شجرة وبكاء






حولت الثقافة العربية البكاء إلى حالة نهائية يختتم بها الانسان حالات ولحظات اليأس والحزن والضعف والخوف. وبات البكاء صيغة من الصوت المرتبك الفوضوي الشائك. هذا الايحاء جلل البكاء بعباءة من الحياء والخجل المتطرفين. واستمر الواقع موافقا على هذه النكتة. التيار الديني اخذ البكاء إلى ساحته في زاوية ضيقة، وهي البكاء من خشية الله ومن أليم عقابه والنار، وذلك في قنوت الصلاة، كما نعايش في صلاة التراويح. ان حتى معنى البكاء من حب الله وعرفانه لا نجده عند هؤلاء، وكثيرا ما يكون بكاءً اقرب إلى التمثيل.   انا لا اقصد هذا الشكل من البكاء، انما تلك اللحظة التي تنهمر فيها مياه العينين في صمت. إن حالة البكاء حالة رهيبة ورهيفة من نصاعة الاحساس بالمعنى وتذوقه. انه حالة من الذوق العالي تقترب لأن تكون لغة الروح. فهذه الروح التي تحجبها غيوم من طبيعة نفوسنا العجِلة المكابدة والمجادلة، يعني من تعب الحياة، لا يزيح هذه الغيوم كالبكاء والضحك. بالطبع اقصد بكاءً صادقا وضحكا صادقا. التأمل تلك الصنعة التي تغذي الروح وتزهر فيها قناديلها، يحمل البكاء كرائحة ومذاق آني وحلو للروح والنفس. القمر الذي يرسم لوحة إلهية بديعة في السماء، والنسيم الذي يداعب وجوهنا، والشجر الصديق، كل هذا وغيره من عالم تأملات وأفكار الانسان اللامتناهية انما تبعث حالة الحب بالخلاّق الجميل العظيم، واننا نتذوق هذا الحب بالدمع الحلو. وطبعا من الصعب ان يستوعب الكثير، ان كلمات مثل دمع وبكاء يمكن ان نرصها بجانب كلمات مثل حب وذوق وشجرة. ما عدا حالة ذلك الذي بكى فرحا. وهو مع ذلك يخجل من بكاءه. ان تذوق الفنون؛ كاللوحة التي يحمّلها الفنان معنا لا تقدر الا عينا المتذوق وحده على محاولة تشعره وتلبسه. والموسيقى*، حديث أرواحنا المسموع إلينا. الأفلام السينمائية الصادقة، القصة الجميلة. كل هذه الفنون وغيرها، اضافة إلى اللحظات الصادقة، والذكريات الجميلة، إن ذورة تذوقنا لها أن تنهمر أعيننا بالماء كحالة مستعيدة لطبيعة الانسان الفطرية. لن يعود الانسان إلى فطرته إلا حين يبكي كما يضحك. أن نبكي في وجوه بعضنا كما نضحك في وجوه بعضنا. فهذا البكاء ذورة العاطفة الصادقة، علمتناه ثقافتنا خطأً، وعلينا ان نتجرأ في تصحيحه. بقدر ما تهمر عينيك من المياه بقدر ما تروي انسانك. وإن الذي لا يبكي مرة كل يوم أو كل ليلة إنما يجف انسانه مع التقادم، وحينها يمكن أن يتحول لكائن آخر غير الانسان، ربما إلى عقل مجنون، إلى بيت قديم مهجور، ولكن لا يتحول إلى روح هائمة مؤمنة.


*بشأن الموسيقى يقول الامام أبو حامد الغزالي: 
من لم يحركه الربيع وأزهاره، والعود وأوتاره، فهو فاسد المزاج، ليس له علاج.


abuiyad