طريق جورج اورويل الى 1984






      جورج اورويل



يصبح من الصعب تصنيف كاتب كجورج اورويل، لكني اود ان اضعه في موقع الانسان الطبيعي الذي وجد نفسه وعالمه في ظروف غير طبيعية. من حيث الكتابة، يمكن ان نتدرج بكتابات اورويل وفقا لتطورها، من المذكرات والتحقيقات الصحفية وحتى اهم اعماله الروائية 1984. في قرارة نفسي، اشعر ان اورويل لم يعبأ كثيرا بما سيقوله العالم عنه، أو عن تلك القوالب التي ستحمل افكاره وصرخاته. سيكتب مقالة وتحقيقا ويوميات ورواية، وكان ليكتب مسرحية وسيناريو ويمشي عاريا ويحرق أي شيء حتى يلتفت العالم  الى ما يريد ان يقوله، ولكن ذلك العالم بروحه الانسانية لا بأعينه الخالية البلهاء. ولذا نجد ذاك التنوع المرحلي في اعماله، وكأنه يعبُر هواجسه الفنية والابداعية التي تشغل العالم المبدع من حوله، ليقول ما يشغله على اوجه فنية مختلفة، حملتها صيغ غرائبية او رمزية او خيالية. يمكن تصنيف هذا الرجل المشغول بالانسان جدا، وبالانسان المطحون اكثر، لا كفيلسوف يرتق ويخيط نظريات منطقية عقلية، ولا كمفكر يصيغ نظريات وفرضيات تحتمل ما تحتمله، يمكن اعتباره انسانا صادقا للغاية بازاء  مشكلات الواقع الانساني وبازاء خلق حلول لتلك المشكلات. اما ما يؤكد هذا الصدق فهي حياته وما خلفه من تحليل وتدقيق ينبأ بعقل يكاد يلتهم نفسه في كل مرحلة اسيفة من تاريخ القرن العشرين. حيث كان جورج اورويل يغرق فيها حتى يلامس واقعه، وهو لا يرضى بتلك الملامسة ما لم تكن التحاما به،  ليتوعاه جدا، فيعرف عن ماذا يتكلم.


تجمع اعمال اورويل الاولية خليطا من لغة الصحفي التي كثيرا ما تتحول الى لغة جامدة تنصرف الى الوصف، وايضا تلك اللغة الابداعية التي يستفتح بها أعماله الاولى، وهي لغة مدموغة بالتصوير والخلق والحركة. فكأن اعماله الاولى والتي تؤرخ لمراحل حياته، تبتدأ في قالب هيكل ابداعي روائي لمشهد ممتد، دائما ما يتحول الى ما يشبه المذكرات او التحقيق الصحفي الذي لا يُغفله بين فترة واخرى من بث بعض الصور والمشاهد لتشكل ربما جذبا او ضرورة لرسم صورة ما. يؤخذ هذا على اورويل كما يؤخذ على استاذه ألدوس هكسلي عموما. ففي عمله "متشرد في باريس ولندن" 1933، يبدأ العمل بمشهد ساحر يضج بالحركة والحياة حتى لكأنك تسمع تلك الاصوات، ثم يتحول العمل الى حكاية مذكرات اورويل في المدينتين. ولأنها حكاية واقعية، فلم يجد لها اورويل اصدق من ان تُكتب كما هي، مع محاولته نفخ روحا ووجها من الجذب الروائي فيها. هكذا افهم اعمال اورويل الاولى من حياته، فلم يكن ليحتملها اي قالب روائي، حيث الرواية هي باحة خصبة للخيال والاختلاق، بينما تقول المذكرات الواقع على الارض دون احتمال حملها تهمة ما كالخيال او الكذب او التلفيق الفني. ومن اجل الواقع والحقيقة وحدها بقي اورويل طوال حياته وفيا للمقال ولغة الصحافة التي تنقل الواقع دون امكانية دس افتراء او افساح مجال للعقل النقدي والعامي باعتبار العمل رواية وخيالا. وانا لا انكر هنا سلطة الرواية تاريخيا فهي تحيى اطول وتؤثر اكثر من المقال والتحقيق، ولكن هذا يحتمل الا نرى التأثير الا على المدى البعيد- وهذا برأيي ما دفع اورويل لكتابة 1984-، بينما المقال آني، واضح، ومحدد، ويعالج مشكلة لحظية، يود اورويل كثيرا ان تُحل في لحظتها وفي حياته، فهي تعنيه كثيرا ايضا.


