ماذا يقصد ماجد الجارد حين قال أن الكورال يحتفي بالثقافة الذكورية ؟*












اشهد لنفسي على نفسي اني لست وقحا -ربما مريض وأبله هذا قد أقر به، انما هذا ما يتطلبه الأمر، وفرصة مناسبة لي لمثل هذا الحديث . لحّن أخي مقطعا من قصيدة موقف الرمال للثبيتي، وعملت لها فيديو. علّق ماجد الجارد على الأغنية بأنها حوت صوتا ذكوريا فقط، وانها بهذا المنحى انما تحتفي بالثقافة الذكورية. هذه ليست مشكلة ماجد لوحده، بل مشكلة طبقة كبيرة ومتنوعة من هؤلاء، التي انتجت لنا المثقف الرسمي وشبه الرسمي، فمهما اعترمت فيها رغبات الابداع والتعلم، لكنها تبقى قابعة في كف المجتمع الذي يصنعها ويوجهها. إن تولّد ثقافة الذكورية التعصبية في مجتمعاتنا سببها الرئيس كان سياسياً، مستعينا بما  تم تلفيقه من الدين ضد المرأة على مدى قرون. افرز لنا هذا في زمن القرية الصغيرة خطاب تصحيحي حقوقي ضروري، ولكنه افرز معه أيضا نوعا من الخطاب الجاهز على شكل  كبسولات من التهم المُعدة للقذف، التي نلقي بها ذات اليمين والشمال، دون ان نتوقف لنفكر لأنفسنا، لا ليُفكر لنا. ان هؤلاء الموهومين بالهم الثقافي والابداع يتحولوا تحت سقف مطحنة التصنفيات إلى مجرد مراقبين ذوو حساسية عالية لكنها في حقيقتها زائفة. يصيب هذا بوصلتهم الروحية والوجدانية بعطب خفي، فيستشري مع الوقت ليتحول إلى اصنام من التعصاب. لقد بات من الصعب النظر الى الانسان باعتباره انسانا، ولكن على اساس جنسه أولا، ودينه... إلى اخره. لا اعني هنا اني لا اتفهم او اناصر حقوق المرأة -فهذا ليس حديثنا طبعا هاهاها-، ولكن باعتبارها انسانا أولا، كما اتفهم حقوق الرجل باعتباره انسانا- ولذلك قالوا حقوق الانسان-، يعني عليك ان تتجاوز مسألة العضو هذا والتركيبة الجسمية، وأنا اميل إلى رأي نوال السعداوي باعتبار الرجولة والأنوثة هي مكوّن شعوري في معظمها. ناقشت مرة على الأقل مع أخي عبدالرحمن ان نقدم احد مقاطع الأغنية مرة بصوت نسائي ومرة بصوت طفل، فقط من أجل بث ايحاء بأنها أغنية للانسان، للجميع، يمكن ان يغنيها كل واحد. لم تسمح الظروف بهذا، وأنا لا احكي هذا هنا حتى ابرر لأحد او ادفع عن شيء، وانما يمكن ان اقدم سخرية ما؛ فإذا ما قدمنا صوتا أنثويا، فهذا يعني للأستاذ ماجد اني انما تحليت بمجدية اللباقة الثقافية حتى اعطي الرجل حقه والمرأة حقها، وبذلك أكون فنانا مواطنا سعوديا عادلا على الطريق القويم الذي يسلكه. فإذا ما قدمنا صوت الطفل، فستواجهنا مشكلة، لأن كثيرا ما يختلط على الناس الصوت، هل هو طفل أو طفلة، -ذكرا أم أثنى للتوضيح- هذه جملة اعتراضية في حالة شق الأمر على البعض بشأن طبيعة الفوارق بين الطفل والطفلة!.

