الوعي"، والتي يكتبها بعد تسع سنوات من " العمى"، ويستعين بأبطال " العمى" أو ربما نقول، لينقذوه أبطال " العمى" لإكمالها، فهُم القصة المكلمة/ الإحتياطية لإتمام " البصيرة". يقوم الإفتراض في " البصيرة" على ما يشبه إجماع سكان العاصمة بجعل اقتراعهم في الإنتخابات بالورقة البيضاء، ومن هنا نلتقي بردات الفعل أيضاً كبناء وثيمة للدفع بخيوط العمل، ولكن بشكل تفصيلي أكثر، حيث ينقل لنا الحوار ما يقع بين رئيس الحكومة ورئيس الوزارة والوزراء من مناقشات بشأن هذا التصويت الابيض، والتي يقود الحكومة على نقل العاصمة إلى مدينة أخرى وضرب الحصار على أهل هذه العاصمة السابقة. وهنا ينجح ساراماغو في أن يدفع صوته الناقد والمراقب قليلاً إلى الخلف بحيث نسمح لأنفسنا بالتنفس في صفاء سردي جيد. وفي منتصف العمل، تبدأ الإشارة إلى أن هذه الأحداث تقع بعد أربع سنوات من حادثة العمى التي أصابت أهل هذا البلد، وتشير التحريات إلى سيدة يُقال أنها لم تفقد بصرها أثناء موجة العمى، وتظهر التحقيقات أنها ارتكبت جريمة قتل، ومن هنا يستل الكاتب هذا الخيط ليتتبع أبطال " العمى" وخاصة زوجة الطبيب، والتبرير الفني هو إيجاد علاقة بين التصويت الأبيض الذي حدث قريبا، والعمى الأبيض الذي وقع قبل أربع سنوات، باعتبار زوجة الطبيب هي المسؤولة. يقلص ساراماغو من حكاية ردات الفعل في النصف الثاني من الرواية، ويغوص مع المأمور المكلف بالتحقيق مع زوجة الطبيب والمجموعة التي كانت معها، ويتتبع حديثه الداخلي وحركاته وتطور تلك اليقظة عنده، والتي تقود أخيراً لتطهره ودفاعه عن هذه السيدة، وهنا، هذه البصيرة والوعي. وعلى الرغم من كل سخريات الكاتب في أعماله من قبل " البصيرة" وبعدها، فإن القهقهة الفعلية الوحيدة وقعت لي هنا، وهو ينقل وقائع المكالمات السرية بين المأمور ووزير الداخلية، مستخدمين أسمائهم المستعارة " البطريق" و " ببغاء البحر"، وبالذات في صفحة 293. نلاحظ هنا توجه ساراماغو في ظل هذه الحالة الإفتراضية، لتقديم المأمور كبطل، وهو يشبه أبطاله الآخرين وكأنهم ذات الشخص، فهو ريكاردوريس وريموند و دون جوزيه في " كل الأسماء" وترتوليانو ماكسيمو أفونسو في " الآخر مثلي"، رجال في منتصف العمر، يغلب عليهم الصوت الداخلي، والوحدة، وامرأة تشبه الظل تقابلهم في العمل. حبيبة، خادمة، جارة، ومجهولة مستهدفة.