ان الصحفي اورويل، لم يقدر على الاختفاء تماما داخل اعماله الروائية، وربما هي رغبة فنية رغبها ولم يقدر على الاستغناء عنها.  فكل اعماله تشهد خروقات او لنقل فسحات مختلفة يقتصنها او يختلقها اورويل ليمرر آراءه الفكرية المختلفة عن الحياة العامة والحياة السياسية والحياة الفكرية، فمن الاشتراكية الحقة والاخرى المزيفة، والهجوم على الشيوعية والفاشية والنازية، مرورا بتفاصيل حياة انسان البوليتاريا، وكل طبقات الانسان المطحون، وحتى تفيت عقل وحياة الانسان البرجوازي المنزوية الميتة، واخيرا مستقبل العالم، عبر مثال الدولة الشمولية. ففي "ابنة القس" التي بدأت بداية كلاسيكية لتصور يوما واحدا من حياة "دروثي"، يأخذنا ذلك الجذب الشديد لبراءة وقدر هذه الفتاة وكأننا في مقتبل رواية جديدة ذات وعي كلاسيكي، لتصيبنا فجوة غريبة في البناء مع الفصل الثاني، حيث لا ندري نحن القراء ولا "دروثي" اين هي؟ وماذا حدث لها؟. هناك هوة. وعلينا اكتشافها مع "دروثي". ومع اورويل هناك دائما هوّة ما. هذه الفجوة كانت هي المساحة المحبذة لاورويل كي يذيق "دروثي" تلك الحياة التي عاشها واختبرها هو في لندن وباريس متشردا. فبعد عودته من عمله في الشرطة البورمية، ألغى اورويل عودته الى بورما، وفضل ان يصبح كاتبا، وبتأثير مما رآه وعاشه في بورما من اضطهاد الانسان، عاد اورويل ليعيش متشردا في باريس أولا، حيث عمل لفترة كعامل لغسل الصحون في احد الفنادق، فصاحب المتشردين والمتسولين وعاش كواحد منهم، لا ككشاف بينهم، وثم عاد الى لندن ليعيش متشردا فيها. ربما هذه كفارة اراد اورويل ان يبدأ بها حياته الجديدة تلك. نجد هنا هذا الارتباط اذاً؛ فبعد ان كتب " متشردا في باريس ولندن" 1933، كتب رواية "ابنة القس" 1935، حيث تنقل بـ"دروثي" الشخصية الرئيسة في "ابنة القس" داخل تجربته الاليمة والصعبة تلك، ففي الفصل الثاني، تتعرف "دروثي" على المتسولين و العاطلين والباحثين عن العمل، وتهيم معهم في ساحات لندن، ثم ريفها، مع يوميات التفتيش عن عمل في موسم قطف الحشيشة، ثم الحصول على ذلك العمل، ذلك البؤس، التعاسة، الجوع، والبلاهة. يكمل كل هذا في الفصل الثالث، حين نقع على قطعة بديعة لاورويل الروائي المتقن، ونحن نقرأ، او ربما نهذي مع هذي المتشردين في احدى ساحات لندن الشهيرة من شدة البرد وزمهريره، وهنا يمكن ان نقبض على اورويل مبدعا وساخرا.


