في الادب والحياة






الادب كعمل انتاجي انما يستلهم كل مادته من الحياة، ولذا فهو صيغة مقابلة للحياة، وتواجهني هنا اسئلة جدلية، فمن يقود الاخر؟ ومن يوجه الدفة، الادب ام الحياة؟ ام ان هناك علاقات انتفاعية متبادلة، وفي اي الاوقات يسيطر احدهما على الاخر؟. وتقابلني اسئلة من نوع اخر احاول ان اصرفها عن هذا التداخل، واعزلها عن هذه الرغبة من البحث، وهي اسئلة قديمة متجددة  على منوال: هل الادب موجه الحياة ام انطباع عنها؟ ، او هو خليط ذكي من هذا وذاك؟. هذه الاسئلة وغيرها تستوقفني مرات كثيرة في حياتي،  لتفتش عن اجوبة موعِية قوية وجذلة وبسيطة، يمكن ان اعيها في هدوء وسكون ذهني،  فلا تنم عن عمق الاسئلة وتفرعها في عقلي وضجيجها. ومرة وردني سؤال من الخارج، حين سألني اخي عن اثر الرواية التي بين يدي، فلا احد  في بلدتنا النائية يدري بهذه الرواية او يصله تأثيرها سوايّ؟. وكأنه ساق سؤالا صريحا عن جدوى الكتاب.  كان من العسير علي ان شرح تأثير الكتاب في حياة الناس، ولكني حاولت ان ضرب له مثالا، فقلت له: تخيل: ان هذه الرواية التي تخلص الى ضرورة العدل والحياة الصادقة، قرأها كل واحد من هؤلاء الناس، برأيك كيف سيكون اثر ذلك على حياتهم وفي انفسهم؟. ثم ادرت حديثا قصيرا عن الحضارة والثقافة، وقلت: اعتقد ان الحضارة مولود الثقافة، فمتى استكملت ثقافة قوم شروطها للبقاء وللتمدد الا ونشأت معها او فوقها حضارتهم، فالثقافة ذات بناء صعب شديد، لكنه اذا ما تم، كان من السهل ان تتسارع الحضارة وان تتجدد وتصحح اخطاءها. ومن اهم مقومات الثقافة هو الوعي المشترك، واحد اهم قنوات انتشار الوعي المشترك منذ قرون طويلة، هو الخطاب والحديث والتعليم / الشعر العربي قديما/ الوسائل المختلفة اليوم/الاعلام، المهم سنصل اخيرا الى الكتاب، باعتبار كثافته وتخصصه ومحفوظيته وقداسته لاهوتيا. هكذا كلام من رأسي لا اعرف له اصل. لكن- قلت له- الان، اختلفت يا صديقي قنوات الوعي المشترك. اما الفرق فإن الوعي قديما كان يأتي مؤصلا كثيفا قويا، ليبقى ويستمر. الان اصبح الوعي يأتي سطحيا مشوشا فارغا. فانظر الى هذه المشكلة اولا. اما حدوث الانتشار، فهو لا يمثل عمقية الوعي بالمرة، بل سرعته، كسرعة وصول الاخبار. والسرعة مضرة ثقافيا.

