تصور عن سطوة الحلم عند شتاينبك






    جون شتاينبك



تنصف اعمال جون شتاينبك على انها تميل إلى الغنائية، ربما هذا بسبب واقعيته واهتمامه بوصف الطبيعة وابقاء خط سير الانطباع عنها حيا. فاهتمام شتاينبك برسم وتصوير المشاهد الطبيعية في اعماله هو تعبير عن التصاقه او تشربه لموطن نشأته في وادي ساليناس بكاليفورنيا. اني لا افهم سرد تفاصيل الريف الجنوبي الامريكي عند شتاينبك الا انطباعا مشخصا عن تأثر الحواس بالعيش في مثل هذه البيئة الغنية، لتقابلها بالضرورة شخوص ممتلئة بتفاصيلها الغريبة والمختلفة. اننا نرى ونصافح ارواح تتحرك في مسرح واضح وواقعي جدا، لأنها تتفاعل مع شروط الحياة الطبيعية من حولها من لون ورائحة وصوت وحركة تشغل الحواس او تبقيها في حالة انتباه. ولذا من الصعوبة اعتبار انتاج شتاينبك غنائي او وصمه بالغنائية وحدها، لمجرد انه يستغرق كثيرا في سرد اسماء الأشجار والشجيرات والحشائش واسماء الطيور والونها واجواء المُزارع اليومية من الاهتمام بتربية الخيول والحيوانات في سرد هادئ قد يشير فقط إلى تلك الرغبة التدوينية الجمالية البحتة للتلذذ بتخيل تلك الصور لا أكثر، على الرغم اني اجد فيها حالة ساحرة من التحليق والشرود، ولكنه تقديم فني شيق ومؤثر في روح وصلب العمل. تميل روايات وقصص شتاينبك الاولى لتأسيس بناء فني يستمر حتى اعماله الكبيرة الشهيرة. وتبقى مشكلة نقاء التحصل الفوري على موضوعاته أو فكرته يميز كثير من اعماله، فهو يخفف من حدة التصريح بالمشكلة القائمة على العمل كخيوط متتشابكة رهيفة ضمن اهتمامه الكبير بالقصة والتنقل السردي، الا اننا نجد في اعماله الكبيرة والبعض الاخرى وضوح للأفكار مع اهتمام بالتحريك القصصي. ان منظار شتاينبك وعدسته المكبرة لدقائق حركة الطبيعة والشخصيات في عمقها يخلق مدارا اثيرا ومحببا للعبور به او حتى الغرق فيه.  فكان هذا التعمق والتوحد بالطبيعة هي ارضيته الخصبة ليزين ويضفي بهجة وتنفس او انطلاق ما في اعماله. اعتقد ان الكتابة عن عوالم شتاينبك ممكنة بقدر ما تصبح متفلتة، سهلة وصعبة، فالعيش داخل اعماله يشبه المصافحة الهادئة والانسلال الناعم حتى في خضم الصراعات المحكية، انما النظر اليها عن بعد ومحاولة ضمها الى بعض شائك ربما.


تبدأ اعماله برواية " كأس من ذهب /Cup of Gold "، انها تروي ما سنلتقيه لاحقا ودائما من اهتمامه بسطوة الحلم وتجبره على تلك الشخصيات النادرة والقوية. فالمجد عند البطل " هنري مورغان"، ذلك الطفل الصغير، هو في الابحار والذهاب رغما عن كل تلك الأنفس المتحسرة، ان والده وحده هو الذي رأى تلك الرغبة الشديدة في عيني ابنه، وانه لم يمنعه، لأنه لا يمكنك معاندة تلك الشرارة. ماذا يريد "مورغان"؟. انه يسعى خلف حلمه ان يصبح أسطورة، قرصان عظيم تتحدث عنه كل الدنيا. وهكذا هم ابطال شتاينبك الأصيلين، قوة ما تمدهم بتحررهم وسعيهم، لأن هناك أبطالا من هذا