بعد ذلك، كتب اورويل "الطريق الى رصيف ويغان"، وهنا نتأكد من انه فضل كثيرا ان يكتب المعاناة كما هي بأناسها وتفاصيلها ومشاعرها على ان يصبها في غالب ابداعي روائي ما. ان اورويل هنا وفي كل مذكراته مجيد وعالمي، لكنه  تمسك باللغة المباشرة الواضحة والاكيدة ليساهم في تقويم حال بلده. خاض في هذا الكتاب في قضايا ارقت انجلترا على المستوى الداخلي حياتيا ومعيشيا في تلك الفترة الواقعة بين الحربين واهمها (البطالة، المساكن، عمال المناجم). نجد اورويل هنا، مفكرا قويا وذكيا وملاحظا، وبالامكان استخلاص نظريات وفرضيات درسها اورويل جيدا، تفكك وتحلل حال المجتمعات حين تقع تحت طائل البطالة او الظلم والاضطهاد الرسمي وما يصيب الانسان من اختلال داخلي، فيسوق مثالا يبين اثر البطالة على الابداع، وعلى هذا المنوال. اغرق أيضا في نقد شديد للاشتراكية والاشتراكيين الانجليزيين، وسيستمر نقده هذا للاشتراكية المدعاة حتى اخر اعماله 1984. وقام هنا بحفريات عميقة وشاقة في طبقية المجتمع الانجليزي، وناقش الاشتراكية المفترضة، لا تلك المزيفة التي اساء اليها ادعياءها في انجتلرا. فقام بضرب امثلة كثيرة على  كذب هؤلاء الاشتراكيين، المتشدقين بها، وانما كان اعتناقهم لها لأنها كانت موجة/موضة فكرية حينها. وفي ذات الخندق كانت معركته الرئيسة مع الآلة والفكر الصناعي الرأسمالي. انها تلك الالة الصاخبة التي تأخذه دائما ليهرب في رحلة حالمة قصيرة الى الريف. هذا الريف الجنة قصيرة الامد التي لا تمتد كثيرا في اعماله. اما تلك الالة فهي ذاتها الالة العجيبة التي ستخلق ذلك المجتمع المستقبلي في 1984. في هذا الكتاب او المذكرات، نلمس كثيرا اهتمام اورويل بالانسان المسحوق، ذلك الذي يعيش كعامل  في مناجم الفحم، فقام بزيارة المناجم ومساكن أولئك العمال، لينقل للمجتمع الاشتراكي المتشدق وللدولة الامبراطورية حال هؤلاء. ان تلك المرحلة التي عمل بها اورويل في الشرطة الاستعمارية في بورما اقلقت حياته، وجعلته يصلي الى قبلة العدالة والمساواة كاشتراكي دائما وابدا.


التشرد والحرب اهم كلمتين او عناونين في حياة اورويل. لا يمكن ان نقول ان اورويل احب الحرب لأنه كرهها، فنقول احبها كرها او كرهها حبا، بل لأنها القدر الذي عاش فيه. القرن العشرون قرن الحروب، الذي جعل من حياة الحرب حياة طبيعية يمكن ان تعاش، وهذا ما نلتقي به كأحد اهم افكار اورويل في 1984. لكنه ايضا بحث عنها، وكان بحثه وجيها يأتي من رغبة قوية لفهم هذا العالم، ما الذي يجري فيه؟،  كيف يتقدم او يسير، ولذا فقد رمى اورويل بنفسه الى جانب الحزب الاشتراكي في الحرب الاهلية الاسبانية التي استمرت سنتين ضد فرانكو الذي كانت تدعمه النازية والفاشية. واقتبس هنا جملة من كتابه " الحنين الى كاتلونيا" 1937، الذي كتبه بعد اصابته وعودته من اسبانيا، والحرب الاهلية لا زالت قائمة، يقول اورويل في احدى صفحات تلك المذكرات/التحقيقات " الحروب، رغم كل شيء، مجيدة". هل احب اورويل الحرب والدمار والقتل؟