معترك الطيب صالح وعوالمه





      الطيب صالح



تتلخص مروية الطيب صالح، طيب الله ذكراه، في عناوين قليلة كبرى، ثم تنسل عنها عناوين اخرى صغيرة. فذلك المعترك الداخلي عند الطيب بين الشرق والغرب، يمثل اهم تلك العناوين الكبرى، والتي تمثل نفسا وروحا غلف اعماله، وينسل عن هذا المعترك معالجة الطيب لهذا الصراع بتوليد لغة شعورية تلتزم بعث ذلك الحنين الى موطنه، كأحد اهم مستخلصات اللغة الشعورية لدى الطيب.

في "موسم الهجرة الى الشمال"، نجد توليفة او تركيبة من الايقاع الفني يتحرك داخل عملية السرد، على وقع متفاوت من تكثيف اللغة وانسحارها، كالمد والجزر، وفقا لما يعالجه الكاتب من فكرة داخل اجزاء القصة.  حيث تتنوع اللغة بموازاة الفكرة، فهي تأخذ اشكالا عدة، بين ان تكون لغة كلاسيكية واعية ومتقنة، يتخمها الطيب اتخاما حلوا لا يثقلها، بالمفردة العربية الاصيلة والثرية، ونقرأ هذه اللغة عند تصوير مشاهد الريف وحركة الشخوص داخل تلك الحياة، اضافة الى بعث مناظر وصور تلك الأمكنة والاجواء والروائح. وهناك لغة ساهمة، تظهر بمظهر اللغة الشعرية الرومانسية، وهي اجمل واثقب لغات الطيب، يبدعها، وهو يبث من وحيها مشاعر هائلة تختزنها روحه، وتكاد تظن حينها، انه يمكن لهذه اللغة العربية العجيبة، ان تتحمل ما يعتمل داخل روح الانسان من مشاعر كبيرة جدا، في تكثيف معتاد وعالمي عند الطيب. واعظم هذه المشاعر هو "الحنين"، وللحنين هنا معنا عظيم جبار، ولكننا نتحسسه وكأنه الصيغة التي ارتضاها الطيب ليوافق ويصافح بين عالمي الشرق والغرب في روحه، انها هدنة الطيب صالح مع ذاته. لغة اخرى، اجادها الطيب، تتمثل في تلك اللغة المتحركة العجلة، ونلتقي بها عند تصوير وتوصيف حدث هام في العمل له حركة دقيقة متتابعة، وحينها يشعر القارئ بأنه لا يقرأ، بل انه يقبع فعليا داخل المشهد المبعوث المتحرك والمصور، ونجد هذه اللغة في هذا العمل اكثر من مرة، كمشهد ليلة مقتل حسنة بن محمود ارملة مصطفى سعيد، و ود الريس زوجها. اخيرا؛ هناك لغة الهذي والضياع، واعتقد ان الطيب لجأ اليها بعبقرية، كتشكيل فني ضروري وهام في بناء وعي القصة، وهذا ما ساهم في اختصار الكثير من البناء والسرد، فبمثل هذه اللغة التي تدفع وعي القصة كثيرا الى الاعلى او الامام يمكن احتواء هول وعظم المروية في صدر مبدعها حتى لا تكبر او تطول فتتشت داخل البناء. ان لغة الطيب تخرج من مشكاة مفردة لغة القرآن الحية، ولغة الشعر العربي القديم، وهاتين اللغتين، زخمة بالتكثيف والاحياء والتصوير، بمفردتها الثرية.

من تلك التقنيات الفنية التي اجادها العبقري الطيب رحمه الله، ليكثف عمله ويختصره، فيجعله ممكنا ومفهوما وموعيا، تلك العتمة المتعمدة في انتقال الصوت عبر المروية، وذلك من اجل احداث وعي غرائبي غير مفهوم ولا مُقتنص حين القراءة، ليشكل تركيبة بنائية فنية معينة، وربما مقصودة في العمل تؤدي لهدف واحد وهو خلق خلفية ثابتة تنم عن طبيعة شخصية مصطفى سعيد/البطل.


