..................... عدت اترقب ساعاته في غرفة القهوة المنزوية القذرة. انا متبلد المفاهمة مع الناس، وتضيق عليّ دائرتي بوجل. وكلما ضاقت الدائرة من حولي يرتج على وعيّ، واتجمد لتماثيل الصور، حيث لا يمكن حينها فهم كلمات تخرج من فم حميم الا ليصبح غريبا مجهولا، كفعل ما يصد، او هو اقرب لمشهد مسرحي صامت يمثل العبث، عبث متوحش كأنه بيكيت. على الطريق قطة مدهوسة معجونة بصهد الاسفلت. قطع سوداء وحمراء. مرةً اسفل الاربوعة تحلقت الكلاب البيض حول واحد منها ينازع نفسه. وجهي كأنه صورة مشؤومة في وجوههم. عاصية على الفك. وهم الذين لا يسكتون. اتى عظاهي هذه المرة، وقعد متلملا، لسانه يحرقه داخل فمه. بعد لحظة افرغ كل ما حُشي به وجده، وجنونه ولوعته. وبت انا اسفنجة قديرة تمتص الهذيان والحرقة، ما نهاية كل هذا؟ كأننا ذبابتين، لزمنين تصافحا عويلا، عويله الصام، وعويلي الممرض في صدري. لهذا الامر حكمة ما اجهلها، بما اني كفرت بالصدفة والحظ. في غفلة من رغاءه الذي لا يكل، ينبطح! على قفاه، كالطفل الكبير الشائخ، لحيته كالعشب الطري، ونفسه ضجرة. يعقد ثوبه ويقعد يحك فرجه اكثر الوقت، اعتدت على هذا. يعود ينشق رائحة فرجه باصبعيه، ويعصر انفه الدهني. انها شروطه للحديث، وللقيء. وانا ساذج، احفزه وادغدغه، قلت له بصوتي الجاهم ان الظلم قد طال الجميع. هنا وهناك. لا يستحسن ان اطيل حديثا عن الظلم، وانا لا يمكن في حديث عارض ان استحضر معطيات ما تقوم بعملية الاقناع البسيطة. لم اتمرس على هذا، اعرف ان الكثير يمارسونه، ويتدربون على اقناع الاخرين بتلك الكيفيات، لكن العمل الجاري في رأسي لا يفهم هذا. ربما يعتبره نوع من الغش، ان تقنع انسانا بأي شيء. هو وعقله وما بدى له. ما حاجة هؤلاء الكهول المعطوبين للفهم، وهراء الحق مع مين. يحمل صاحبي الكبير تآويله كل مرة. وانا اسنفجة صعلوكة كفرخ حمام في ايامه الاولى مات في الشمس. شروط الافراغ والرغي على علتها، يجب ان تكون صادقة ومخلصة، وانا اعتبرها كذلك، وموافق على هذا. يعبر كل ما يحدث الان بقصص قديمة وقعت، لكنه لم يصر مرة على انه يملك مفتاح الحل والحقيقة. شاخ بوجه بتول صبياني، وكأن العمر ابتلعه ثم لفظه دون ان يستكمل آثار الشيخوخة. اشعر حتى معه بالحرج، بات جائرا ان ابقى في موجة من الكلام تعلوها موجات. اشعر بالزبد في اذنيّ. اتلمس، اصلح ان اكون مرآة، احيانا اتدوخ واصم، فيقترب وجهه الهائل الطويل الخامر من نظري، ثم يصغر، وتحتال الغرفة الى حلم ما بعيد معلّق. كل شيء بطيء وبزوايا متداخلة. حتى ومع غرابة وشذوذ التأويل، عليّ ان اكون مخلصا في سماعه.. في اواخر شهر رجب كان يفضل الظهيرة، وسألت هارون عنه، العامل الذي يتودد لي ويعتقد اني سأقدر ان ادبر سفره الى جنوب افريقيا او الارجنتين. " متى يأتي عظاهي هذه الايام؟". الظهيرة، الحرارة السعيدة، والغرفة المنزوية تلفظ روائح خانقة، لكن صوته يُسمع من اول الزقاق القصير المظلل. انا اسنفجة، وقد اعتاد وجهي، ليقيء اكثر ما في سره. المرة الاولى، حكى قصة الارض "المربحة" في الجبل. "كنت قد حليتها!. 