، يمكن ان نفهم ان اورويل احب ان تبقى الحرب حتى تطهر هذا العالم من كل سفاحيه ومجانينه. وهو في 1984 يضاد هذه الفكرة، برأي القادة في الدولة الشمولية ان الهدف من الحرب لا ان ننتصر، بل الهدف ان تبقى مستمرة. فمتى ظلت مستمرة، فانه يمكن ببساطة البقاء اطول مدة، ويمكن بسهولة الاحتيال على الشعوب وجلدها وسرقتها وارعابها وقتلها. هذا العمل ايضا ممتع جدا، واورويل يحكي يوميات الحرب الاهلية على الجبهات، وتلك المناوشات التي تقع في مرات قليلة، مع اهتمامه الشديد بطبيعة الصراع الاهلي، وذلك الاختلاط المتعدد في الجبهات الداخلية وتغير التحالفات وموازين القوى من مرحلة لاخرى. يصح ان يكون اورويل شاهد على تلك المرحلة، لكنه شاهد مجازف وقد غامر بحياته. فهو يحكي حياة الجنود تماما كما عاشها، المصاعب والمخاطر، ثم يعود ليحلل بذهنية تحاول ان تعي ما سيقدم عليه العالم من منطقة حرجة، حيث يتنبأ اكثر من مرة في اعماله بوقوع حرب كبرى، ثم يحلل تأزم الحرب الاهلية، ويذهب الى تصوير اصابته وايامه في المستشفى، ثم تشرده في برشلونة، في تلك الايام الحرجة القاتلة التي مثلت  حالة من اختلال القوى واشتباك الاطراف ومزيدا من الضباب وعدم الفهم، وحتى نجاته وعودته الى بلده عن طريق فرنسا. وفي هذا الكتاب ايضا نجد خليط اللغة المعروف عند اورويل، فاذا ما قرأنا وصف اصابته في عنقه، فاننا نقرأ قطعة رائعة من الادب. انه اورويل لم يكن يهتم بنفسه كثيرا، كانت تهمه الحرب اكثر.


بعد "الحنين الى كاتلونيا" 1937، كتب اورويل ما يجسد به ارائه عن الانسان المرتعد والخالي والابله، ذاك الذي يعيش تحت احتمال وقوع الحرب في اي لحظة، لكنه ايضا يتمتع بوفرة العمل والحياة العادية، التي هي اقرب لحياة البرجوازي الصغير، فكانت رواية "الصعود الى الهواء" 1939. وهو ينطلق فيها كما انطلق في "ابنة القس" بفصول أولية رائعة عن حياة الطفل "جورج بولينغ"  في بنيفيلد، في الريف الانجليزي، انه ذاته الريف الذي يود ان يهرب اليه كل مرة في اعماله ليستريح من عناء حروب العالم. ثم يمتد العمل ليصطدم بهاجس الحرب من جديد. هذه الرواية تمثل في وعيها ما يمكن ان نسميه انتظار الحرب، وذلك بسبب الجو العام الذي شاب العالم تلك المرحلة. حيث يراوح البطل فيها بين ذكرى وآثار الحرب الاولى - العالمية، وتلك الحرب المرتقبة - الثانية. لم يتخل اورويل عن نقد الاقتصاد والعقار وتدخل الشركات بطمعها في نهب الفقراء. وهنا يمكن ان نقرأ رواية رائعة داخل هذا الانسان الضال والمحاصر بين زوجته "هيلدا" المقترة والحريصة ماديا بشكل هوسي، وبين آمال واحلام ومخاوف البطل. حفل العمل بكثير من سخرية اورويل ايضا. وافضل ان اسرد بعض الاقتباسات السريعة من هذا العمل لتمثل افكار اورويل في تلك المرحلة. " إلم تقتلك الحرب، فإنها تجعلك تفكر" = الم تقتلك الحرب من قبل، فانها لازما ستضطرك للتفكير والتنبأ بأسباب وقوعها وكيف تقع، ثم اذا امكن لماذا تقع؟.  " لم اقرأ أي كتاب أو حتى رواية بوليسية خلال فترة العمل كلها لأنني كنت دائما على الطرقات. كذلك لم أعد مثقفا وإنما كنت في القاع وسط حقائق الحياة المعاصرة. لكن ما هي تلك الحقائق؟". " أنا لست عدوانيا أو مغرورا وكذلك لست عاطلا أو عاجزا، وإنني بطبيعتي غير قادر أن أكون هكذا لكنها كانت روح العصر.". " - اسمع يا بني إنك تفهم الأشياء بشكل خاطئ، لقد توهمنا في عام 1914 بأنها حرب مختلفة وأنها عمل مجيد لكنها في الحقيقة لم تكن كذلك، وإنما كانت فوضى قذرة، ولو حدثت ثانية سأبتعد عنها فلماذا سيملأ الرصاص جسدك؟".. الى اخر تلك الاجواء. في