الأعمال التالية كُتبت على التوالي، " كل الأسماء" فـ " الكهف" فـ " الآخر مثلي". وتستمر النقود كما هي، فلغة الكاتب الإفتراضية تفترض حتى الحوار، وتتخيل حدوثه وما يترتب على هذا الحدوث من حركات وآثار في القصة. وهذا كله من أجل إبقاء حالة الإحتمالية قائمة، وبالتالي بقاء الإفتراض كمكوّن أساسي وأصيل للعمل قائماً. ففي " كل الأسماء"، نقرأ هذا الحوار الداخلي المفترض للوقائع عند البطل " دون جوزيه". " ذهب في اليوم التالي صباحاً، ولكنه قرر عدم الصعود .... . من المؤكد أنهم سيردون عليه بأنهم لا يتذكرون،....، وإذا كان هناك من سيقول نعم، يبدو له أن لديه فكرة غامضة، فإنه سيضيف على الفور بأن علاقاتهم لم تكن تتعدى حدود العلاقة الطبيعية بين أناس مهذبين، وسيلّح دون جوزيه، ألم تعد تراهم، لم أرهم قط،.....". ثم يتحول شكل هذا الافتراض مرات إلى حوار واقعي داخل مسار القصة، ومرات إلى مجرد حديث داخلي متخيل. تكمن إحدى خدع اللغة الإفتراضية، في الإنشاء والتتبع والتفصيل لبديهيات ما، سواءً كانت منطلق فكرة أو بداية مشهد وحركة، فمثلاً؛ حين يصف دخول البطل لقسم الموتى ليلاً، نكاد نلمس فعلاً رغبة غريبة في المد والتطويل، لم نجد لها  داعٍ فني فيما يتلو هذا. ما نلحظه هو قلة التناغم بين طبيعة هذه الشخصية والأحاديث التي يستطرد فيها الكاتب، وإذا كان ساراماغو قد علمنا أنه يكتب من أجل الفكرة وأن الإفتراض هو الأساس لا الضبط المنطقي الواقعي " الحبكة"، فإن كثيرا من الأفكار لم تكن لتنضوي تحت هذا الإفتراض أصلاً، بسبب كثرتها وتشابكها وتشغبها، ولكنه حين يعود لإكمال القصة تكون فريدة، والإيحاءات ذات الصبغة الفلسفية التي تخلف بعض الأحداث كانت قوية وواضحة عن ذاكرة الموت والحياة في الواقع وفي أرشيف "السجل المدني". في آخر ثلاثين صفحة من العمل، تحضر لغة ساراماغو المتحركة والمثيرة القصصية بالذات، التي يسارع بها وتيرة العمل، وعند هذه النقطة تصبح الفكرة مشوقة. فالبناء السابق والوعي المخلوق على الرغم من تهتك لغته وتشظيها وانفراطها، يمكن له أن يفجر تلك الإثارة الروائية العامة، وهذا فقط -عندما لا يعاند انطلاقه- ذلك الوعي البنائي الجامع لتلك التشرذمات المتناثرة في العمل. إن ثقل فكرة/إفتراض "العمى"، كانت أكثر من كافية ليحرك الروائي القصة والشخوص أكثر من خلق حوارات تأملية أو احتمالية أو اعتباطية شاملة. ولكن هنا، نلحظ وكأن ساراماغو يسخر من تكثيف أو استمرار الجملة السردية في فرد المعاني التي يود أن يقولها، وهذا يدفعه ناحية حِجره الحصين، لغته ذات الجمل الأولية والثانوية/ التقديمية/ الفلسفية. في هذه اللحظة، على القارئ أن يعرف أن هناك لغة ثقيلة وأخرى سهلة متحركة، ففي كل عمل، تتوزع هذه اللغة في النصف الأول أو الثاني أو قد نجدها في الربع الأخير حيث يكون تسارع الأحداث كسيارة فقدت مكابحها على منحدر. في " الكهف" وفي النصف الأول، لدينا لغة ساردة تمازج بين الوصف والتصاوير والأصوات شبه خالية من لغة الزج بقراءة وتحليل وتفسير، ولكننا مع ذلك لا نكاد نفهم طبيعة الشخصيات، هل الأب "سيبريانو ألجور"، جاد وحزين ورقيق، هل هو حكيم أم ضعيف؟، فتلك الحوارات لم تتسم بما يوضح طبيعة هذه الشخصية، هل هي ناقمة وصبورة، أم حليمة ومتفهمة؟