مسودة باعتبار مذلون مهانون "كتاب" دستويفسكي









قراءة أولى لدستويفسكي لا تفي بكل الغرض، وخبرة ضعيفة لا تثمر شيئا.علينا من باب التواضع ان نبقى تلامذة وطلابا لكل هذا الزخم الأدبي الانساني الفني العجيب. لكني دونت ملاحظات سريعة، وبالتأكيد يحتاج الأمر لعودة متأنية ومهتمة اكثر. وبحكم بعدي عن الاعمال الان، فسوف احتفظ بالكتابة عن كتاب دستويفسكي لولغة اخرى، وليتم اخر. لاحظت عرضا ان الكتاب الاصيل لدستوفيسكي هو عمله "مذلون مهانون"، فمعظم موضوعاته ورسوم شخوصه والعلاقات فيما بينهم، تنتشر وتتوزع على بقية أعماله. وارجو ان يصح ظني ويكون من اوائل الاعمال التي كتبها. فرغبتي التشريحية الغريبة في جمع انتثار افكار الكاتب في كتبه، وردها لكتاب واحد - ليس هو بالضرورة كتاب واحد مطبوع ولكن كتاب هنا بمعنى موضوع-، هي العلة الوحيدة من كتابة هذه المسودة. لم اقرأ اي كتاب مما كتب عن نقد دستويفسكي- بخلاف المتفرقات، ولكن هذه العلامات هي طريق أوليّ نحوه، يخصني وحدي. وربما ان ضياع جزء مهم عزيز من هذه الملاحظات جعلني ادون هذه المسودة. وحين اؤمن بمقولة ان الكاتب انما يكتب كتابا واحد، فلا يعني هذا ان الكاتب انما يكرر موضوعه كما هو، ولكن انما يلبسه ثيابا فنية جديدة، ويقلبه من وجوه اخرى، وفي حالة دستويفسكي انما يستغرق في اعماقه ويبحث اسراره. وفعل الكتابة وحدها انما هي كشف وستر، كما يحكي ابراهيم الكوني. 


- في مذلون مهانون : نجد دعوة البطل للاختيار بين حبيبتيه. تتكرر هذه الفكرة المثيرة في الأبله. وموضوعيا ربما يكشف هذا عن عقدة هامة في اعمال دستويفسكي وهي الاختيار، لكن هذا التكرار الغريب لذات القصة جدير بالقراءة.

- في مذلون: الأب والابن يشتركان في حب نفس المرأة. يحدث هذا في المراهق. وفي الاخوة كارامازوف أيضا، شخصية جروشنكا، التي يحبها الأب والابن. هذا التكرار لهذه العقدة الغريبة جدير بالقراءة أيضا، وموضوعيا يكشف هذا عن شيء من تأزم ما في فهم الحب، أين يبدأ، وكيف، واين يقف؟. اضف الى ذلك ما يتبع هذا الاشتباك والاشتراك العلائقي العاطفي من تداخلات وجدانية وتعليلات فلسفية وقراءات ممكنة لاعماق وطبائع النفس الانسانية.


- في مذلون: نقرأ الاضطراب الغريب بين العلاقات العائلية في العمل، فهناك ناتاشا وعلاقتها البعيدة القريبة بالبطل ايفان، اخ واخت!. يتكرر هذا الاضطراب العلائقي" القريب/البعيد/النبيل/ الحقير" في المراهق بين فرسيليوف وابنه البطل. وهذا تأزم اخر غريب في العلاقات، يدفع نحية تأمل وقراءة طبيعة التمزق العلاقاتي في كل معانيه الشكلية وما يندس خلفها من معاني انسانية اخرى عند دستويفسكي.


- في مذلون: نجد رغبة الزواج من أجل المال كموضوع مساعد في البناء الموضوعي للعمل، وفي الأبله تتكرر قصة الزواج من أجل المال. لا نقرأ فكرة الطمع والشره وحدها هنا، التي ساقها دستويفسكي في كل مرة على وجه مختلف، ولكننا يمكن ان نقرأ اثر الثروة والمال في نيل بطاقة الدخول الى نادي النبالة والمجتمع الارستقراطي، في فكر دستويفسكي أيضا.


- في مذلون: يحضر المنقذ في شخصية صديق قديم وهو ماسلوبوسيف. نجد هذه الشخصية ذاتها في المراهق والجريمة والعقاب، وفي الأبله نلتقيها في شخصية روجين. بالطبع هناك بعض القلب لها ونحتها على وجه ما تحتمله الشخصية الجديدة وربما تشويهها، لكن دورها البنائي يبقى واحداً.


- في مذلون: نجد الصرع يصيب شخصية نللي، وفي الأبله البطل مصروع، وفي الاخوة كارامازوف يكون الخادم سميردياكوف هو المصروع. وبما ان الصرع اوضح مثال على نقل الكاتب جزء من حياته الى داخل اعماله وبمثل هذا التكرار، فيحق لي ان اضمر واقول غير زاعم، ان التكرارات الاخرى انما هي مدخولات دستويفسكي من عالمه الواقعي الى عالمه المكتوب، حيث يقرأ عالمه الواقعي، حقيقته وطبيعته وهو يكتبه، وهذا وحده اقصى المتع العقلية، ان تعي نفسك وواقعك وتقرأه وتتفوق عليه بفهمك له ولك ساعة ما تكتبه.

- في مذلون: حب الأب لابنته وغيرته عليها ورغبته في الاستئثار بها، واستيداع ماله عندها. يتكرر هذا في المراهق مع الأمير العجوز وقصة ميراثه. وفي الاخوة كارامازوف نجدها نوعيا، في حكاية استئثار الأب بالمال ومنع الابن دميتري عنه، وحفظ المال لحبيبته.

- في مذلون: البطل كاتب وروائي، نجد شخصية الروائي في الشياطين، تلك الشخصية الروائية العجوزة التي نقد دستويفسكي طبيعة انتاجها عرضا.

- تبقى مسألة القمار، واللوحات الفنية التي يرسمها كتابة، وحضور المسيح.


اعلم ان عرضا بمثل هذه الكيفية الحسابية يصبح غلطا ويفتقد متعة القراءة والتحليل الذكي، لكنه مجرد اشارة فنية لا اكثر على ان مذلون مهانون هي كتاب دستويفسكي الأول فنيا والأهم لموضوعاته، وربما هو الذي صنعه ككاتب بمثل هذا الثقل. لم التفت الى الاخوة كارامازوف والشياطين كثيرا في هذه المعاينة العجلة، لأني قرأتها بعيدا عن هذا الاحتمال. وقراءة اخرى ستأتي بخير من هذا. اما عمل السجن " ذكريات من منزل الأموات" فهي اقرب للمذكرات، التي تقترب من حكاية سيرة ذاتية لفترة من حياته قضاها في السجن، في قالبها الروائي طبعا، ولكنها لا تنخرط ضمن الخط الفني الابداعي الذي اختطه دستويفسكي ليرسم طبيعة قوالبه الفنية وشخوصه، ولكنها تقترب من موضوعاته، لأن موضوعه واحد، وهو البحث والحفر في النفس الانسانية مشاكلها وتمزقاتها. ومع كل هذه القراءة لأعماله، تبقى قصة اسمها "قصة أليمة" هي الوحيدة التي بقيت تفاصيلها وحركتها وشخوصها لا تفارقني حينما يأتي ذكر  اسم دستويفسكي!.




abuiyad