البناء الفني كالعادة، يكاد اورويل يتورط في التفاصيل، لأنه يهمه جدا توثيقها، ولكن بكيفية ما من مدها واخراجها عن ضرورة العمل الابداعي، حتى لتشعر مرات برائحة متباينة من الدمج بين ما يود قوله من تفاصيل وحقائق وبين محاولته بناء الصورة والدفع بوعي القصة الى عقدة ما. ودائما ما وجدت في كل اعمال اورويل، صيغة خطابية مباشرة للقارئ ليضعه في موقفه، فيقول " تجد نفسك.." ، " لأنك لو رأيت...". وهي رغبة ان يقترب القارئ منه ليرى من وعيه، ولكنها فنيا صيغة ركيكة وقديمة.  تمثل الرواية في بعض جوانبها حياتين، ويحاول ان يجسد فيها بعضا من خبرته في "الطريق الى رصيف ويغان". ولم يفته هذه المرة ايضا ان يستغل المحاضرة المسائية كفرصة ليتحدث مباشرة عن الحرب والهموم السياسية، بالطبع كما يتحدث جورج اورويل،  لا كما وعينا شخصية جورج بولينغ. 


مع نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 صدرت روايته الشهيرة "مزرعة الحيوانات" وكان قد بدأ كتابتها اثناء الحرب. وهي محاولة ابداعية تسبق الزمن. فبعد ان قال اورويل الكثير في كتبه ومقالاته ومراسلاته، وجب عليه فنيا ان يفتش عن صيغة بسيطة ممكنة تخرج في قالب محبب ويسهل انتشاره في كل ارجاء العقل العالمي. لا اعرف ما الذي فجر هذه الفكرة عند اورويل، لكنها فكرة حكيمة، ان تحكي كل ذلك الحديث المعقد والنقاش الطويل الممل الصعب فيما يشبه حكاية للأطفال. والاطفال هنا هو كل هذا العالم الاعمى الذي لم يعد يفهم غير صيغة القتل والحرب والاضطهاد. يسخر اورويل في مزرعة الحيونات من الانسان وحمقه، من ادارته لشؤون حياته ودولته. انها احدى الصيغ الاخيرة الناجعة فعلا، والتي اخذت اورويل للعالمية. قالب فني صادم، لم يكتف فقط بالرمزية لتمثل حال الدولة المتسلطة، انما ضمن العمل خروجا عن قواعد يضطرها دائما هذا النوع من القوالب الفنية، -حيث يسمع الانسان حديث الحيوانات فيما بينها، فكان بالامكان اخيرا لخنازير المزرعة ان تتصافى مع الانسان وتتخذه صديقا ممكنا تتحادث معه. وهذا اللامعقول في مزرعة الحيوانات مهد لتلك اللاعقلانية في روايته التالية 1984 بعالمها الغريب المتضاد. اعاد اورويل في مزرعة الحيوانات قالبه الموضوعي في مشهد متصاعد وحركة مثيرة، مثل الاطاحة بالنظام القديم، ثم الصراع على النظام الجديد بين "نابليون" و "سنوبول"، ثم خلق ادوات السلطة لتستمر في حكمها، فتطور تلك السلطة لتتلاعب بعقول ووعي الحيوانات، فتهدد كثيرا بأن المعارضة والتنازع يعني عودة "جونز"/النظام القديم. واستطاع اورويل ان يكوّن تلك الفكرة الغريبة التي تجعل الجموع او الشعوب تحت قبضة السلطات لا تدري هل كانت في حال افضل او انها الان في حال افضل كما تزعم السلطة، تلك الفكرة صاحبته الى 1984، وكونت بناء فنيا مهما في عمله الاخير. كل شيء يعتريه المحو والتبديل دون وجود اثر على ذلك التغيير. واخيرا؛ فقد تحول الشعار من "كل الحيوانات متساوية" الى "كل الحيوانات متساوية.. لكن بعضها اكثر مساواة من الاخرين" بسخرية اورويلية. ولسوف نجد كثيرا من الدعائم الفنية الخافية في هذا العمل هي التي ساهمت في بناء رواية 1984. تنتهي الرواية لتمثل ذروة ما يمكن ان يقوله جورج اورويل في ايّ من اعماله، فقد اصبح من المستحيل معرفة من هو الخنزير ومن هو الانسان. 