، لا نجد الخط الذي يبين ما الظاهر وما العمق، يتفق هذا على الإبنة " مارتا" أيضاً. وحتى نحاول أن نبقى تحت وحدة عنوان واحد، هذا مثال على السيد المراقب والقارئ لعمله، ساراماغو الناقد، " وإذا كان سيخصص لمعاون مدير القسم ذي المزاج العكر هذا، مستقبل أكثر في الرواية التي نرويها، لكان بإمكاننا دون شك أن نطلب منه في أحد هذه الأيام أن يكشف لنا عن أعماق مشاعره في تلك المناسبة، أي السبب الأخير لضيقه - وهو ضيق غير منطقي بالتأكيد- الذي يشأ إخفاءه أو لم يستطع إخفاءه. وربما سيعمد عندئذ إلى خداعنا بالقول، على سبيل المثال، إنه اعتاد على زيارات سيبريانو ألجور اليومية وإنه - وإن كان يستطيع أن يقسم، احتراماً للحقيقة، إنهما صديقان- صار يشعر تجاهه بشيء من التعاطف، وخاصة بسبب الوضع المهني غير الموفق الذي صار إليه هذا الشيطان البائس". نجد في هذا المثال، مراقب وناقد وكاتب معاً - إذا اعتبرنا الكتابة هي العملية الميكانيكية الخاصلة المتمثلة في الإمساك بالقلم وتحريكه، ولكن أين هو الروائي، الذي لا يكلفنا مشقة التراجع كل مرة إلى الوراء وتكوين وصلة من اللغة المعبرة عن مثل هذا الحديث الداخلي الشعوري. إن هذه البنائية الإعتراضية كانت لتكون أكثر قبولاً وإفادة للعمل بمعنى أكثر عمقاً وسلاماً حين تقدم باعتبارها تشكيلاً يبقى في صرامة فعل القارئ والكاتب. فالبديل في هذا المثال، هو قراءة نفسية على أي كيفية فنية ممكنة باستثناء الواردة، داخل طبيعة شخصية " معاون مدير القسم". مثال آخر والذي سيكون طويلاً: "...، فما يتبادر إلى ذهن أي شخص هو أنه عندما يوجه أحدهم أسئلة فإنما يفعل ذلك لأنه لا يريد أن يعرف، وإذا كان يريد أن يعرف فلا بد أن يكون لديه سبب، والمسألة المبدئية التي يريد سيبريانو ألجور توضيحها الآن في فوضى مشاعره هي سبب أسئلته التي تكشف - إذا ما فُهمت بحرفيتها، ولا يبدو في هذه الحالة أن هناك طريقة أخرى لفهمها- عن اهتمام بحياة هذه المرأة ومستقبلها يتجاوز كثيراً ما هو طبيعي انتظاره من جار طيب، وهذا الاهتمام من جهة أخرى، مثلما نعرف جيدأ، يتناقض جذرياً مع قرارات وأفكار راح يتبناها سيبريانو ألجور نفسه على امتداد الصفحات بشأن إساورا إستوديوسا من قبل، ومادروجا حالياً. المشكلة الجدية وتتطلب تأملاً واسعاً وواعياً، غير أن المنطق الناظم لهذه الرواية وتوجهها، وإن كان خرقهما ممكناً بين حين وآخر، بل وواجباً في بعض الأحيان، لا يسمحان لنا أن نترك إساورا مادورجا وسيبريانو ألجور لمزيد من الوقت في هذا الموقف المحرج، مجبرين على البقاء صامتين أحدهما أمام الآخر، مع وجود كلب ينظر إليهما دون أن يفهم ما الذي يحدث، مع وجود ساعة حائط تسأل، في تكتكتها، لماذا لا يريد هذان الاثنان الوقت إذا كانا لا يستغلانه. ومن الضروري بالتالي القيام بشيء ما. أجل القيام بشيء ما، ولكن ليس أي شيء. صحيح أنه يمكن لنا ويتوجب علينا أن نخرق المنطق الناظم للرواية وتوجهها، ولكن لا يمكن....، .". موضوع هذا العمل هو أزمة الإنسان المعاصر، وينتهي العمل إلى اكتشاف وقرار، يمضي إلى ما قبل النهاية بين حركة قصصية لا تتوقف، حيث تهدد الصناعات الجديدة معيشة هذا الأب صانع الخزف، وأخيراً يزج ساراماغو بأمثولته الرمزية - التي يجب أن تحضر- عن الأنفس أو الجثث المقيدة في شكل كهف تحت المركز التجاري يكتشفه الأب وزوج الإبنة، ويكون الخلاص بهروب الأب والإبنة وزوجها بعد هذا الشقاء إلى حياة جديدة ما، مجهولة. وإذا كنا نقرأ النهاية المرمزة بهذا الوضوح والتي أبانت هدف الكاتب من العمل، فإن طول العمل وبنائياته لم تفعل الكثير، فمزيد من التكثيف الحواري والحركي وكيفيات فنية عنيفة أو هادئة من بناء موعيات القصة كان يمكن بها تقليل هذا الثقل الصلب والحركة المنتظرة والبطيئة حتى تخرج تجليات هذه الأزمة الإنسانية.