في"عرس الزين" اقترب الطيب فعلا من شخوص الريف السوداني، وحكى وجها ممكنا يعبر عن خصوصية وحميمية وعمق شخوص الريف بتنوعهم واختلافاتهم، وتأثيرات بيئة الموروث الثقافي فيهم، وما يعيش عليه وعيهم الثقافي، مترددا بين الدين والتقليد. قصة عرس الزين، هي قصة عالمية بكافة مقاييسها الفنية، ويمكن ان تعيش اكثر من مئة عام، اذا ما خرجت ووصلت. فالشخصية الرئيسية، هي تلك الشخصية التي تمثل عباقرة العالم من فلاسفة وفنانون وعلماء، تلك الشخصية التي يتهمها المجتمع بالجنون وهي عبقرية، هذه الثنائية الصفرية القاتلة، والمقلوبة ايضا. احيا الطيب مكامن الحياة المخبأة في هذا الريف، واقترب اكثر من طبيعة علاقات الناس ببعضها، ليصيغها في قصة علائقية تكشف كنه وطبيعة هذه العلاقات. لقد بعث الطيب أولئك الشخوص، وقال ما يمكن ان يقال عنهم، فلم نجد قصة مزيفة، ولا حتى تفصيلا ملقى به، ليس خيطا ضروريا في هذا الثوب الذي يخيطه، فلا اختلاق ولا زيف ولا تلفيق. انها المروية ذاتها، ترتدي ثوبا عالميا بتعقيد شخصية بطلها وبخصوصية القصة. وفي هذا العمل، نقرأ الحوار بلغة سودانية عامية، تجاهلها في "موسم الهجرة الى الشمال"، وجاءت في "عرس الزين" لتقربنا اكثر من تلك الروح السودانية، تلك الطبيعة الصادقة الهادئة المسالمة القوية والساخرة جدا. سأقول هنا، ما ذكرته سابقا عن لغة الطيب، فرشاقة عبارته الرصينة، كعقد اللؤلؤ وكإسوار الذهب، وقد صكت وعقدت في هيئة من الثبات والاحكام والمرونة، ولذا كان اختيار المفردة، به عناية فائقة، وعبر ثراء وعناية لغوية وثقافية وشعرية، اضافة الى حس عميق وصادق وزكي من التصوير والتعبير، لتنتمي الكلمة لموقعها من الجملة، وتنتمي الجملة لموقعها من العبارة، وتنتمي العبارة لموقعها من القطعة، وكل حرف في مكانه المفترض. ان هذا هو ما نسميه أدبا، وهذه هي ما نطلق عليها قصة.  بدأ الطيب هذه الرواية القصيرة، بثلاث مشاهد منفصلة، تمثل في وعيها خاتمة القصة، ثم تناوبها خلال العمل، ليحكي قصة "عرس الزين" البديعة.


تتغير القصة، ويبقى المكان المعتاد ونفس الشخوص، فيفتح الطيب بابا اخرا للقصة السودانية، فهو هنا  في "ضو البيت" - الجزء الاول من حكاية بندر شاه، يركز نصه ليصبح قطعة فنية تمثل الحضارة العربية بما تحمله من موروث ثقافي ديني تاريخي. معنا زكيا اثيرا ومفردة شُحنت برقة "قوية" وهامسة، ليقبل الحوار اكثر تشويقا وجمالا، وهو يعصر لنا خلاصة الصوت السوداني الريفي اللهجي بتنوعاته، فنقرأه مرة حزينا حكيما ومرة ساخرا ومرة في شكل حديث ممتد كحكايات الاجداد لأحفادهم، ومرة كحديث ممتد طويل، وكأنه خطبة عصماء تجمع الاحداث وتختصرها ثم تخلص للحكمة والخلاصة، كما اشتهرت وعُرفت الخطبة العربية القديمة. اعطت هذه القصة للطيب فسحة حتى ينفس قليلا عن عالمه الغيبي والماورائي، والذي هو ايضا تكوين ثقافي مهم في حياة الانسان عموما، والمتدين خصوصا، والعربي العامي بالاخص، والذي يدلف الى الذاكرة الجماعية عبر الحكايات والاساطير، مع ما تحتمله من تحريف ودس الا انها تمثل سلطة قوية على العامة. قدم الطيب في حبكته الفنية هنا، الحلم اقرب ما يكون للعيان، ابعد ما يكون للعالم الحالم. والحلم هو ايضا يسيطر على حياة المتدينين البسطاء، ويؤثر في نفوسهم بما يعتقدوه فيه من اشارات او تعاليم، لكن الحلم في هذه الرواية جاء ليمثل الطريق الى الحقيقة والخلاص. اننا نجد الثقافة العربية الشرقية المسلمة بكل حملها، تحضر هنا، وبالطبع في كافة اعمال الطيب. اما في هذه القصة، فنجد النص الديني القرآني في حياة الريف اليومية، وفي دواخل شخوص العمل، ليعالج الطيب الهم الانساني الوجودي المغمأ والمعتم داخل روح ونفس الانسان العاميّ البسيط، انه ذلك الحوار الذي يود الطيب ان يصل به كل مرة الى ان الوجود بسيط ومفهوم وواضح عند جده وعند "محجوب" وباقي الصحبة، الذين بقوا في الريف على ضفة النيل، هؤلاء البسطاء الذين اختصروا كل تعقيد هذه الحياة في نهر وزرع واهل وصلاة وتسبيح وسمر ورقص وضحك وعشق. لنعي ان العالم شائك ومعقد فقط عند أولئك الذين انغمسوا كثيرا في الحضارة وفي القراءة، ولذلك نجد ذلك التعبير وتلك الشخصية تتكرر عند الطيب، والتي تكتفي دائما بمعرفة القراءة والكتابة وحفظ القرآن لتعود الى حياة الزرع والحصد، فهي كل الحياة. استطاع الطيب ان يعيد ترتيب الثقافة الروحانية والتدين داخل اعماله، فالحوار يمثل معان الايمان والتوكل واللجوء الى الله جزءً مهما منها، وابرازه دور الجامع والصلاة والآذان في حياة هؤلاء الناس اليومية جزء منها ايضا، فجعل من المسجد، البقعة التي ينبت منها الصغار ويعود اليها الكبار، انها تلك البقعة الطاهرة التي تتصافى وتتلاقى فيها الارواح، بما تحمله من صفاء وهيام وعشق وضعف وخوف وألم وحزن.


