تحية للسماء






*تحية للسماء التي اسدلت علينا وجهها، وانعمت علينا بعاطفة الرقة. تحية للوعيد الذي انقذنا منا، وللحب الذي جعلنا نحن نحن. استغرق مني المشي سنينا، حتى لقد امتننت جدا لأولئك الذين كانوا حولي وعلموني كيف امشي. وحين مشيت، خرجت الى الأراضي حول بيتنا، استكشف، اتفرج، واطلق عيني خارج  نطاق جدار الحوش او سقف المطبخ. كنت اول الاولاد الذين تلدهم أمي في مستشفى. قلت لسيدة يوم أمس: نحن ثلاث بنات وسبعة أبناء!. تلمظ وجهها. قمت عنها، كما تقوم جيفة عن جيفة. الأرض البيضاء في وسط التلة حينما تخرج من باب بيتنا الخلفي وساعة ما يقابلك جبل الغروب بعد عصر مطير، كانت جنتي تلك النسمة الأولى. امشي بين الأشواك بحذر، النحل يأز ثم يسكن في كؤوس ورود الشوك. فتحية للأرض كما التحية للسماء.


* منذ ان خرج الفجر، وأنا في باحة الحوش افتش عن جدتي. الغنم عند الباب، وجدتي ليست عندها تطرح لها، والظل واقف بالقرب لا يوحي بشيء، وليست عند احواض البركة تسقيها. خرجتُ خلف البيت؛ علها ذهبت تصرم بعض حشيش مطر هذه الايام. لكني عدت خائفا. غبت عن جدتي. اعماني بحثي عن شغل ما، والأمراض التي تأتي بها البطالة عن البقاء في قبتها الخضراء الباسمة. بعدت عنها، لأني ولدت أحمقا وسأموت أحمقا. 


*بماذا، بأي قوة ما، يمكن لنا، او لنا ان نتجرأ، على ان نلقي نظرة تنبأ عن حياتنا؟. كل يوم كان يمرق في صمت ولوعة غريبة. كنت حينها لا اعرف اني أنا. او ما الذي حصل لأكون أنا أنا، وهنا هنا في هذه البالكونة الخضراء القيظة، وانه هكذا الأمر واسمي هذا. ولي أب وأم، ولا نضحك حينما نكون معا. لكن يمكن ان اتعارك مع اخوتي في وقت الظهيرة، فأخمش وجه أخي، ثم انام لاسبوع على بطني لا اقو حتى على البوح بالانين. ولما كبرت قليلا، شعرت اني ولد، ولي عضو، وتختلف أحلامي قليلا. واقضي وقتي قبل النوم، في خيالي المحبب الاثير، ان اصبح شفافا، او صغيرا بحجم ذرة، فأتسلل الى بيت جارنا، وادخل غرفة البنات السمراوات، اتفرج على اجسامهم ووجوهم من قرب. وحين الفجر اعود الى فراشي كما كنت لاصطحب شنطتي الى المدرسة بين البلاد والزروع. بقيت انا وخيالي هذا حتى خوفوني من الله والنار، فباتت أحلامي أكثر قذارة ووعورة. بأي قوة غيبية، بأي تلمّح رهيب، يمكن ان نلقي نظرة علينا بعد ان يمضي بعض الوقت؟. ليست لدي أحلام اليوم، لاتندر بها غدا. ليست لدي أفكار عظمى اسعى لاختبار حقيقتها. لدي خصوصيات.. وهذا الولغ الممكن من الحديث، ابث حوله بعض الاغراء البئيس. "لقد كنا هنا، وكنا هكذا، وكانت لنا أيام ما". هذا اقصى ما يمكن ان اقوله حينها.


* تأتي في كل أربعة اشهر تقريبا ليلة ما، اتشبث فيها بفراشي وادس رأسي تحت الوسادة. احاول احضن نفسي، اغتبط بي. الأمان يملء كل ذرة من روحي وجسدي. تحل سكينة عجيبة في مفاصل عظامي ونفسي. لا ابتغي من الدنيا كل ما في الدنيا. لا امام ولا خلف، لا خوف ولا ضعف، ذرات من الحنين مرشوشة على قلبي، اشياء مزهرة كالخلود تحيط بقلبي، لا لوعة لا ألم لا هم ولا غم، سكون، واجترار حالم لذكرى في حضرتها الأولى.. ذكرى لأول مرة، ما اجمل هذه الهدية. ليلة الأمان هذه، تلقي في وجهي سؤال قديم عن السَكن، أي أمان يمكن ان يأتي مع نفس اخرى غريبة؟ وهل يشبه سكنها سكن هذه الليلة ام هو لوعة وهم ضائق؟!. المهم، ان هذه الليلة باتت تزيد من زيارتها، واخذت اتعرف بعضا من سرها.