ويقوم عندي سؤال اخر، عن اصل اثر الادب في الحياة؟. ووجدت امثل جواب اضطررت اليه، بعد محاورة ممتدة في  نفسي، تتوقف فترة وتعود فترة، هو السلام، السلام الداخلي للنفس، وكان هذا الجواب الاوحد الذي قنعت به الى الان. فتأثير الادب على الناس هو وسيلتهم الى سلام داخلي في ومع انفسهم. ولذا فحين يكتب الأدباء والشعراء ويبدع المبدع ذلك الهم الوجودي، انما هم في احد طريقين في حياتهم، اما البحث عن ذواتهم، واعني البحث عن السلام مع ذواتهم، فمعرفة الذات، قضية فلسفية خادعة، اذ لا يمكن معرفة الذات او كشفها فعليا، انما تبين طريقها الافضل/الانسب لها، لا اكثر، فالانسان اينما وضعته او حاولت تشكيله في بيئة ما تشكل عليها وتموضع على حالها- وهذا حديث اخر-، او تحقيق ذواتهم. الطريق الاول هو الطريق الشائك العكر والملوث، حيث تعرض له دسائس النفس، وعراقيل العقل، وهي اغلب تلك الروح التي تسيطر على عصرنا هذا، فنسميها روح العصر. طغت هذه الروح ايضا، على كثير من ادباء وشعراء وفناني القرن العشرين بالذات، وقبله ايضا، كما نجد عند جان جاك روسو مثلا، الذي عانى في بحثه، وهي طريق صعب جدا، يمكن ان تظهر تأثيراتها في تأكيد روح الالحاد عند اغلب الادباء الفلاسفة كسارتر، الذي رغما عن الحاده طلب عند احتضاره القس ليعمده، وزوجته، وصديقه كامو وغيرهم، وظهور العبثية في الرواية، والرمز المغلق والفوضوية الفنية في الشعر الحر الحديث، وكذلك فقدان الحدود عند المدرسة الفنية السُريالية. هذه هي الاثار، الاعراض بمعنى اخر، -وهذا اخرج لنا مشكلة اخلاقية خطيرة، فالعمل الادبي احيانا يمثل تحفة انسانية بينما هو يخرج عن نفس منعدمة الاخلاق والحدود!-. اما الطريق فيبقى مفتوحا للجميع، الكل يفتش عن ذاته في قصص واسباب يعتقد انها تعني ذاته وسلامها، فنقرأ موضوعات الادب تتنوع بين، خلاص المجتمع من العبودية، او السمو بالنفس الى اصلها الالهي، او الخروج من فوضى الانسان وتعميق وضوح رؤيته، كل مبدع بما تعلم وما اتقن من تقنيات ابداعه، مقالة، قصة، رواية، شعر، موسيقى، الى اخره، وهذه هي معرفة النفس التي قال فيها سقراط "اعرف نفسك". اما طريق تحقيق الذات، فهذا يتجاوز كل مرحلة البحث عن السلام الداخلي، لأن صاحب هذه النفس لم يضطر اليها، او هو تجاوزها بعد ان اضطر اليها، -وفي تاريخنا الكثير من هذه القصص لادباء وعلماء وجدوا سلامهم في منتصف طريقهم او عند اخره-، فهذا النوع هو مسالم منذ البداية بطبيعته، قد علم نفسه ماذا تريد، فعلمها، وألزمها ما علم، وهكذا بات طريقه واضح في حياته، فاصبحت خطواته تعرف موقعها، لا يشغله غده بقدر ما يشغله تحقيق هدفه، حتى يشعر بذاته، وهذه هي معرفة النفس، التي ارادوا بها في قولهم "كن نفسك". واحسن مثال يمكن ان يخطر ببالي الان، هو المتنبي. أما لماذا الانفس متقلبة هكذا، بين نفس سالمت بعضها منذ البداية، واخرى ظلت شريدة، هائمة، مسكونة بفقد ذاتها؟، فهذا ما لا اعرفه. 