استكمل الطيب مرويته العتيقة في "مريود"، وكنت قد كتبت عن هذا العمل من قبل, واعتبرته يعبر عن تنفس شعور الحنين عند الطيب. اما في مجموع اعمال الطيب، فقد اراد ان يختم به هذه السلسلة من مرويته، فاستعاد شخوصه، - الذين يظهرون ويختفون  في اعماله مع ما تفرضه القصة، فكانت هذه الخاتمة تمثل نصا عميقا يجول في احدوثة الجد والحفيد. ذلك الارث الذي يحتمله الحفيد كما احتمله الجد، وقد احدث الطيب، شكلا من المقابلة او المبادلة بين ما ابتدأه في "ضو البيت"، بخلق صورة اخرى من الجد "ضو البيت"/ذلك الرجل الغريب الذي حل فجأة بأرضهم، في جد الراوي نفسه "محيميد"، وفي "محيميد" هو باعتباره "مريود" بما يقابله من شخصية "مريود" الذي هو حفيد "ضو البيت" ليصبح لدينا عالما غريبا حالما لجدين وحفيدين. وهي مقابلة تجذب اليها بديهة القارئ منذ البدء، ولكن ربما ود الطيب ان يتحدث عن "مريود" بقرب اكثر، وان يعكس الصورة على الظل فتطابقه. ولم يتخل الطيب عن تعميق اللغز في حكاية الجد والحفيد، القصر والتعذيب والقيان العاريات يرقصن. ثم غاص في المعنى الذي يمكن ان يحدث وعيا حاسما ثقيلا في القصة، حين نحى الى تثبيت الاسطورة والحلم اللذين كثيرا ما يمثلان البقعة الغامضة في مخيلة شخصيات الريف البسيطة. ويمكن ان نقرأ كل هذه التركيبة السردية الحكائية عند الطيب - وخاصة في الاعمال الثلاثة هذه-، وهي تعيد بناء الوجه الممكن للقوى العقلية والروحية التي تسطير على شخوص الرواية، تلفها مشاعر ومخاوف، مشاعر يقينية سامية تتكل وتعتمد على ايمانها بالغيب، حيث الجامع والصلاة والآذان وشعائر الزواج والختان والدفن دليل على هذا الايمان، ومخاوف تخرج من اقانيم الحكايات الخرافية والالغاز الشيطانية التي تقبل من ناحية القصر/القلعة، وشياطين الجن والانس. تعالج المشاعر اليقينية مخاوف الموت والوداع بما يحمله النص الديني/القرآن من تطمينات وردود مريحة ومثبتة، واحيانا تبقى المخاوف مخبأة تعصف بتلك الارواح. ان التكثيف الرهيب الذي مورس في "مريود" ليخلق وعيا كانبلاج الصبح، ولينهي المروية بموجة غالبة من تداخل الشعور بالماضي كأنه لا يزول، والمستقبل كأنه لا يأتي. لم يكن الطيب في "مريود" يحكي مشاهدا واحداثا، بقدر ما اراد ان يفجر وعيا شعوريا من خلال السرد تارة والحوار تارة، يشبه الوفاء الاصيل لنفسه، كأنه يناجي ذاته، تلك التي حارت وعانت ويلاتها من عذابات ذكرى الريف وبساطة وايمان وعمق تلك الحياة، وصبابته بحضارة الغرب وجمال ذلك العالم وعذوبته. وانني اجد مرات تعابيرا غريبة عند الطيب، وكأنه ينظر الى حياته ولم تسر ذلك المسير الذي ساره، إذاً؛ فلربما كان فلاحا ريفيا لا احد يعرفه الا اهل قريته، ولكان سعيدا منعما في زرعه، ومتلذذا بساعتي الغروب والشروق على شاطئ نهر النيل، تعابير على منوال "ماذا لو ؟".