النوع يقدمهم في انصباب هادئ تعتمل فيهم اللامبالاة والكسل والضعف. وكل هؤلاء الأبطال يتحلوا بصفات مدهشة من الغرابة والاختلاف. فنجد ابطاله في قصص " الوادي الأخضر/ The Pastures of Heaven " او " مراعي السماء" من أوائل منشوراته، والتي هي اقرب الى رواية مفككة، هم ابناء وادي بالقرب من مونتري، حيث يصبح الوادي الجنة المنشودة، او القرية الفاضلة لنشادي حياة جديدة سعيدة، إلا ان هؤلاء الشخوص يحملوا دائما إرثا من الماضي، من الايمان والخرافة، ومن اعباء الهجوم على حياة جديدة بتفاصيلها الحلوة والخفيفة/ الحلم، والصعوبات المعيشية للبقاء. وهكذا نتنقل بين اعماله لنجد سطوة الحلم يقضي على شخوصه ويحيلهم اإلى رؤوس كبيرة تزهر فيها  أولا ثم جماجم خربة تقضي وتنهار بها. ان البطل في عمله "المهر الأحمر/ The Red Pony " هي احلام الصبي "جودي"، احلامه الصغيرة التي يحياها مع المهر الأحمر ثم الفرس "نيللي"، وحلمه الدائم في استكشاف ما خلف الجبال التي تغطي الأفق، وقصص جده عن بطولات الهنود والسهل والساحل. هذه القصة التي هي احدى  قصص مجموعته " The Long Valley " اُهتم بها كثيرا، تحتفظ بمكان شتاينبك الدائم، الريف والجبل والوادي، يتجول شتاينبك هنا ليرسم ويبني باعتبار اشغال الحواس وجعلها متيقظة للمكان الذي تحدث فيه الحكاية. لا يمكن ان نتقدم خطوة في اعمال شتاينبك دون أن تطوف الأحلام فوق رؤوسنا. إن "داني" وأصدقائه في " توريلا فلات / Tortilla Flat " يقتاتون على الأحلام الطارئة والمتثائبة كما يقتاتون على التفافهم حول بعضهم وتسكعهم وطيشهم ونشاطاتهم الاحتيالية والنبيذية. و"توم" وعائلته في " عناقيد الغضب/   The Grapes of Wrath" يحترقون في جحيم الطريق نحو كاليفورنيا ارض الميعاد، حلم النجاة والعيش بعد خسارة كل شيء. وهكذا مالم يحضرالحلم كطوق كبير يسيّر العمل باتجاه قوي وضارب فهو يحتال الى حوارات ممتدة ناعمة ودافئة بين الشخوص. ان " ليني" في المسرحية القصصية "Of Mice and Man" عاشقة للحلم وكائنة به، فهو لا يكاد يبدأ حديثا مع صديقه "جورج ميلتون" إلا ويدفعه الى نشر عباءة الحلم، ليقاطعه دوما ويعدل له ذلك الحلم. وهناك احلام " ايثان" و" ماري" في " شتاء السخط /  The Winter of Our Discontent"  تقدم معنا اكثر وضوحا لماهية الحلم عند شتاينبك. انه الحلم الجميل الجديد الذي ينتظرنا عند تلك الناصية، الذي نريده ولا نكاد نجزم لماذا نريده، لأنه لا يكاد يصل إلينا حتى يتبخر لمعانه الغريب البعيد، ويحيل الحياة الى واقع جديد غير مفهوم، وهكذا فالأحلام عند شتاينبك لا تحقق، تبقى معلقة فائقة الروعة والابهار. لقد ماتت ورديات احلام  " هارون" و " آبرا" العشيقين في " شرق عدن/ East of Eden" لتمثل تلك الشقوة والصعوبة الراهنة بجلب الأحلام كما هي لحياة مضطربة وعاجزة عن احتضان ذلك الجمال الساحر، لتصبح الخلاصة ان نتأمل الحلم كما هو معلق وبعيد.


