بما انك جنوبي











النص:
أين اصدقائي المعاتيه
هل تبخر قيظنا القديم من على ظهور الغنم
نمسك مرة بسهيل ومرة يمسكنا هو
نتسلق جدران البيوت الخربة
ونجمع سرقات الصباح في ركن عتم
أين العشب الخشن المبلل
 الجراد وضفادع البركة 
واحلام السمك الصغير ..



الهامش: 
اكثر ما يسبب لي شكل من الشغل في رأسي، هو ذلك الافتخار العجيب عند هؤلاء القوم. وهذا الشغل لا هو ضيم او هم، انما يشبه صراخ قديم بال في صحراء بعيدة، ولكنه يحفز على الحديث بشأنه، للتخلص منه. لدينا في الجنوب، ذات النوعية السعودية من البشر، كما ينتشر هذا الداء في كل المناطق. الذي يشغل رأسي هو  طريقة تكون وتركب هذه التركيبة البشرية العجيبة. فهي يمكن ان تخرج وتنبت وتقتات على اي شيء. فاقتات عندنا في الجنوب، على الفخر بأن هؤلاء الناس من الجنوب، وانهم جنوبيين، وانهم هم اهل الجنوب. اها، لا شك ان هذا سيزعج قليلا، اهل الشمال، وانهم شماليين، وانهم من الشمال، وهكذا دواليك. يا للعظمة، والروعة الباهرة، والاحسان الكبير. بماذا يفتخر اهل الجنوب، غير انهم جنوبيين، يعني ما هي تلك الصفات والميز؟. اولا؛ هناك المفردة، وما يتبعها من لهجة. حيث يقولون ان لهجتهم، اجمل واخف واظرف لهجة. لا شك ان الشماليين يرون خلاف ذلك، فهم بلا شك يفضلون لهجتهم وكلماتهم ويعتبرون انها تقتنص المعنى وتؤدي اليه بافضل المفردات والتعبيرات الممكنة. لا شك ان في افتخار الجنوبيين بمفردتهم، غمز ولمز مبطن تجاه اللهجات الاخرى، وكلما زاد هذا التفاخر العجيب باللهجة، كلما عنى ذلك مزيدا من الذم المبطن. وانا في مرة واحدة وبصدق استطيع ان اذم لهجة ما، لأنها عكرت عليّ يوم جبلي جميل ومشمس، وهي لهجة القصيم، لم يكن السبب في المفردة، بل في صوت اللهجة، ذلك التمطيط العجيني. من الهند وحتى جزر القمر، يزداد صوت اللهجة سرعة ويقل، لكنه في الصوت القصيمي يمثل لي ازعاجا مملا عند الاتصال، وقعدت اسأل نفسي: كيف سيحتال هذا الصوت، لصوت غاضب او لصوتٍ داع؟!. لا شك ان تخيل احتمال سماعي لصوت قصيمي غاضب او منادٍ يزيد من فرص التفكه به بيني وبين نفسي دائما. اذاً، هذه مشكلة واضحة مع الصوت. لكن ما يشغل رأسي، انه خرج لدينا في الجنوب، جيل سعودي لا يعرف الا انه جنوبي، وانه على هذا المبدأ خطير وذا علامة  وجودة خاصة. وتنشتر لديهم بضع كلمات تثير غثياني، فنقرأ على شبكة الانستقرام مفردة كـ"عزوة" مثلا، تقولها المرأة باعتبار ان والدها او خالها او اي جني من محارمها عزوة، يعني سند وعون. لا شك ان حتى زوج الهندي والاندونيسي والبولندي والنجيري والامريكي ربما، تعتبر ان زوجها ووالدها عزوة لها. لا شك انه يعينها طوال النهار، حتى تعينه في جزء الليل. هذا معروف. لكن السؤال؛ ما الذي جعل الجيل السعودي الجديد في الجنوب، يستلهم القشرة وحدها من تلك المعاني العظيمة التي كان عليها آبائهم من قبل. اعتقد انه البحث  عن دائرة جذب. نحن هنا، ونحن هكذا، وهذه طريقتنا. 