تتنوع قصص الطيب القصيرة في مجموعة "دومة ود حامد" بين حياة الريف، وبين حالات انسانية اخرى، هي شكل من عالم الطيب المدني الذي لم يوغله كثيرا في اعماله الابداعية، لكننا نجده في مختاراته كما في حكايته عن "منسي". فقصة "نخلة على الجدول" و "حفنة تمر" تعيد احياء معالم ورموز الريف السوداني. فالنخلة هي رمز الحياة والبقاء والهوية الريفية الزراعية،  بل ويذهب في قصة "حفنة تمر" بالنظر الى النخلة كالآدمي، ولها قلب يخفق وينبض، وهنا اقتبس، : " ولكنني انا اخذت افكر في قول مسعود ": قلب النخلة"، وتصورت النخلة شيئا يحس له قلب ينبض. وتذكرت قول مسعود لي مرة حين رآني اعبث بجريد نخلة صغيرة : " النخل يا بني كالادميين يفرح ويتألم". بينما "دومة ود حامد" ليست سوى كل تلك الأرض الطيبة النائية المنسية والمسالمة التي لا يزيد عدد سكانها ولا ينقص، ووفاء اهلها لها جزء من تكوينها جغرافيا وتاريخيا وثقافيا، فمعالم الريف هي اشياء مقدسة لا يجوز الاقتراب منها او العبث بها. اما معترك الطيب وصراعه الصريح فنقرأه في "رسالة الى ايلين"، اوه، اننا نقرأ كيف نظر الطيب الى قومه، وكيف نظروا اليه، واقتبس من معتركه  هذا السطر:" تزوجتني، تزوجت شرقا مضطربا على مفترق طرق، تزوجت شمسا قاسية، تزوجت فكرا فوضويا، وآمالا ظمأى كصحاري قومي". وبتتبع مثل هذا الحديث نجده ممتدا في اعماله كتكوين دائم فيها، يعتصره. في بقية القصص، " إذا جاءت"، التي تستلهم كثيرا من سيرة "منسي" العجيبة، التي كتبها الطيب أخيرا، و" هكذا يا سادتي" يحكي الطيب عالما اخرا، تلمع فيه صورة الضياع والملل والفراغ، تتخللها رائحة خفية من الحلم والشوق الى النجاح، حيث كل ما يربط بين الحلم ووقوعه هو الانتظار.. انتظاره. ففي"هكذا يا سادتي"، يغلف المشهد لحظة بانورامية بطيئة، يطغى عليها حديث النفس/المونولوج الداخلي، ويتداعى عبر لغة رقيقة وحذرة جدا تقرأ تلفتات الوجوه والأعين وحركات الاطراف الصغيرة السريعة، لتتنبأ بما يقبع خلفها من نوايا واطماع وهواجس شهوانية قاتمة وصريحة تجوس خلف الاقنعة، انها لفتة من عالم الحضارة والمدينة، انه ليس عالم الريف الصريح الصادق.

 قصصه القصيرة جدا، تعبر عن قمة واوج معترك الطيب بين شرقه وغربه، فهل يصلح ويصح هذا التزاوج بين هذين العالميين، في هيئة زواج بين شخصين ينتمي كل واحد منهما للعالم الاخر، زواج شرقي بغربية!. كتب الطيب قصصه القصيرة هذه، بتدرج يبتدأ بمقاطع طويلة لتصغر مع كل قصة، " خطوة الى الامام"، " لك حتى الممات"، "الاختبار"، " سوزان وعلي"، انه القدر والمعترك الذي وجد الطيب صالح فيه نفسه، ولكن دائما تحضر "لكن" لتمثل الكلمة الاخيرة/التعبير الممكن، لتحكي حيرته وعذاباته.  


*البيئة الثقافية الايمانية والروحانية، بما تمثلته من تنوع فني داخل اعمال الطيب، لتصور ذلك المكون الكبير والمهم في الشخوص والمكان واللغة والصورة، تبتدأ بآي القرآن الكريم والجامع والآذان والشيخ "الحنين" المبروك، تحتاج الى تأني اكثر وقراءة اجود من هذه القراءة العجلة. 



abuiyad