لغة الدهشة عند الحميد*








    جار الله الحميد





اللغة:
لغة جار الله تقوم على استعمال ذكي من اللغة الانشائية وكأنها لغة طفل، ساذجة، بريئة، صادقة، تحكي في حالة من الملاحظة والتقطع. لغة الزمن والقطع والاختصار: "ثم"، "بعد قليل"، "منذ خمس سنوات". انها لغة الدهشة، لغة شاعرة. في مجموعة رائحة المدن؛ نقرأ لغة الحميد المعروفة، ولكن بهيئة أكثر وضوحا من المجموعات السابقة عنها، وكذلك تلاحما اكثر بناء للقصة والحركة.


البطولة:
هل هناك بطل؟
- نعم، انها الحركة والتنقل بين اللغة التصويرية ولغة الحوار، وكلتيهما تشتركان في ايجاد لغة الحميد الداهشة. يمكن ان يكون للبطل ظهور كلاسيكي بإسم وحضور كـ" مطر عبدالرحمن"، ولكن الحالة/الحركة السردية هي بطلة قصة الحميد، تخرج من عجينة وعي القصة الحديثة. البناء يمكن الا يحدث وعيا جليا أحيانا. لكنه بتركيبة من ما يشبه هامشية الحدث في الصورة، ومن وضوح وقصر الوصف وبلغته المعهودة،  يمكن ان نحصل على تذوق اقتناص المشهد المبهم.


وعي القصة:
لا يفترض وجود تدفق وحركة إلى التعقيد، ناحية حبكة ما ملموسة. انها مشهد مختلط، وهدفه ان يخلق انطباع عند لوحة ذات لون واحد. لكنه كله يصب في ايجاد لوحة مقابلة من توعي حياة الكاتب وصراعه مع الحياة، ومع ابداع القصة، وكأنها قصة تعني القاص وحده أكثر من القارئ، وهذه حقيقة. على كل حال، هناك سبرة ذاتية او غير ذاتية يسجلها كل كاتب صادق في نتاجه**. وفي اعمال الحميد الكاملة، انما نقرأ قصة ترسم لوحة حياة القاص. هناك لعبة البناء أيضا، عقل القارئ اعتاد ويريد عناصر واضحة لبداية ونهاية وشخوص وأصوات وأحداث. هنا لا.. لغة داهشة، في كل لحظة من كل قصة، ليس فقط في اول القصة او اخرها. وانسان هذا العصر يتجه إلى خلق ابداعه في صورة ما من التعاطي والتناول بما يشبه التخاطر. حيث الكلاسيكية الساحرة بدعة. وعي القصة التي يحفرها الحميد امكنه من ان يقلل من انتاجه الكمي، ويكثفه دون أن يفقد قيمته.


الفكرة:
لا تقوم على اساس المصير، ذلك الذي تتوسله وترعاه القصة بتنوعها. فعل الحكاية وحده، ذلك التجريد للتفصيل المتحرك والثابت هو اساس الفكرة عند الحميد. موضوعياً؛ يمكن ان نشتم روائح مختلفة للأفكار، لكن التعب والبحث، بمعناً من الكساد ثم التجدد يشكل أهم افكار الحميد. وإذا وضعنا هذه الفكرة امام أعيننا، سنعي كثيرا من قصص الحميد، والتي تظهر وكأنها قصص مبتورة، او مسودات. العجيب أيضا، ان وجوه فكرته اقتربت من تكون ذات همّ واحد على امتداد أعماله من أواخر السبعينات وحتى أواخر التسعينات، السفر، حقيبة السفر/ الفنادق، المرض، الأدوية/ المستشفيات... إلخ. هذه الأمكنة. انها أمكنة الانسان، أيّ انسان عالق، على وجه من التعب والبحث. الفكرة أن القول= فعل "الحكاية" كرغبة انسانية متلبسة دائما ما يبعث السلوى.


شيء :
لم احب يوما ان يكون حديثي عن الحميد بهذه الكيفية الفنية الميتة التي اعتدنا عليها وكأننا بغال نرضع من بغال قبلنا. لقد وددت غير هذا. لكني قرأت مرة؛ ان العظماء لا يمكن ان يعيشوا الا فقراء. حتى فقراء من التفات الناس اليهم.

ـــــــ
* احمدُ إلى الحميد، ان انتاجه حدثنا ببساطة عن حياة طويلة وعصيبة، ونفس هائمة وناقمة بشدة، في عدد قليل من الصفحات. نضج القارئ كثيرا، وبات من الاحسان الاشارة والترنيمة بدلا من الحفلة والهراء المطوّل. يذكرني انتاجه القليل بانتاج محمد شكري، فأنا اعتبر ان انتاج شكري الابداعي 270 صفحة فقط، نجدها في الجزء الثالث من أعماله الكاملة. والبقية هي سير ذاتية بوضوح وؤوى نقدية. احب  ان اقرأ قصص قصيرة بهذه اللغة المسالمة والمعجونة بالأرض والماء واللحظة البيضاء في هدوء، وما يشبه العفوية. 

** علي عزت بيغوفتش.


abuiyad