واذا كان الحلم يمثل هذا الدور المؤثر في حياة شخوص شتاينبك، فإنه انما يخرج عن تلك الشخصية الطفولية النزقة والمفتشة التي تنتشر في تلك الشخوص. يؤكد شتاينبك هذا الاشتباك بين الطفولة والحلم بخلق فسحة سردية ممتدة لا تبغي الوصول إلى تثبيت موضوع يتسم بحدية الوضوح. ولكنه يصبغ عليه شكلا من العيش فيه. ان شخوص الطفولة لم تعني كثيرا ابطاله حديثي السنين، لكنها تتفجر في نزغ وغرابة شخصياته الكبيرة الاخرى. فـ "كايثي" مثلا في رواية "East of Eden" هي الزوجة النزغة وذات الروح الشريرة التي تقبع في حياتها خالية من الخيرية، وابنها " كال" الذي يعتقد ان روحه تشبه روح امه وهو يرتكب افعاله الشيطانية، وينشد خلاصا في شراء حب ابيه، هما لون صريح باقتحام فراغ الطفولة لحياتهما. بينما شخصية " ليني" ذلك الرجل الكبير الطفل، هو صورة اكثر صفاء تجسم حماقة الطفولة ورغبة الاحتفاظ بالاشياء بسذاجة الطفل الصغير. ان "ليني" لا يفهم ابعد من ان يحصل على الشيء الآن وهنا حتى لو قاده هذا لقتل زوجة "كيرلي" تحت رغبة متسلطة حاضرة في ان يستكمل قليلا تنعمه بملامسة شعر الفتاة. هذه الشخصية بهذا المعنى من التمسك والاحتفاظ تقارب شخصية "فيكتور" في المسرحية القصصية "التهاب مشرق" أو " العاقر /  Burning Bright" وهو يصرّ دون ان يتفهم على ان يكون أبا لطفله الذي تحمل به سفاحا زوجة رب عمله "موردين"، وان يكون زوجا لها ايضا.  هناك وجه اخر للطفولة بمعنى من الاريحية وحب الكسل واللامبالاة تظهر جليا في قصة "جالينوس مالبتي"، انها واحدة من اجمل قصص شتاينبك تؤسس لمجموعة شخوص ما يسمى بالبايسانوس/ اصحاب الأرض، المتمثلة في "داني" واصدقائه في "تورتيلا فلات" وكذلك "ماك" واصدقائه نزلاء قصر فلوبهاوس في رواية " شارع السردين المعلب /  Canny Row ". سجية اولئك الاطفال الذين لا يرقبون الغد حتى يأتي، ما باليد وما يمكن ان نفعله الآن هو كل شيء يمثل حياة هؤلاء. ان " جالينوس" يقبع في مزرعته طوال النهار يدلي رجليه في مجرى الجدول او يتكأ في الأصيل على غصن شجرته لا يتحرك، كما هو "داني" يخرج باكرا ليجلس على كرسيه في ظل بيته الذي ورثه لا يعبأ كثيرا بما يحمله هذا اليوم سوى الاسترخاء وانتظار الأحداث للعلوق بها، وهكذا "ماك" واصدقائه يقضون سحابة نهارهم في تأثيث قصرهم العتيق من قطع الخردة الملقاة ويغرقون في سباتهم وتعطلهم حتى تنفجر فكرة او مشروعا فيذهبون معه إلى آخره. يشغل شتاينبك هذه الشخوص بأضواء المغامرة والأفكار المفاجأة الآنية التي لا تتعرض لكثير من وزنها بميزان العقل الراشد. فكهذا فجأة يقرر نزلاء قصر فلوبهاوس اقامة حفلة لـ "دوك" وتنتهي الحفلة التي لم يحضرها "دوك" بفوضى كبيرة، فتبقى الفكرة حاضرة في جزء كبير من العمل لتقول ان هذا الاصرار الغريب من هؤلاء المتسكعين المعدمين على اقامة الحفلة تقابل اصرار الطفل على مد الفرحة ونشوة المغامرة ومفاجآت الحياة لوقت اطول. يمكن ان نلاحظ ارتباطا موضوعيا مُشكل بين الحلم والموت وربما الطفولة في اعمال شتاينبك،  فعلى سبيل المثال؛ يموت الطفل " كيوتوتوا" في رواية " اللؤلؤة / The Pearl " ليختم حلما زينته المخيلة ورفضه الواقع، ويولد طفل "موردين" ميتا ليقصم حالة الحلم التي عاشته هذه الأم وزوجها "جوسال" وايضا بنفس الحال يولد طفل "روز شارون" في "عناقيد الغضب"، ويموت " داني" ليختتم تلك الحياة الطفولية الشقية الحالمة والعابثة، ويتكرر الموت في " عناقيد الغضب" بالجد والجدة والكلب على الطريق من اوكلاهوما إلى كاليفورنيا، يقتل "جورج" صديقه "ليني" الطفل الكبير ليقضي على هذا الحلم العنيد في رأس المسكين بتربية الأرانب وامتلاك مزرعة، يصف شتاينبك موت "هنري مورغان" في نهاية رواية "كأس من ذهب" الطفل/القرصان الذي عانق حلمه وفقده :" كان هنري يعي الخفق الرحيم، العميق للنغمة" لقد مات الطفل هنري قبل ان يموت، حين تحقق حلمه، فقتل حتى صديقه الذي يزور خياله فيسأله " - لماذا فعلت؟" ليجيب هنري كل مرة " - لا ادري... لابد اني كنت ادري ولكني نسيت!"، ولهذا تأسف الوصيفة "ايزيبل" وهي تحاوره أواخر حياته لموت ذلك الطفل هنري مورغان تقول " - أظنني آسفة بسبب ليلتك المضيّعة، لأن الطفل الوحشي، الشجاع فيك قد مات - الطفل المتبجح الذي يسخر ويظن السخرية تهز عرش الله، الطفل الواثق الذي كان يسمح بكياسة للعالم بمصاحبته عبرالفضاء. هذا الطفل مات، وأنا آسفة.". يخفي "ايثان" في نهاية رواية "شتاء السخط" أو " حين فقدنا الرضا" امواس الحلاقة في جيبه ويصارع رغبة قتل نفسه داخل البحر، تموت احلام الطفل "جودي" في "المهر الأحمر" بموت مهره ثم الفرس "نيللي" لتولد احلام اخرى. في المسرحية القصصية "أفول القمر / The Moon Is Down" يموت "اليكس" عامل منجم الفحم قتلا، ليثير احلام أهالي هذه البلدة الاوروبية المحتلة للحرية ويجعلها اكثر اصرارا على المقاومة السرية. يعانق "آدم" الأب في "شرق عدن" نهايته بعد جلطة دماغية سببها جنون ابنه الصالح "هارون" وذهابه للحرب ليقتل هناك، بعد ان اكتشف سخف حلمه الوردي الذي كان يعيشه.