في عمل " الآخر مثلي" الجميل، وبعد أن نتجاوز المئة والخمسين الصفحة الأولى - التي سنستل منها بعض أمثلته هنا، يحدث أن يكون هناك صفاء غير معهود، فيمكن لنا أن نقرأ مئتين صفحة في هدوء وانسياب وتدفق مثير. ولكن لنبدأ بأمثلة الناقد المتهكم والمتطفل،  يكتب: " ومن يقول المسرح يقول بالطبع السينما. جملة معترضة لا غنى عنها. هناك لحظات في السرد، وكما سنرى فهذا الذي هنا هو كذلك بالضبط، يجب فيها أن يُمنع على وجه السرعة كل تعبير موازٍ عن الافكار والمشاعر من جانب الراوي على هامش ما تشعر أو تفكر به الشخصيات في اللحظة نفسها بموجب قواعد الكتابة الجيدة. إن المخالفة، بفعل التهور أو بفعل غياب الاحترام الانساني، لهذا البند المحدد الذي، بافتراض إمكان وجوده، لن يكون على وجه الاحتمال إلزامياً، يمكن أن يقود الشخصية، بدلا من أن تتبع مسار الأفكار المستقل والانفعالات انسجاماً مع الوضع، أضفى عليها، كما هو حقها المحبوس، إلى أن ترى نفسها مُداهمة بصورة تعسفية بتعبيرات ذهنية أو نفسية، لن تكون مضطراً لأصلها غريبة عليها كلياً، لكنها في لحظة معينة يمكن أن تتكشف على الأقل غير ملائمة وفي بعض الحالات فاجعة، وكان ذلك على وجه الدقة ما حصل لترتوليانو ماكسيمو أفونسو،...". إذاً، فعوضاً عن ألا يقحم نفسه في تطبيق هذا الرأي الفني الذي يراه- ويكرره في أعماله- على هذه اللحظة التي يستعرض فيها دواخل البطل، يفضل أن يقحمه في رؤوسنا. إن الحديث الداخلي في هذا العمل وحضور قراءة الروائي لعالم البطل الجواني وإنعكاساتها على الشخوص يخرج هنا في نضج واضح، لا يعكرها إلا مثل هذا الاعتراضات والتدخلات والتطفل لناقدنا. إن اللغة الإعتراضية تضعف من وعي القصة المُحدث لدى القارئ، فها هو يبدأ إحدى فقرات الفصول من المئة والخمسين صفحة الأولى على النحو التالي: " إن الأسهل بالنسبة إلى كاتب التقرير، أو الراوي، في الحالة الأكثر من محتملة التي يُفضلُ فيها شخص متمتع بالموافقة الأكاديمية، وقد وصل إلى هذه المرحلة، هو أن يكتب أن جولة استاذ التأريخ في المدينة جرت دون عقبات حتى اللحظة التي دخل فيها إلى بيته، وشأن آلة التحكم في الزمن، خاصة وأن الضمير المهني لم يسمح باختلاق شجار في الشارع أو حادثة مرور من أجل هدف وحيد يتمثل في سد نواقص الحبكة، فهذه الكلمات...، أو حين لا نعرف، مثلا، على نحو جيد ماذا نفعل بالأفكار التي تطرأ عفوياً على الشخص، خاصة إذا لن تكن لها علاقة مع الظروف التي يفترض في الشخص أن يصمم فيها على شي......، ... إننا إذا قررنا أن نأخذها بعين الاعتبار وأن نودعها في هذه الحكاية، فإن القصة التي كنا أردنا أن نكتبها يجب أن تستبدل حتماً بقصة أخرى،...