 قد تعمل مقتنياتك ومستخلاصتك العقلية ضدك، قد تنسج لك مصيدتك وشبكتك التي قد تعلق فيها طويلا. خاصة اذا كنت مجرد جهاز استشعار لما يردده "صنّاع الثقافة الحكائية/الكلامية" من هراءات وتشدقات. ان مصير هذه الحالة من التعقيد والتصنيف في فهم لحظات ومواقف ومجردات الحياة أو خارجات الانتاج الابداعي انما هو ولادة لغة التجني والعسف الآلية/"الريبورتية"، سواء من الضم او الاقصاء. الحقيق في هذه اللغة  انها برمجة ذهنية متسلطة خانقة للانسان. انطلت على ماجد خدعة الثقافة الذكورية والانثوية بمثل هذه اللغة الزانة والمتكررة، حتى اجتذبته إليها وبات احد أداوتها. ان هذه الحدود الفاصلة خلقها الانسان ذاته، ويمكن ان يتجاوزها الانسان ذاته. نظرة الانسان التي تخرج من مشكاة تأمله للكون الهائل العظيم والعالم المتنوع الغريب تجعله أعمى عن هذه الحدود، حتى بين الانسان والحيوان، بين الانسان وبين الوردة، أو النسمة، او حتى صخرة. انا لا اقدم هنا لغة شاعرية متفلسفة، لكنها هذه لغة حياتي. اننا بهذه التجريدية القبيحة في التعاطي يمكن ان نصنف خطاب القرآن "المُذكَر" إلى الناس عامة، أو حين يخاطب النساء والرجال بصيغة المُذكر بأنه تأسيس لثقافة الذكورية، هذا ما ستؤول اليه قراءة بهذه الكيفية المعبأة.

 ان هذه الحالة القبيحة في التعاطي مع أي منتج ابداعي يعكس سذاجة نقدية، لأننا على هذا المنوال يمكن ببساطة ان نصنف مثلاً أغنية اسمر حليوة لطلال مداح بأنها اعطت الرجال والنساء حقوقهم، ولم تكن ذكورية، فالكورال كان متنوعا، بينما أغنية في الطريق كان طلال يحتفي بالثقافة الذكورية فيها، أما حين جعل الكورال مرة نسائي في أغنية صابني في الهوى، وسجل الأغنية مرة أخرى بكورال رجالي انما كان يوازي بين الثقافة الذكورية والأنثوية. أما حين أخذ يغني معه عمر كدرس مرة ككورال ومرة سراج عمر ككورال في جلسات عالية الطرب، فطلال هنا انما كان ذكوريا بالمرة، ولاشك ان سراج وكدرس كانا على نهج من الثقافة الذكورية. مثال آخر: حينما تغني سيدة أغنية، كلماتها على لسان رجل أو العكس، البعض لا يستحسن هذا فنيا، بمعنى وداعي الصدقية، وأنا قد اوافق على هذا، ولكنه ليس بمعنى من تأثير الثقافة الذكورية أو الأنثوية. طبعا هذا مجرد تعقيب سريع، لأن كورالات سيدنا أبوبكر سالم ماتعة وساحرة وهي تمزج بين أصوات النسوة والرجال بطريقة عالمية. وأعتقد بما يشبه الجزم اذا سمح لي الأستاذ أبوبكر، انه لم يقصد ان يساوي بين الثقافة الذكورية والثقافة الأنثوية، انما ليخلق ذلك الانسجام والدهشة في تبدل الأصوات وكسر الاعتياد. وأذن الروح وحدها التي تتذوق أغاني أبوبكر سالم وكورالاته يعجبها هذا الخلق البديع، والأذن الصماء وحدها تصيبها غشاوة من هذا الهراء، حيث يكون مرة ذكوريا ومرة لاذكوريا، فلا يصح حينها ان نسمع الأغنية بأذن انسان، بل بأذن بغلة مدجنة بجيش من المصطلحات التجريدية والاجرائية الهرائية. ان صوت جواد العلي هو في معظمه صوت نسائي، فماذا نعمل في هذه المصيبة الواقعة؟. كيف نصنف صوته أولاً؛ هل هو ذكوري متحيز للأنوثة، أم ماذا، وهل يتبع ذلك ان نجعل تحيزه الثقافي ذكوريا أو أنثويا؟. وان في لهجة سميرة توفيق لهجة بدوية رجولية، وفي صوت نجوى كرم ايحاءً جبليا رجوليا، فكيف سنولي وجوهنا او نقلبها في بالله تصبوا هالقهوة وزيدوها هيل؟. انه إذا ما قام نقد أي انتاج فني على مثال من هذه الفوضى والسطحية والخلط والتشابك، سينتهي الى أن يكون نقدا فاقدا لرحابة الفكرة والثقافة الأصيلة وأن يكون صادقا مهتما، فهو أولاً انما يكشف لنا عن مقدار الإصابة، والتي اظنها هنا انها بليغة، ليست لماجد وحده، بل لقطيع هائل جدا، وماجد انما هو مثال فقط، وثانيا لن يدفع ناحية تحسين أي انتاج فني ابداعي. وربما سنصل إلى حالة ("الهلال والنصر أو النصر والهلال"). تذكرت مرة قبل أكثر من سنة اثارت صديقة على تويتر تعاطفها من حركة الفيمينزم وحقوق المرأة بصيغة متعصبة مشابهة لما ورد هنا، فهذه مجموع تغريداتي معها:


حديثك هذا خير دليل على ما عنيتُه بالحساسية وقد تتطور لتكون مفرطة. هذه الحساسية التي مصدرها الخطاب المركز لمساواة المرأة وإعطاءها حقوقها يصل في درجات غبية وساذجة منه إلى النداء بإستقلال المرأة عن الرجل وفي شعارات سمجة مثل تحرير المرأة فاقدا للنظر في الضرورة الإنسانية والطبيعية لتكامل المرأة بالرجل.. هذه الحساسية خلقت في الكثير من النساء المثقفات بالذات وفي بلدانا العربية بالذات ما يشبه بوصلة تجاه كل ما يعتقد أنه يمس المرأة من قريب أو بعيد.. جاهلية تقضي على التعاطي مع الإنسان كونه إنسان لا إنسان بهذا أو ذاك الجنس. وهذا يعيق كثيرا مسيرة العقل العربي تجاه نهضته وحضارته وهذا ما يمكن أن نسميه ثقافة ضد الثقافة أو عامية المثقف. كإنسان قبل أن أكون رجلا كم أجد كثيرا من العوائق في حياتي المعيشية وأعرف أن المشكلة تكمن في القانون والدستور لا مع المنفذ البسيط، بل مع القيّم عليه.. ولذا مشكلتي لن تكون مع رجل أو امرأة إنما مع خلق وتعديل القانون ليعطيني حقي كإنسان. كم انتقدت الإنسان وسخرت منه هنا، وكثيرا ما يكون رجلا في السياق وكانت حساسية المتابع ضد جنس الرجل معدومة بينما انتقادي للمرأة كإنسان وحالة ذوقية شخصية تتحول من خلال البوصلة المفرطة الحساسية إلى عنصرية وتعصب وتضييق على المرأة.. يجب أن تخفف هذه البوصلة من انفجارها وإلا تزايد هذا الإنفصام ناحية ما انزلق فيه الغرب من انحراف وقبول كل ما طالب به الإنسان المختل كان رجلا أو امرأة وإن جاء في سياق حقوقي مدني يقضي على طبيعة الإنسان ويشوه معالم فطرته.هذا النقاش يدخل بناء إلى نقاش تصحيح مهم عن صفاء الأدوات الذهنية والنفسية لدى المثقف والإنسان بالعموم وحاجته إلى الفهم البانورامي الشامل والمنضبط بأحقية الإنسان في التعبير والحرية على غرار ونهج من إنسانيته.



* ليست لدي مشكلة شخصية مع ماجد الجارد، ولكن مع مثل هذه الحالة الثقافية الناقدة والمعوقة. كنت قد كتبت عن روايته الجميلة "نزل الظلام" هنا.

abuiyad