اذأ، ما دور الادب في حياتنا؟. المشكلة، تتمثل في تعمية الهدف. في الغالب نحن نقرأ الادب، لأننا مدفوعون بوعي التقرأة، من تفجر النص القرآني "اقرأ"، مرورا، بأثر القراءة في الرقي بالبشرية على مدار تاريخها، وحتى ثورة العلم والاختراع، نهاية بطبيعة التقليد البشرية، وغريزة الاندماج في بيئة توفر جوا محفزا للقارئ. لكن دور الادب هو محدود هنا في هذا التأثير، فاذا فحصنا او فتتنا كل ما يندرج تحت لفظة ادب في هذا العصر، فستزداد تلك المحدودية. سأضرب مثالا؛ الجيل القارئ الان يعيش في دوامة لا ترسو به الى بر، فهم يجدون كثيرا في قراءة الروايات، والاعمال الادبية، ويلتهمون كل شيء، وهذا مفيد ليحصل العقل على التهوية فلا يتعفن -وفقا لمصطفى محمود، ولكني اشعر ان الهوة تعظم في انفسهم تجاه انفسهم، وكأن ما يلتهموه لا يعني لهم شيئا حقيقيا. يؤثر في حياتهم تأثيرا حقيقيا. ولقد لاحظت في حياتي القصيرة مشكلة عويصة، تختلط على البعض بينهم وبين انفسهم، ثم تتلبسهم رغما عنهم، واسميتها التمثيل مرتين، او التمثيل في التمثيل، بمعنى ان يتحدث بين يديك لص عتيد عن خسة لصوص هذه الايام، وهو لص كبير جدا، لا احد يعرف هذا عنه الا هو في نفسه، فكلما قعد في مقعد او في مجلس، كان اكثر حديثه عن اللصوص، وهذا معلوم في التحليل النفسي، ومن امثلته ان المجرم يعود الى مكان جريمته، وكما قيل في المثل العامي : يقتل القتيل ويمشي في جنازته،  ليس هذا وفقط- وفقا لهذه الفرضية، بل انه يبكي ويصيح علنا، ويلعن من قتله، ويأم المصلين عليه، ويكون اخر من غادر من عند قبر قتيله، فهو يقتنع بتمثيله على الناس ثم يقتنع بتمثيل نفسه عليه. ولقد شاب رأسي، وقد وقعت في السنتين الاخيرتين، على امثال هؤلاء في واقع حياتي، وكدت القي بنفسي مرة من شاهق، من هول ما عرفت من امر الناس الخافي. وأنا لا ابريء نفسي من عللها، فإني حين اكون خسيسا اخبر الناس بخستي، واكتبها، واقول ما ابرأ به نفسي عند نفسي. كنت اقول، ان هذه الميزة او العيب، ان يمثل احدنا على نفسه، حتى تعتاد نفسه فتمثل عليه، فيختلط مع الوقت الامر بين حقيقة نفسه وواقع ما تحدثه به نفسه، وهذا مربط الامراض الاجتماعية التي تفتته. إن حب الادب والشعر والفن بأشكاله، انما يمثل خلاصة ما توده النفس لسلامها وسكونها ورضاها، وحينها يأسرنا الحرف ويسكرنا النغم ونعيش قصة ذات مغزى مع اللون. ان الغرق في الادب والشعر والفن والاهتمام بهذه الوجوه انما هو تعبير صريح  عن الخوض الجاد في طريق بحث النفس عن سلامها. وكل نفس وعقل وما اُعطي، فبعض العقول تشبع سريعا، كمعدة العصفور، ومنهم كبطن الحوت. ومن هنا، نتعرف على الشغف بالادب الرفيع، باعتباره اداة للارتفاع بالنفس والانسان في حياته، يكاشفه، ويوقفه امام نفسه عُريانا. وقد نتعرف على الشغف بأدبٍ يعي حضيض النفس ثم يرتفع بها، فهذا خير معين ايضا في حياتنا، لأن هناك "ادب" اخر يمكن ان يبقيها مجنونة مكهربة حائرة تقتات في حضيضها، لا ترتفع عنه، كالمخدر المسليّ. وهذا الشغف الرائع، في كنهه هو تبصر بالتأثيرات، ومن هنا تتولد لدينا ادوات النقد الادبي، والقراءات العميقة، لتبحث في القوالب الفنية والموضوعية، تقيم الفكرة والقصة، فتقبلها او ترفضها، او تصلح اعوجاجها. ولكن حين يكون للنقد الادبي سلطته الفعلية، بمعنى حين تنتشر/تنبسط الحضارة، كأثر للثقافة، يمكن حينها ان يكون للنقد الادبي معنا أثيرا، كأداة هندسية مهمة في تقويم رحلة سعي الانسان الدائمة نحو سلامه الداخلي، ككل ادوات تقيم حضارة الانسان.