*كنت اصنع الخواتم من أسلاك التلفون الملونة، وابيعها في المدرسة. شعرت حينها ان العقد التي احكمها مميزة ومثيرة. الان اشعر بتلك اللذة كأخر ما اتذكر من الشغف والفرح. 19 سنة قضيتها تلميذا لا تماثل لذة عقدة واحدة من عقد تلك الخواتم. سأتنازل عن بعض تعصباتي، ولكن سأبقى احكي لنفسي اني عشت حينما كانت الأرض ميتة. بالطبع، هي لم تكن ميتة، الموت يغلفني أنا، فأرى كل ما حولي ميتا، لكني للأسف البليغ لنفسي، لا يمكن ان اتنازل عن تعصبي هذا. أما الشوق والحنين والتأمل والبكاء فهي عباداتي الأربع وركعاتي كلما استيقظت من راحتي. لطالما شككت في قدرتي ان اصنع شيئا. ان اقدر على الاقتراب من البشر. قائمة الاصدقاء الافتراضية والحقيقية لم تصمد لأطول فترة ممكنة في كل فترات عمري. هناك فلكلورية طاغية بشأن الصداقة على كل حال تضخمها وتحط منها. هكذا لا اجمل من المراقبة، البشاشة عن بعد، بعث تحية من مجهول. لا احتمل أي مودة، والحب كله لله. وادرك كل مرة ان الوهم يغطي الافكار والاشياء بلباس جديد مغري، فبت انظر اليه بعين راضية، تلقي عليه السلام ثم تمضي. اكتشفت امره أخيرا. لطالما شككت في قدرتي ان افعل شيئا. حتى شككت في وجودي، أشبح انا؟ أنا ظلي؟، فقد فقدت قدرة تمييز الخارج من الداخل، وباتت كل متحصلاتي ظلية، بلا ذرة اقصد ولا قرش. اشياء هائمة في العقل والروح والتحليق والنسائم والتسابيح.


*الرحلة هذه ليست غريبة جدا. يمكن ان نستيقظ كل صباح، ونحن نعرف اننا استيقظنا، واننا كنا نغط في النوم. نتمطى، تنتثر افكار الركض من جديد فوق رؤوسنا. نكتشف اننا نحن الان، اااه.. اها، بالفعل ها هو انا من جديد!. ليست غريبة. هي كحلم اسرع من البرق. لكني لم اقبض من بلهي طول حياتي على اجمل من بلهي. لا فرح ولا حزن. الوقوف امام نفسي، لأدركها، ولكن.. لا شيء، او شيء كالزئبق. الله ارحم بي من محاولتي القبض علي. الله اعلم بي مني. وانا له به. نعم.. أنا مؤمن.


*لا يبقى لنا من الناس ألمهم الدائم او بؤسهم الأصيل، ولكن تبقى لهم النجاة الأبدية، اذا ما صبروا على الألم والبؤس، واختاروا رضى السماء، ولكننا كبشر اسوياء نتحصل الراحة والغبطة بنجاتهم الكبيرة. ما اشقى الألم، وما ألذه. ما ارخص الترف وما اغباه. رأيت الترف بأم عيني. كان بشرا. تعنيه زينته، كما تعني المرأة زينتها. اه اما اشقى البعد عن الفهم. اه أين سيذهب هؤلاء، وماذا سيقولون لأنفسهم غدا؟!. أما أنا فسأقول، اني وقفت امام نفسي متعجبا حائرا كالأبله، اتمنى اني حمامة او حجرا، ولكني وقفت هكذا، وسأقف هكذا. يقول عيسى عليه السلام " كونوا بُلها كالحمام".



* جافيت كل هذا. واستعرت صورا من قصص ابطال الروايات التي اقرأها. احب المغامرة الشاذة، التي تبدأ بغرابة وتنتهي بنهاية ذاهلة غير متوقعةـ في حياتي احب هذا النوع، ولكن حين اقرأ افضل البدايات والنهايات الكلاسيكية والمتوقعة. انطلقت الساعة التاسعة ليلاً. توقف التاكسي عند العنوان الذي اعطيته. الشارع مظلم. بقيت جافلا اسمع نباح كلاب حراسة بالقرب. بقيت اناور المغامرة حتى ولجت بابها. شربت كأسي مُراً. بقيت انتظر في الجراج ساعة. حملت حقيبتي.. وصلت سيارات أمن الدولة. فضلت الصمت. ككل مرة يقع لي مثل هذا الشؤم. تشرنقت في خيالي، فلم تسعفني هذه الحيلة. قضيت ليلتي تلك سعيدا. قلت لنفسي: صعلوك غبي متهالك، يعيد تمثيل مشاهد من روايات، أي ضياع يسكنك؟!. تنشقت المخدر وانا سعيد. في الصباح عدت من حيث اتيت.. لا ادري أين كنت، أو ماذا فعلت، أو من أنا؟. ثم سامحت شكري في صدري قليلا.. الله يسامحك يا شكري!.


*يمكن ان اعيد كتابة هذه الافكار وغيرها، في صيغ اخرى، تشبه ما سبق، ربما اكذب فيها قليلا، ربما اتحزم في وسطها وارقص رقصة حمراء لا تذر!. انثر فوقها بعض البهارات الفنية بشأن روعة الامر، أياً كان. معاناة، جمال، فهم، هذيان....الى اخره، وجمال خطتي في الابداع. لكن الامر لم يعد يجدي شيئا معي، لم يعد يعني الكثير. وهذا ما اخذت اغبط نفسي عليه. لم يعد الهراء يعني لي شيئا، اذا؛ لماذا اكتب كل هذا الذي أعلاه، اني فقط ابحث عن بعض الاهتمام. ان يقول احدهم: هاهو قد قال شيئا اليوم. هذا يرضي فيّ الحاجة الى الاحساس بأني يمكن ان احقق شيئا. كل هذا وكل ذلك الذي كان، كان فيه الكثير من محاولة ان اقول لي، اني اقدر على ذلك، لأبدد الشك الذي لطالما صاحبني، ولطالما سيصحبني. لأني هكذا اقف امام نفسي، وادرك مقدار نقصي. اتألم له، ويركبني الوجد لمعرفته. 

* ما نسبة مصادفة ان يكون مذاق شراب علاج الألم نفس مذاق شراب الانبساط؟!. نسبة مقدرة جدا صادقة جدا ساخرة جدا، تضحك في وجهي وتغمز لي وتقول : هه.. أرايت؟!.

abuiyad