لا يتحرك في رأسي سوى فوضى. هكذا يحكي. السلام عليكم تحية طيبة الى قلبك الطيب المتظلل. أيها الصاحب الخارق للعادة. كنت اخفي تبعا لجهودي في تغييب وجودي ان حماد صديقي. لأنه لا يشبه ان تمتد بيني وبينه علاقة ما. لكن شروط الحياة المملة قربتني منه. اذا كنت أود أن اكتب يوما فإن حماد جعل شعور الصمت ونحول عقلي هو ما يبكّت فيّ هذه الرغبة. مررت بفوضى حماد الرأسية وأنا ادور في الشوارع استأنس إلى فكرة جامحة وسريعة عن الناس. فكرة بشأن حبهم ولعنهم. دائما ما يغلبني الحب ودائما ما ألعنهم فوراً. قبل خمس سنوات كنت قد شرعت في تجديد صوت الانكار عندي. انما يصرعني قوة الواقع وجبروته. انكر ان ما أراه هو ما أراه وما اسمعه هو ما اسمعه. فإذا هدأت نفسي ولمحت صورة حية لبراءة وجمال احببت العائلة، تلك العائلة الايطالية واللاتينية التي تطبخ معا وهي ترقص. ما إن دخل حماد حياتي حتى اجبرني على أن يكون البؤس شاطئي القمري المهين. وبالتقائي به يحضني عفوا وعمدا على العودة والقبول بفكرة الانكار الجارفة والمسالمة. فلا شيء هو كما هو. فخلف الدنيا دنيا وكل الأبواب عيون حزينة. وحين أرى دما لا أراه إلا كالسؤال الأبدي عن الجنة المفقودة. اللون هو نوم والباكين هم الشعراء. والساعة التي ابصر فيها وجه أمي منكسرا هي أصوات أبواب السماء تتكسر وتتخلع. إن حماد يشق صدري ويلقيني في الهوة تاركا صدري مفتوحا للهوام والعضاءات. وهو يجلس ساكتا فإذا ذكرت له أني كتبت نصا اسمه المسألة النملية، وهو عن الحرب. سألني ولماذا تكتب مرة عن الحرب يا منافق وأنت لم تعش يوما حربا؟. انه تصور يا حماد، كيف يصفق الصغار لها، ويمشي في جنائزها هؤلاء الذين يفكرون ويقرؤون ويكتبون عن كل شيء؟!. ثم يتجاهلني. هل اقرأ لك بعضه؟. لا، ولا تكتب. واذا عدت  لمخبئي أعود اقرأ المسودة، ولا ادري ماذا افعل بها فاتركها في الكرتون. صدق حماد. وحين تحدثت حديثا عابرا مع أخي تلقفته بيدي، حضنته. أنت لا توافق على الحرب.. تعال إلى صدري إني أحبك أكثر من كل العالم ومن أي قصة وشعر. هكذا ببساطة الحديث. تحدث معي فقط. وبعد عدة شهور عدت ففضلت أن ابقى منكرا جبانا وسخيفا. من أجل نفسي وشقائي. ومع ذلك فإني اشتاق أن أعود جبارا. اقبض على منابت الشعور اطحنها واذرها في مستودع الفراغ والهجوع، اكرر طول ليالي أنا هاجع.. أنا هاجع كبير.. لا يقترب مني حي. ولكن اعطني يا حماد فوضى اكبر اصدق، فوضى تشل هذه الروح المختنقة بين جمال وبؤس. لتكن فوضى كقلب ميت، قلب قرصان لا يشعر بشيء. يخترق البحار في المحيط المنسي. حماد أنت لست صديقي، وإذا امضيت معك وقتا، فهذا قد يعني اني اهتم لك ولكن لست صديقي. أنت اشبه بي في عمرك الاربعيني الكهل. ضعيف وجبان وتتكلم كأنك سيد الحياة والحكيم المطرود. إنهم يسموها " لاا فاميليا"، يعني الطبخ والغناء وحب الأحفاد ورواية القصص الخرافية عن أجداد الأجداد أولئك الذين قبضوا الأرض بأيديهم وهم وقوف وجذبوها إلى قلوبهم ثم صرخوا صرخة الحياة. هذا حديث الحلم الخاص الغريب عني مع نفسي، فإذا جاء حماد يهرب الأجداد والأرض في ظلمة الليل الباكرة. أرجوك جرعة أخرى، حدثني مجددا عن دس رؤوسنا في حفرة، إن هذا مريح. علمني لغة النمل والجراد. ارضَ عليّ وخذني بجولة في حماقات وجماليات خيالك. لا تخلق خاتمة ولا تبطن رسالة، فقط ازح عني الزمن. خدرني بأي شيء مضر، يحولني إلى أحمق القرية. وهكذا احب قلبك الطيب المتظلل. اجعلني خرافة مع خرافاتك. هيا يا حماد. ويقول: النور يعني روحك المعطوبة وأنا سأطبب عمرك وعمري. في صدرك نفق وفي صدري نفق، وحيث نغرق لا نعود وإن عدنا لا يعرفنا أحد. هيا إلى نفقك الذي فيك، اشرد، انسل او قاتل، لكن نم في نفقك، تمدد كالميت فيه، لا تدري شيئا عن شيء، لا شيء يستحق أن تعرفه عن شيء. قبّل ذكرى صديقة اللاشيء. خذ بيدها في نور الظلام، وعن كل شيء ابق مرتحلا مخدرا في دنيا النفق، هناك ستأتي إليك كل الجواهر وقد تشع لك. طيب يا حماد.. طيب.


abuiyad