انا لا اوثق هنا دراسة. انا اقول رأيي. لا يهمني ان يقبله احد او يرفضه احد، سيان. انا اكتبه فقط، لأني احاول ان اخرجه بعيدا عن رأسي. اليكم إذاً، بعض من المفردات الاخرى والتي لا شك انها تخرج من صوت احدهم وهي تحمل نغمة ما من الافتخار مع حركة مفاجئة الى الاعلى وكأنها ربع رقصة لم يكتب لها ان تصبح نصف رقصة او رقصة كاملة. مثلا يقولون ان أولئك القوم " اولاد حمايل..او، اولاد قبايل.. او، اولاد فنايل". هكذا يجب ان تشعر بالقبيلة. تلك القبيلة التي ماتت منذ مئة عام. انها الان بالكاد تمثل قشرة القبيلة. فنحن كلنا في بيوتنا الهانئة نعرف، انه لا يمكن ان تكون هناك قبيلة كبرى في الاعلى، دون تعيش تحتها قبائل اخرى في الاسفل، فمتى انقرضت الكبرى انقرضت معها الصغرى. أيّ عربي؟. ربما تحدثني عن الاعرابي؟. سكن الناس من قديم، المدن، وكانت الحضارة لا تحفل كثيرا بالقبيلة، ونحن بتنا نعيش وسط حشرات الانستقرام والواتسب، مع عربان وعرباوات، يعني رجل ما بدوي ، يعتز في اشعاره بقبيلته، وامرأة شامخة، هذا اذا ما هجنّا الجيل وكبرناه. لا يهم. يقولون ايضا، ان لغتهم في الحب فاتنة، يجب ان يدرس هذا الامر، فهناك موجة جيدة ورائجة لمثل تلك الكلمات، وكأنها تتنزل من السماء على اهل الجنوب وحدهم، اليكم واحدة من تلكم الجمل. يقول المُحب لحبيبته او العكس كما تحب، ولكن الرجل يقولها في العادة، لأننا نحن رجال اولاد قبايل ولا نرضى ان تقولها لنا البنت، بل نحن من يقول لها، " الله يطعني عنك/عيك". الى غير ذلك من الصف الطويل من هذه الجمل والدعوات القصيرة التي تستخدم عند كافة الاحوال والاحداث. ولكن هذا حقهم اللغوي في عجن وعصر مفردتهم حتى تقترب اكثر ما يمكن لها ان تقترب من التعبير عن المعنى الكامن خلفها. ومما لا شك فيه ان هذا من حق الشماليين ايضا مع مفردتهم، والقصيميين ايضا- مع اني لا افضل التخصص او دراسة شيء من مفردتهم الا بعيدا عن الصوت، وكل اهل بقعة على هذه الارض، هذا طبيعتهم الحضارية. فما الذي يجعل اهل الجنوب، يصدعون رؤوسنا بهذا الافتخار المخبول. في الحقيقة لا ادري، واستطيع ان ازعم اجابات كثيرة ما، ولا يهمني ان كانت حقة او لا. ولكن كل ما اود ان اقوله انهم صدعوا روؤسنا، بأنهم خطيرين وانهم احسن ناس. كل ناس احسن ناس، انا في العادة ارى ان ناس بني سويف احسن ناس، وناس الدقهلية احسن ناس، وناس تطوان وطنجة احسن ناس. اما احسن ناس بالمرة، فهذا لا يهمني، ولا اعتقد ان هناك احسن ناس بالمرة، اقول بالعاميّ البسيط الحلو؛ كل واحد مسؤول عن نفسه يا جماعة. 

 اقعد على كرسيّ القذر في هذه الشمس، اتأمل هل تغير هؤلاء الصبية ولو مسافة مرمى حجر. لماذا يتماحن اهل الجنوب، على هذه الكيفية. وقعدت افكر؛ ان العربي اليوم خبل بلا تعب ولا نصب!. خبل هكذا.. صدقة جارية.. توفير ائتماني بصدد انواع الخبال الذي سيحرزه ويحققه بروعة في حياته. وقعدت اقول لنفسي؛ ان هؤلاء الجنوبيون مضحكون، يشعرونك بعباراتهم الشائكة، وكأن الكون يرصدهم بمنظار  دقيق مركز، والعالم كله يراقب مدى الروعة والفتنة الكامنة في اعتزازهم بموروثهم او اشعارهم او كلماتهم. يعني ماذا تريدني ان افعل، اذا كنا نحكي او نأكل او نفعل الاشياء بهذه الطريقة المختلفة عن الناس في كل مكان اخر، كما هم مختلفون عنا لأسباب بيئية حضارية حياتية قديمة.. هه؟ اخبروني.. اخبروني.. يا اخي.. مرحبا بأكلاتكم.. وصحونكم، لديكم عريكة، وخمير ومشغوثه.. وجنون جدي، طيب.. اعملوا لها دعاية، يعني انقلوها، للناس الاخرين هناك في الشمال والغرب.. والعفاريت تنفر بكم..  او كلوا واسكتوا، الله يرجكم. يعني ان لديكم خصوصية خاصة بهلجتكم، طيب، نعمل لكم ايه. نرقص يعني.. او نبكي، انا افضل ان نبكي قليلا. كل اناس في كل بقعة من هذه الارض، لها موروثها، تراثها، وأكلاتها.. وطريقتها، وعادتها. واكثر تلك الاشياء هي منقولات حضارية. وهذا ليس عيبا بالمرة. واكثر موروث الجنوب من الاكلات والرقصات والنقوشات هي منقولات من الحبشة والهند. ان من المثير ان تحتضن امة ما حضارة امة اخرى وتفيد منها، ولكن ليس من المثير ان تتعصب لها وكأن ما تفيده منها هو فنها الاصيل النابع من ارضها، وتتنطط لي هنا وهناك في زمن الفتنة الالكتروني عشان يشغلوا رأسك بكلماتهم الغزلية الخاصة الشيقة. يا دين النبي على هذا  الجيل، ها هو ينمو وبفمه رضاعة من حشرات الانستقرام واخوانه يرقص على نغم "انا جنوبي"،  انت جنوب، وجنوبك جنوب ذو أصالة ولغة ونغم اصدق. جنوب كل جنوب جنوب، وشمال كل شمال شمال، ثم يصبح الجنوب شمالا ويصبح الشمال جنوبا. المهم.. سأعود مرة ما، لنكمل هذا الحديث. على كل حال، سأخبركم بأمر جيد، الجيل الذي بين ايدينا، سيكون اخبل جيل مر على تاريخ البشرية، والشهادة لله اني زهقت من هذه الروعة التي يصدرها اهل الجنوب وكل من هم على شاكلتهم من المناطق الاخرى، والله الستار. نتقبل عزاكم من خلال اعلانات جريدة الوسيلة.. تحت بند وظايف شاغرة. 

abuiyad