كيف لنا ان نعي تسلط الحلم لدى شتاينبك، انه يفسر معنا ختاميا يفهم بايجاد الخلاص. فالنظرة في عيني "هنري مورغان" الجلية لحلمه هي ذات النظرة التي رأتها أم "كايثي" في عيني ابنتها المراهقة، ولكنها كانت خالية من اي شيء. ولهذا حقق "هنري" حلمه لكنه لم يجد خلاصه، وتاهت "كايثي" الحذقة والذكية لترفض عالمها المكبل بالزواج والمسؤولية واكمال الدراسة إلى تفتيش مخيب عن حلمها لتصبح عاهرة تدير بيتا للبغاء. هذا هو النوع الأصيل من شخوص شتاينبك التي يسيرها الذكاء في حبائله الخداع والكذب والمناورة، " هنري مورغان"، "كايثي"، "كاميل اوكس" في رواية " الباص الجامح /The Wayward Bus" التي يشابه عالمها الفوضوي الذي يقوم على الجنس، وتحركها بصيرة نافذة بما يدور في عقول الرجال، عالم "كايثي" تماما. "توم" بطل "عناقيد الغضب" الذي يسعى لانقاذ عائلته من بؤس التهجير والاضطهاد والبحث عن موطن طيب جديد،  وكذلك"جون شيكواي" في "الباص الجامح"، ويخلص العمل الى لا خلاص او لا وصول. "ايثان" بطل "حين فقدنا الرضا" الذي يعيش ضمن دائرة مخادعة وصولية من الموظفين والملاك ويسعى لاسعاد زوجته وولديه، وهو يدير حواراً داخليا سخيا لا يتوقف عن ماهية كل هذه الحياة والشخوص من حوله، ثم هو اخيرا لا يجد خلاصه في احلامه المتسلطة ولا يقتنع بواقعه. ان هؤلاء بأحلامه المتشابهة خيرا كانت أو شرا  قد تربصت بهم ينشدون خلاصا ما، لا يكادون يقضبونه بأيديهم ابدا، أو انهم حين يتحسسونه -في شخوص ابطال آخرين- لا يجدوا فيه خلاصهم. يمكن لنا أن نقرأ الجزء الأكبر من صيغة الخلاص لدى شتاينبك في فكرة الانتهاء و الموت، فتنتحر "كايثي"، ويعدل "ايثان" في اللحظة عن الانتحار، ويموت كل الأبطال الذين تربصت بهم احلامهم المشوهة والضريرة. وما تبقى من صيغة الخلاص الاخرى فهي تندس داخل افكار العمل المنتثرة، في الحركة والحوار اللذين يصاحبان الشخوص، لنعاين صراعا انسانيا اخر، مثلا بين اغنية الشيطان واغنية العائلة الناعمة في رأس "كينو" في رواية "اللؤلؤة"، فتحثه زوجته إلى ظل الأغنية الحسنة دائما. ونجد موازاة فنية او اسقاطا تاريخيا واقعيا بين الأخوين "آدم" وتشارلز" ومن ثَم "كال" و "هارون" وبين قصة قابيل وهابيل، ليفتح شتاينبك فسحة جدلية فكرية عن سيطرة الخطيئة، ليخلص في نهاية العمل إلى الدفع بمعنى " قد تسيطر على الخطيئة" لا معنى " سيطرت علىيك الخطيئة"، وهكذا يواسي الأب "آدم" ابنه "كال"/قابيل حين يقول له وهو على مقربة من الموت " لك حق الاختيار!"، بمعنى أن تسيطر عليها او تسيطر هي عليك. وهكذا قد نفهم ان الحلم عند شتاينبك قد يتحول في كثير منه إلى تجسيد لاصالة الخطيئة التي تسيطر غالبا على حياة الانسان لتضيع فرص خلاصه.