، لكن ذلك يوازي أن نعتبر باطلة ولا قيمة لها كل الجهود القاسية المبذولة حتى الآن، هذه الصفحات الأربعون المتراصة والشاقة التي سبق كتابتها، وأن نعود إلى البداية، إلى الصفحة الأولى، الساخرة والسليطة، مبددين عناء شريفاً تم القيام به لتحمل مخاطر مغامرة ليست جديدة ومختلفة فحسب، بل خطيرة إلى درجة عالية، نحن على ثقة من أن أفكار ترتوليانو ماكسيمو أفونسو ستقودنا إليها، لنكتف إذاً بواحد نملكه بدلاً من أن يخيب أملنا مرتين باثنين سنملكهما.". وجنباً إلى جنب الناقد المتطفل، نلاحظ هنا، تلك اللغة التناظرية التقديمية، التي تستعين بالترادف لتكرار معاني المفردات والجمل، بينما تعترضها اعتراضات أخرى موضحة، تجعل من عملية القراءة المفترض أن تتم بسهولة وعمق، إلى حالة من طابور طويل متداخل معوج، وغير مستقيم - حتى نكون ساراماغويين بالمرة. في المثال التالي، يعترف الناقد المتواضع والساخر ساراماغو بأن عليه أن يرتجل حشوة لكي يسد بها عناء الفجوات، "وكما يقال، فيما يبدو، عن الطبيعة، يخشى القصّ هو الآخر من الفراغ، ولهذا السبب، لمّا لم يفعل ترتوليانو ماكسيمو أفونسو شيئا طوال هذا الفاصل الذي يستحق جهد روايته، لم يكن لدينا الخيار ووجب علينا أن نرتجل حشوة لكي نملأ بها الزمن أياً كانت النتيجة حسب الوضع. أما وقد عزم الآن على أن يستخرج الشريط من علبته وعلى أن يضعه في الفيديو، فإننا نستطيع أن نرتاح". والآن، وفي مكان آخر سيصور لك خوزيه دي ساوسا ساراماغو البطل وهو يهم بإلقاء رسالة في صندوق البريد، ولكن في أكثر من عشر صفحات يحدث أن تأكل أمعاءك وعينيك وقلبك، هذا إن تبقى لك قلب. ونكتفي هنا بمثال أخير، " تسلق السلم مع رشاقة مراهق ولم يلاحظ حتى ثقل حقيبته التي كانت، بالطبع، أكثر ثقلاً لدى العودة مما كانت عليه لدى الذهاب ولم ينقصه إلا أن يدخل بيته وهو يرقص. طبقاً للاتفاقات التقليدية الخاصة بالجنس الأدبي المسمى رواية والذي يجب أن يستمر في ان يُسمى على هذا النحو طالما لم تُبتكر له تسمية أكثر اتفاقاً مع وجوهه الخالية، هذا الوصف النشيط، المنُظم في مقطع بسيط من المعطيات القصصية التي لم يدخل فيها بصورة عمدية وبالحيلة أي عنصر سلبي من أجل إعداد الإخراج المسرحي لتضادٍ يمكن له، كما تريد أهداف كاتب القصص الخيالية، أن يكون درامياً مثلما أن يكون عنيفاً أو مرعباً، مثلاً جثة على الأرض تسبح في دمائها، مجمع أشباح، ....، ما دامت مخيلة الروائيين الغربيين، كما أمكن تبيان ذلك ما فيه الكفاية، لا تعرف حدوداً لها على الأقل منذ هوميروس، المشار إليه من قبل، الذي كان، بعد كل اعتبار، أول الجميع. فتحت شقة ترتوليانو ماكسيمو أفونسو له ذراعيها...". تتوازى قوة الفكرة والقصة معاً في مشيج أو انجسام واضح الجدوى الفنية، ففكرة التشابه المتماثل والتام بين شخصيتين إلى حدود غريبة جدا، يأخذ ناحية معنى الإهتمام بالإنسان، فرغماً عن كل الإختلافات نكاد نتشابه تماما إلى حد الصدفة والعبث، اللذين تتحرك من خلالها القصة، والمعنى الأخير يكون، أن الحياة تؤكد أنها لا أكثر من لعبة ما نتماثل فيها إذا اقتربنا من بعضنا، أو لاحقنا بعضنا وفقاً للقصة.