70 ألف ريال كان ليكون راتبي. حليتها.. حليتها. تفهم كلامي، لكن جاء الامر وقتها.. وقطعوني!.". اعرف انه يحكي ألما صرعه. وفكرت: أهكذا يحكي الانسان حزنه؟ أين الشهود والسجان والقاضي والمذبح والنشيدة. اريد ان ارق له. لا اعرف كيف ارق، انا مخلوق للجدل والهراء. تصورته يحلم، ويتباكى بحديثه. انا لا اتذكر كل ما قال. لديّ ذاكرة مخرومة. هو يدخن دون ان يتوقف، احيانا يتوقف بضعة دقائق، ثم يعود، يحمل معه مؤونة كافية من الدخان كل مرة. انا مرتزق مثله. يسعل، ويرجوني انفث دخاني ناحية الباب. يتمخط كأنه يخلص جسده من نزيف. "الرجل اللي كانت معه الارض "المربحة" في الجبل، توالموا عليه اهل امجبل، ما له قريب ولا جماعة... ، وارضه كبيرة، تجيها مويه المطر بس، ما لها مشارب، ولا تنزل عليها سيول امجبل.. الجماعة ما بغوه، غريب.. تفهم كلامي.". آه، الفرص الذهبية الضائعة. انه، يتقمص قصته البالية كل مرة يحكيها، ويغري نفسه بأنه لا يدري نهايتها. ينشغل بتفاصيلها، ويكررها، وحين يبصرني رفعت ظهري، ادغدغه بأني مصروع، ها انا اترك الشاي وليّ الشيشة، كل الحرائق التي تنهش في جوفي، كل غنيمتي من الحياة في هذا الشطر من المكان واللحظات التي تصنع صورة حياتي. يعود هو ليسند ظهره، ويمد رجليه، ويحك لحيته. "تفهم كلامي!". افهمه يا سيدي العزيز المعتل. ماذا بعد كل الشوق الحاسر الملتاع. الرجل تعاطف معه، بعد ان طرده اهل الجبل، فوعده بأن يدبر له عملا في الكويت. الرجل تزوج امرأة من هناك غنية، ودبر له عمل يساوي 70 ألف ريال في الشهر. عظاهي الآن يعتاش بألفين وسبعمائة ريال. صدر قرار ما بمنع سفر العسكريين. انا لا اعرف ماذا يحدث تحت قدمي الآن؟. ولا متى وكيف سرق مدير الأمن العام كل من هم تحت امرته بحيلة خارقة لا تعرضه لقبضة القانون. ولكن، هل لنا ان نصرع معا الآن من خلال هذا الأسف؟ لا ادري. ها ها كم نحن متشابهين يا هذا. صاحبي الضخم معتاز وجيوبه تمتلء بحبوب للنوم ولنفسيته التي يعترف بها في درجة طبيعية من الوصف والقول. كنت أيامها اترقب شيئا يفجر الحياة، فتشت عن صديقات قدامى. ما الذي حل بهن؟. في المنظر العريض امامي فتشت عن عاصوف صغير من عواصيف الغبار التي تصعد في وقت الظهيرة. تقول المروية انها عراكات الغيلان الصغار وشيء من ألعابهم. احداهن ترعى طفلين، وتنكر الوجود، تثرثر حتى اختنق. ما الذي ابتغيه من امرأة. ضاجعتها مرات عبر الاقمار الاصطناعية. اعتقد ان خيالي سيعاتبني مرة في حديث ودي بتهمة اتلافه. قالت لي: زوجي بدوي، سيذبحك عند الباب!. كنت اود ان افضي لعظاهي بأشياء كهذه، قد ابتدأ هو  بعضها من قبل بنشوة الرجل الخبير الذي لا يفضل الخبث او التحايل بقصد استدراج ما. لتكن صداقة ما، نختاط فيها آمال ممحوقة. في مساء ما في تلك الايام، جاوبتني فاضلة من ازقة مدينة منهوبة على البحر. كانت قد حملتني مرة طفلها، وقعدت اناغيه، قالت له: هدا