اذا ما اخذنا خطوة كبيرة إلى الخلف لنعاين فكرة شتاينبك، فهي تقديم وتصوير للمعترك النفسي الذي يوجده الصراع الانساني بين الخير والشر، وإذا ما اقتربنا فإننا قليلا ما نلحظ هذا. فالتغطية على ابطاله المعدمين والفقراء والمزارعين بإلباسهم غرابة ما وخلق تناقضات ساخرة بين نماذج الشخوص وبيئاتهم واهتماماتهم التي تظهر في تحركاتهم وحوراتهم وتظل تعوم بهم لا تخفي حقيقة انهم يعيشون معاناة الظلم الاجتماعي والاقتصادي وتسلط الملاك والبنوك والشركات والانتهازيين التي تستنزفهم وتمتص اخضرارهم. ولذا يمكن اعتبار غرابة وتفرد شخوص شتاينبك هي موضوعات وافكار بحيالها لكنها صامتة. وتتحول انماط حياتهم إلى اشكال من الضياع وقبض السراب او البحث والتفتيش، قد ينخر فيها الفساد والضعف والانحلال او تصاحبها حالة الانهزام والاحباط، وقد تتوسل المكر والاستغلال لتنفذ الى رغبات كبيرة تتجبر عليهم مكونة اوهامهم التي يقتاتون عليها، كوهم الاغتناء السريع او الحصول على ثروة في لمح البصر. ان فكرة "المال من اجل المال" و " احصل على المال لتجني المال" هي فكرة نهائية عالجها شتاينبك في اعماله الأخيرة كـ"شرق عدن" و "حين فقدنا الرضا" لتفض اشتباك حقيقة عامل الثروة في خلاص الانسان. هناك قصة "حادث غرام" في مجموعة "الوادي الأخضر" تكشف لنا امتلاء بطللها "شارك" بوهم امتلاكه ثروة هائلة ليتحصل خلالها على مكانته المحترمة بين اهالي الوادي، فهو يمثل دورا كاملا زائفا يعميه عن حقيقة فقره وافلاسه. تترك "كايثي" وصية بنقل ثروتها لابنها الذي يشبهها "كال"، وتعود ثروة "تشارلز" إلى "آدم" اخيه، وقد استحالت حياة "آدم" من قبل لجمع المال من تجارة الخس، ما الذي يحدث هنا؟. يفلس الأب فيجاهد الابن "كال"/ قابيل، لتعويض ابيه طمعا في حبه، فيرفض الأب ان يعطيه الحب على هذه الكيفية. يراجع "ايثان" في رأسه كثيرا قصة احتراق سفينة جده التي كانت تنقل صيد الحوت كوقود إلى ولايات اخرى، تلك الثروة الضائعة والمسروقة. عامل الحانوت هذا ابن العائلة العريقة الذي كان يملك الحانوت الذي يعمل فيه يقف على مسافة حساسة من سلام الحياة التي يعيشها ويراقبها وبين مزية امتلاك المال والثروة، وهو يميل في ضميره المتكلم إلى البقاء على حاله رغم الضجيج الذي من حوله يدعوه لاعتلاء حياة اجتماعية محترمة عمودها المال والاعتماد على الخطط السرية. انه يكاد مرة ان يسرق البنك المقابل لحانوته لأنه يجد ان في ذلك حقا صريحا له. يحافظ "ايثان" على جنونه الجواني الذي يأكله ليتحصل على الحانوت والسيارة وصكوك اراض من صديقه سكير البلدة "داني تايلور"، ومع هذا لا تغنيه الثروة ولا تفك عقده واغتراب حلمه. وكذلك نقرأ هذا المعترك الانساني بين الخير والشر في موضوعات اخرى كعلاقات العائلة  والحب والصداقة والعمل. فهذه "موردين" تحمل سفاحا وتحارب خفية "فيكتور" لتعطي زوجها العاقر سعادة الانجاب، وهذه "كايثي" تحمل طفليها "كال" و"هارون" من اخي زوجها "تشارلز". ويتحول اغواء واغراء الرجال النافذين والموظفين الكبار إلى كائن حيّ في شخصيات "كايثي" و "كاميل اوكس" و " مارغي يونغ هنت" في "حين فقدنا الرضا". وتحضر الحرب كخلفية مؤثرة في كثير من الاعمال فتبتدأ رواية "تورتيلا فلات" بعد عودة "داني" من الحرب، وهكذا "آدم" في " شرق عدن" و"ايثان" أيضا. وهي تمثل موضوعا رئيسيا لمسرحيته القصصية "افول القمر"، التي تقع احداثها  في بلدة اوروبية، تتعرض للاحتلال النازي وتتعاون في المقاومة السرية.