اني اذا ما نظرت لراعي الغنم يعلو الربى ويقطع الاودية في الخلى وحده، يترنم بأغنية يمانية حلوة، وكأنما يسكن صدره نسيم لطيف قد اتصل بأسباب السعادة الخالدة، وكأن الدنيا لا تعني له مقدار هشةٍ يهش بها غنمه عن مرعى شحيح الخضرة، واذا ما نظرنا الى وجوه وانفس أولئك الراضون الزاهرون بصدقهم وسعادتهم. طبعا باعتبار السعادة معنا شعوري عقلي روحي غير مفهوم من الرضى- ولا اعني الفرح بالمرة هنا، فهو معنى طفولي سريع الانقضاء. فاني اسآئل نفسي: أي نوع من الادب عمّق في انفسهم هذا التبصر والفهم؟. انه ادب لم يستخلص ويستوفى من الخارج، فقصص الناس، احزانهم ومآسيهم وسعادتهم، هذا المسرح الخارجي العظيم، كله مادة حياتية تخلق صنوفا من  الادب الحياتي، واجب الانسان ان يتوعاه في حياته، فيعيد صياغته في شكل حكم وفلسفات وآيات تستقر في النفوس العاقلة الطيبة، لتصنع فيها صنعا عظيما من العظة والحكمة والفهم، وتُلبس عليهم ثياب الصفاء والسلام، لكن نفسي لم تقنع بهذا، فإن الانسان في غالبه قليل عبرة، يموت الناس من حوله، فكأن الموت حدث يخص الاخرين وحدهم، وهكذا الى اخره. انما جاء وقع الادب في نفوس هؤلاء من داخلها. فجُلّ ادبهم، هو ادب منبع، لا مصب، مصدره موعيات ايمانية، وحوار داخلي عميق يتصل بالنهائيات والنتائج دوما، وهو في غالبه بسيط، قليل وواضح. ان التأمل وسوق الفكر الى اصل طبيعته، يفجر ادبا زكيا طاهرا، يعني اشد واعظم ما يعني، صفاء انفسهم من شوائب التمثيل والنفاق والتشدق، وانه ليطول الحديث عن هؤلاء على الرغم من حلاوته. ان هؤلاء برأيي، لن يحتاجوا ابدا لقراءة اعمال دستوفيسكي او تولستوي التي تحض على احتواء الفقراء والفلاحين وكل تلك الطبقة الدنيا، او تفسير طبائع النفس الانسانية ومشكلاتها في قوالب قصصية شيقة، الى اخر تلك المعاني التي تناقشها هذه الاعمال. لأن هذه الانفس انما جاوزت مدا بعيدا من الوعي الايماني، وتمثلت امامها الحياة في حقائق قليلة واضحة كالشمس. ثم لافترض، اثر هذه القراءة، فإذا ما استقرت انفسهم على ما وصفت، فاعتقد ان قرائتهم مثل هذه الاعمال الانسانية انما قد تثري انفسهم، فتثير مخيلاتهم، وتدغدغ حبيبات ايمانهم القويم وتأنسه، لينظروا اخرى في النفس الانسانية من وجوه اخر. انما المجازفة، ان تفسد القراءة ما آمنوا به، وتأخذهم الى بحر لجيّ من السؤالات، فبعض الناس، كما اسبقت، قنوع، وبعض الناس لا يشبعه هذا القليل، وانت لا تعرف ماذا يكمن تحت اي حجرة رفعت. ان الرحلة الشاقة الى النفس، تتشتت وتتفوضى اذا ما تابعتها قراءة تؤكدها، كأدب العبثية، على رغم ما يمكن ان نحكيه عما يمكن ان يستفاد منه. ان السلام الداخلي، هو غاية ما يبحثه الادب في الحياة، فلا نضيع الطريق في جنونات التفرعات، فنخرج في النهاية، بلا نهاية. 

  



- القراءة والقراءة. القراءة التي تقرأ في كتاب الكون، مع قراءة المسطور.

















abuiyad