سنقول أخيراً؛ إن موضوعات ساراماغو تكاد تكون موضوعاً وفكرة واحدة متأملة عن الإنسان المنقسم في ذاته والمحاصر من الخارج، وهو حين يكتب قصصاً مختلفة وجميلة جدا، ويبدع قوالب متشابهة، تبقى اللغة واحدة. وهذا المثال الطريف قد يوضح لنا أن الكاتب لا يرى بئساً في أن يجمع أبطال أعماله في استطراد ما، فهو يستعيد بعض الأسماء والأمكنة من أعماله السابقة ليستذكرها في عمله الجديد، كما في " سنة موت ريكاردويس"، و" الطوف الحجري". أما أبطاله، فقد جمعهم مرة واحدة في " الآخر مثلي" حين استحضر أوصافهم الوظيفية داخل تلك الأعمال، وطبعا ضمن استطراد من استطراداته المليون. يقول " شأن رسام الوجوه الذي لم نعرف له اسما ( H - كتاب الرسم والخط )،  وهذا الطبيب العام ( ريكاردوريس - سنة موت ريكاردوريس )، وهذا المصحح للمسودات ... ( رايموند سيلبا- قصة حصار لشبونة )، وهذا الموظف المرؤوس في الأحوال المدنية ( دون جوزيه - كل الأسماء) ". وكأن هذا الاستحضار تعبير عن وحدة الفكرة في أعماله، فلا تهم الاسماء هنا أو هناك بالنسبة للسيد ساراماغو. تبقى أن نقول أن " المنور" روايته الأولى، كانت العمل الوحيد الذي لا نقبض فيها على ساراماغو كما عرفناه بعد ذلك، فالتنقل داخل القصة بين كل مجموعة/ أسرة من سكان البناية، وحركة البناء مع كل فصل الآخذة في نمو متعافٍ ومضبوط، ثم ذلك التنوع الطيفي في الموضوعات التي اشبعتها حوارات الشخوص وخاصة بين البطل " اربيبل" والإسكافي الفيلسوف أو الحكيم " سلفستري" عن مراقبة الحياة، وحوارات الختام بينهما في البحث عن معنى للحياة، إلى جانب ذلك تصويره لأسى وبؤس العلاقات الإنسانية متمثلة في تعقد العلاقات الأسرية واحتدام العلاقة بين الأزواج حيث لا يُرى في الأفق أمل لإصلاحها، ومع هذا الزخم الفني والموضوعي، تم توظيف الجنس بكيفية ذكية كتنفيس عن تعقد العلاقة وتأزمها والغضب الكامن في الداخل، إضافة إلى خلق جو ذلك التأزم من خلال توصيف عواطف الكره والحب واللذة التي تعصف بالعلاقة الزوجية، كل هذا كوّن وأبدع عملاً جميلاً. وبعد هذا؛ هل يصح أن نقول أن "المنور" هو العمل الوحيد الخالي من لغة ساراماغو المعترضة، وفلسفته ككاتب وناقد مشاهد داخل العمل لا من خلفه؟!. أعتقد أن هذا صحيحاً. إن أعمال السيد خوزيه دي سوسا ساراماغو، الذي يقول أن له جدٌ عربي، ويحب رسم الحروف العربية، ستبقى لأنها احتملت أن تتكلم عن الإنسان، بأفكار ورؤية حديثة وغرائبية مفترضة، بخلفيات تاريخية أحياناً، ولكنها ستبقى تحمل في داخلها كل تلك الفوضى التي أرادها، الفوضى العاصرة. إن جهنم/ الجحيم تحمل مخيالاً هائلاً، ووصوفاً دقيقة، لدى المؤمنين بها - وهذا لا يشمل السيد ساراماغو-، إلا أنها تبقى  جهنم. 






الأفلام: 
الحظر - Embargo - 2010، عن إحدى قصص مجموعة " The Lives of Things"
abuiyad