فنياً يمكن ان اميز نموذجا مبدئيا اسياسيا تقوم فيه قوالب شتاينبك، وهو الحركة المستمرة او التجوال، فليس هناك توقف وعودة بل مضي كامل. فهناك رغبة اكيدة للاستمرار والبحث والتفتيش، وهذا ما يسم اشهر أعمال شتاينبك "عناقيد الغضب"، رحلة على الطريق وتنقل مجهد مضني على طول طريق يقطع عدة ولايات. وهذا ايضا ينطبق على روايته الرائعة "الباص الجامح"، حالة من التغيرات وتبدلات الأمكنة مع تكثيف وقراءة لهذه الحركة والتجول بأداوت الحوار المثابر على الفهم واللغة القائمة على نمط متسوٍ من الهدوء والتؤد عند سرد المعلومات والتوصيف الفني، تعود لايقاع متحفز في الحوارات. هذه الحركة المستمرة إلى الامام تنقلب في اعمال اخرى كـ"تورتيلا فلات" و " شارع السردين المعلب" و " حين فقدنا الرضا" إلى حركة مدارية وتجول درواني لانهائي في ذات المكان لكنه لا يعني العودة إلى بداية ما واستكمالها. وهذا ما قد يشي باشتباه او خدعة ان العقدة الرئيسة في العمل هي عدم الوصول. فنياً قد نُخدع هكذا، فهناك بنائيات تشي بتشتت وتفرق قطع الحبكة القصصية كلما تقدمنا في القراءة، وكأننا سنقبل على لحظة ذهبية تجتمع فيها هذه القطع لتفجر ذروة العمل. لكن هذا ليس من خصائص سردية وبنائية شتاينبك، فالعمل يمضي إلى مزيد من الشغب والتمزق والخيوط التي تتباعد وهي في ذات الوقت تخدم الفكرة، عندما تبث اشارات موضوعية مخبأة كهشاشة المصير وعدم الوصول واللاارتباط واللاتماسك. إن ذروة المشهد الروائي الأثير لدى شتاينبك هو ما يفهم منه اللا التقاء واللاوصول ليقيم عليه وعي القصة الملخص، بقصور الحلم في تحقيق الخلاص، وان كل وصول فج مضطر هو اغتراب جديد. ان قراءة ما تقوم على الكسل والتسهل والقشرية لغالب اعماله قد توهمنا بفنية النهاية المفتوحة التي قد تخطر بأذهاننا عند الانتهاء من قراءة عمل ما كـ " عناقيد الغضب" أو "الباص الجامح" أو " حين فقدنا الرضا" وغيرها، بينما تكمن القصة والفكرة في عقد صغيرة تولد من رحم هذا التصدع وتباعد خيوط العمل. ولذا قد يصح ان نقول ان نمط السرد لدى شتاينبك يشبه سطح البحيرة المنبسط لا صعود و تفجر نافورة العين الجبلية، بمعنى انه افقي لا عمودي، فتنتشر الحبكة بالتساوي العرضي، لنقف على ارضية من الشخوص والأحداث والحركات والأفكار والحوارات التي يُعمل فيها مصباح و ضوء مكشافه مرة بعد مرة على بقعة من هذه الأرض المستوية. للتمثيل؛ يقوم النص على ارض ممتدة فتبنى غرفة هنا ليفتح اليها بابا الى غرفة اخرى يبنيها ثم يعود ليضيف في مساحة الأولى أو الثانية أو يبني غرفا اخرى فتتشكل خريطة عائمة متفلتة، انه قادر من خلال هذا البناء على تفجير مئة قصة مسالمة وشيقة ورائعة على هذه الأرض السردية المنبسطة، ان هذا قد يكون مثال جيد ينطبق على رواية "شارع السردين المعلب". بين يدي شتاينبك عجينة رقيقية وعميقة لخلق موائمة فنية هي ساحته الخصبة لينثر فيها قصصه وشخوصه ولغته الساخرة والهادئة ومفردته الدقيقة التي تحكي وتصور وقوع الفجائع والمصائب بذات الوتيرة اللغوية والكمية التي يصف فيها حركة الهواء وانعكاس اشعة الشمس على الأسطح. شتاينبك لا يداهن روايته ولا ابطاله إنه يحيل العمل إلى حركة حية جديرةٌ بالتصديق