بابا. ابتسمت لها. بصقت داخلي. بعثت لي صورا جديدة. سأشرك عظاهي في حلم ما. يتحلب قلبه لساعة. عمل عسكريا بسجن في المنطقة الشرقية. لم ينجب. في ظهيرة اخرى، كنت احمل معي  الماغوط، اقرأه عند الجنون والحسرة، حتى افقد رأسي، وتنبض عروق عنقي بألم، ويلفني صداع مركز اسفل جمجمتي، فأعود اجامع دمية ما في خيالي، واستمني حتى اخور. مرات، قد يطول الامر لأكثر من 5 ساعات. تفاجأت به بعد ان اختفى مدة. امتدح ان يراني كل مرة بكتاب. قلت له: كلام فاضي. كنت اعني هذا. ماذا سأجني من كل هذا الانكباب الملوث المعتل؟. تحدث، للحظة تمثلت انه الفليسوف الاكبر سقراط. هذا سقراط الاعظم. كنت قد سمعت حديثه من قبل مع رجل ينوي ان يبتاع محراثة لورثة رجل مات من اهل الجبل. سائله عنها كثيرا. ضمن له عظاهي ان المحراثة، لم تعمل الا اشهرا قليلة، ثم اوقفها صاحبها لمرضه، فمات وهي على هذا الحال. تجرأت مرة واقترحت بخيبة، ان يتخذ له غنما، فهي تجارة جيدة هنا. اتمص سيجارته، وقعد يفصل وجوه معاشه. ويزحف الى مجلسي مع كل نهاية جملة. ليوضح انه سيقول امرا هو متأكد منه جدا. " 60 ريال مصروفي اليومي.. ايش اسوي فيه، اكل انا وزوجتي والا تاكل امغنم، انت تقول كذا.. وانا ودي، بس تراهي 60 ريال، والتبن اليوم بأربعين.. تفهم كلامي". شعرت بيأسه يقيدني. قاموسي للمواساة فارغ، وحتى صوتي لا يسعف، كأنه يتصاعد من بطن بئر بعيد. الغنم، وصاية اختلستها من جدتي. كلُ يوصيك بما فقد في حياته. أبي يوصيني بالتجارة، واكمال دراستي. وجدتي توصيني بالغنم، الا انها تراجعت عن هذا، منذ اخذت تُحتضر تحت الجبل. قلت لها امازحها بصوتي الكئيب، وسحنتي المختلة: نتشارك انا وانتِ فيها؟. رفعت اصبعها، وقالت لا. ثم اشاحت عن وجهي الملعون. اقتربت منه، مسح وجهه بلذة، وهو يتكور على صور سالمة. نظرت في عينيه وكأنه يحاول ان يطبعها في مخيلته حتى لا تضيع. ضحك علينا "احنا" الشباب. "لكنها مكورة وحلوة". سخر منا. وارتضيت سخريته. نحن الذين لم نعرف ماذا نريد، وكيف نحلم، او بماذا نحلم حتى؟. ثم جاء رمضان. في تلك الليالي الكهرمانية العزيزة كان يظل في حوزة الكهول المعطوبين من شقائهم العسكري. لكنه ما ان يراني داخلا حتى يحيني بيده وابتسامة تشق عليّ جدا. وحدث ان سرق بعض اهلي القطة وصغارها. كنت لعنتهم وغضبت كالخبل. سأخرج. وكلما خرجت. سأعود. دائرة، يصعب ان تنازل فيها نفسك. والغيلان التي تربيها في داخلك وتقتات على سلامك!. قعدت افكر؛ حتام يكبر الصغار وهم يصغرون؟. غفرت لهم. صارعت عبدالله حتى بقيت سالما مني. وهكذا، استعدت معه منازل واوقات ستبقى اثيرة. في أيام تالية، حدثني عن عشيقة، جمعت كثير من الثغرات في حكايته كلما سألته عن تفصيل ما. وجدتها عشقية ما تلعب داخل رأسه. لا وجود لها. بيتها في اول اطراف الرابية. تكون اشارتها بقطع من الثياب فوق حائط الفناء. يحلم جدا. وانا اتخليني قد صعدت ربع العاصوف، رغبة ما غير مفهومة للارتفاع والاختلاء..............


abuiyad