والانفعال. انه يلبسهم ذوات شخوصهم ثم يتلصص خلفهم بين جنبات وخدوع الحركة. وهو لهذه الغاية الفنية المحترمة يقيم خلفية سردية شاقة ومدعمة لموضوعاته للرفع بوعي القصة، ففي "عناقيد الغضب" يفرد فصلا لقراءة الحالة الاجتماعية والاقتصادية العامة في فترة سنوات الكساد تلك بما يمكن اعتباره وثيقة اجتماعية، وفصلا اخر يدفع فيه البناء الى الامام وهكذا على طول العمل. ومن اجل هذا ايضا قد يتوقف القارئ كما توقفت انا في منتصف بعض قصصه ولا ادري ماذا يود ان يقول؟. فهو يعود مراراً وتكراراً ليرسم الصور والأشياء ويدقق الملامح ويعدل الحركات ويؤرخ للمقتنيات العينية والفكرية، ولا تكاد تتقدم صفحات او تبدأ فصلا جديدا ليعود فيرسم بزوغا أو يطلق صوتا أو يحفر داخل الشخصيات وينحت الأشكال ويحرك الهواء ويبث الروائح ويفرقها ويعدد الشجيرات الطيبة والشجيرات الشيطانية ويطالع حركة الشمس والسحب والظل والمطر، يعود يتعهد كل شيء ببطء وروية وبعد كل هذا الإحياء والتنشيط للوعي المتحرك في القصة يدفع بها قليلاً إلى شقائها، ولكن دائما بأريحية واهتمام واقعي، وهذا الحرص الفني الجمالي هو ما هيأ لرومانسية افكاره وشخوصه الى حد ما. ان هذا السعي في تنظيف الحواس واستثارتها يبعث على تجديد الانطباع الأوليّ لدى القارئ وايقاد النور فيه كل مرة ثم البناء على ركائزه وهو في عوداته هذه متحرك ومتجول في وعي القصة الكلي، فهو لا يكرر بل يجدد ويحسن ليعمر المكان ويرص التفاصيل والأفكار.  


هذه الفقرة متعلقة بالترجمات العربية لاعمال جون شتاينبك. صدرت اربع ترجمات لرواية " The Winter of Our Discontent" وهي تتصدر عددا اي ترجمات لأعمال اخرى، وهذه الترجمات كانت تحت العناوين التالية "شتاء الاحزان" " شتاء السخط"  "الاغراء" و " حين فقدنا الرضا". خلف هذا ثلاثة اعمال تُرجمت مرتين وهي على النحو التالي: " The Pastures of Heaven" تحت عنواني " الوادي الأخضر" و "مراعي السماء". ثم المسرحية القصصية " The Moon Is Down"  تحت عنواني" الثأر للوطن" و" في مغيب القمر". اخيرا رواية " The Wayward Bus"  تحت عنواني " الاوتوبيس الجامح" و " رجال ونساء وحب". في رف الترجمات الوحيدة نبدأ بروايته الأولى " Cup of Gold" بعنوان " كأس من ذهب"، ثم " The Red Pony" بعنوان "المُهر الأحمر"، ثم "Tortilla Flat" بنفس العنوان "تورتيلا فلات"، ثم المسرحية القصصية "Of Mice and Man"  تحت عنوان "الفئران والرجال"، يلي ذلك  عمله الأشهر "The Grapes of Wrath"   بعنوان "عناقيد الغضب" ترجمها المصري الراحل سعد زهران فيما يتجاوز الـ700 صفحة. ثم رواية "Canny Row " ترجمها اللبناني الراحل منير البعلبكي تحت عنوان "شارع السردين المعلب" وهو الذي ترجم ايضا المسرحية القصصية "Burning Bright" في ترجمة مكثفة بعنوان "العاقر". يلي ذلك رواية " The Pearl "  بعنوان "اللؤلؤة"، واخيرا كانت الترجمة النفعية المختصرة والقاتلة للعمل لرواية " East of Eden" بعنوان " شرق عدن". يمكن لي تحديد جودة الترجمة بقراءة اول خمس صفحات من ترجمات العمل الواحد والتصفح العشوائي للمقارنة بما يضيء على الاهتمام بالتفاصيل ودقائق الاسماء واللفتات الحركية الفنية. ربما فضلت ترجمة على اخرى لأن هذا المترجم كتب " كانوا يشربون النبيذ." بينما ترجم الآخر " وكانوا يشربون.". طبعا اضافة إلى عدد الصفحات فهذا يشي الى حد كبير بمحاولة تقريبية لمجاراة وتتبع اصالة العمل في لغته التي كتبت به. عموما الترجمات التي اخترتها للأعمال متعددة الترجمة على النحو التالي " الوادي الأخضر" على الرغم ان هذه الترجمة اهملت قصتين تمت ترجمها في الترجمة الاخرى "مراعي السماء"، و " الاتوبيس الجامح" و "في مغيب القمر" و "حين فقدنا الرضا". قصة " جالينوس مالتبي" تُرجمت بجودة اعلى في نهاية طبعة قصة "المهر الأحمر" اذا ما قارناها بترجمتها في "الوداي الأخضر". تتبقى ترجمة عربية لعمل من مستهلات اعمال شتاينبك لم اتحصل عليه وهو " To a God Unknown" : "البحث عن اله مجهول"، وهذا وفقا لبحثي. لا زالت تفتقر المكتبة العربية إلى ترجمات جديدة لأعمال مهمة تساعد في قراءة متكاملة لجون شتاينبك مثل " In Dubious Battle" وغيرها من اعماله التوثيقية عن امريكا، وكتابة ترجمة تحترم عمله الاخير "East of Eden" . اخيرا هذا توضيح لعبارة "المسرحية القصصية" فيما سبق، اقتبسه من مقدمة جون شتاينبك في عمله "العاقر" : " العاقر هي ثالث محاولة أقوم بها إلإنشاء هذا النوع الأدبي الجديد "المسرحية الأقصوصة" play-novelette  ولستُ أعرف أن أحداً قد حاول ذلك من قبل. وإنما جربتُ أنا ذلك في كتابين لي سابقين هما "عن الفئران والرجال" و "أفول القمر". ثم يفصل اسباب خلقه هذا الجمع الفني ليخلص ذلك بقوله " إنه مسرحية تسهل قرائتها ، وأقصوصة يمكن أن تمثّل بمجرد فرز الحوار.".


قُدمت كثير من اعمال جون شتاينبك سينمائياً. وتعرضت كثيرا الى معالجات فنية اضرت في مجملها بتقديم ما خلف النص، بما يعني من ضعف ايحاء الفكرة حسابا للقصة، فكرة الحلم / الخطيئة/البحث عن وصول، المنتهية الى سيطرة الخطيئة/اللاوصول. وتدخلت بعض المعالجات الى اغفال جانب من القصة او اهماله كما في نهاية الفيلم المجسد لرواية "عناقيد الغضب". قد يكون من الصعب استيعاب شتاينبك وتقديمه كما يجب سينمائيا لأن كل التحركات القصصية وموضوعات الأفكار عزيزة جدا في فهم العمل كاملاً. لكن هناك تجارب اقرب للرضى كالفيلم المجسد لرواية "الفئران والرجال"، فهنا معالجة قدمت الفكرة نوعا ما إلى جانب القصة او متأخرة قليلاً. في الفيلم المجسد لرواية " شرق عدن" هناك اقتطاع كبير والغاء لبعض الشخصيات البنائية المؤثرة في العمل كشخصية "تشارلز". ربما كان يمكن استيعاب شتاينبك لو قُدم اوحين يقدم في شكل سلسلة تلفزيونية من الحلقات التي تقترب اكثر من بواعث الشخوص الداخلية ومزجها بالحركة القصصية. الافلام المتوفرة لأهم اعماله هي على النحو التالي: 

The Grapes of Wrath 1940 - مترجم
Tortilla Flat 1942
Lifeboat 1944- مترجم ( كتبه بالاشتراك مع الفريد هيشتكوك)
La perla 1947
The Red Pony 1949
Viva Zapata! 1952 - مترجم
East of Eden 1955 - مترجم
The Wayward Bus 1957 
Cannery Row 1982
Of Mice and Men 1992 - مترجم







* لقراءة موضوعية تحليلية لجون شتاينبك واعماله انصح بقراءة كتاب "بول ماكرثي" : " جون شتاينبك" - ترجمة "مي شاهين".


abuiyad