سأعقد في هذه الفقرة مجالا ابسط للمقارنة بين عمل اورويل الشهير 1984 وبين مزرعة الحيوانات. واعتقد ان اورويل استقى قالب روايته هذه، وخاصة في بنائها الفني بالنظر الى استلاب الانسان والتعاطي معه لا كانسان بل كآلالة، من رواية استاذه ألدوس هكسلي "عالم جديد شجاع" 1932 ، اما فيما يخص المحركات الفنية الاخرى، فكانت هي النتيجة الطبيعية لتجربة اورويل، ومراس عبارته المصقولة المحكمة من خلال تجربة الكتابة الدائمة. المقارنة الاولى احكيها بالعكس، ان النتيجة النهائية لعالم 1984 هو تحويلهم اخيرا الى حيوانات المزرعة. ثم يمكن ان نقارن بين تلك الجهة التي تتهمها السلطة بالتخريب والافساد وتلقي عليها تبعات كل الجرائم، فشخصية "ايمانويل غولدشتاين"؛ خائن الثورة في 1984،  هو الخنزير "سنوبول" في المزرعة. نجد ايضا مفردة "رفيق" تلك التي ارتبطت بالاشتراكية، اوردها اورويل في كلا العملين، واعتقد انه في كل مرة اراد السخرية من هيئة الاشتراكية التي لا تأتي بمعاني الاشتراكية حقا. الاكذوبة في عالم 1984 تصبح حقيقة وتدخل التاريخ، وكذلك الاكذوبات في المزرعة. الحقائق تضيع وتُفقد، حتى ان الحيوانات/ ونستون واناس عالم 1984، لا يتذكرون بعض الحقائق فعلاً او لا يستطيعون ان يتأكدون منها لأنها اتلفت او شوّهت، وانقلبت الاكاذيب حقائق، وربما في ظرف اخر تنقلب هذه الحقائق الى اكاذيب. فقد كانت الحرب مع "شرقاسيا" ثم في لحظة بات الجميع يوافق على ان الحرب كانت ولازالت مع "استاسيا". "الاخ الكبير" هنا هو "نابليون" المزرعة وحاكمها، الذي اصبح اخيرا لا يرى. 


الآن اخيرا، يقف اورويل على اعتاب عمله 1984. واذا ما تتبعنا سيرة الرجل داخل اعماله التي يعبر فيها عن آراءه وافكاره من كل ما يدور حوله، فإننا سنجد ان 1984 نتيجة طبيعية لتطور وصعود الاداة الفنية لدى اورويل اضافة الى احتوائه تلك الماكينة الذهنية العجيبة في التحقيق والتحليل والنظر والحكم. لقد بنى ذلك العالم للدولة الشمولية والتي ستكون احدى ثلاث دول تحكم العالم عام 1984، حيث يدفع اورويل هنا حسه التنبؤي الى جانب رؤية عابسة متشائمة للمستقبل، وهي رؤية طبيعية تنضوي تحت تجربة حياة الانسان "اورويل" في النصف الاول من القرن العشرين، حيث كانت منطقة زمنية مزدحمة باذلال الانسان وتهشيمه، منطقة اسيفة، احتضنت حربين عالميتين وحروب وصراعات تدور في كل العالم. كان اورويل وفيا لبطله، فلم يتخل عنه ابدا، واورويل دائما لا يتخلى عن ابطاله ولكنه توقع الاسوء، وذهب الى اخر ما يمكن، حيث ينتهي الانسان، لا كنوع بل كصيغة داخلية. فقام ببناء القالب الموضوعي بما يضاد كل دعواته وآماله في تحرر الانسان من السلطة، ثم قام بتوظيف ذلك القالب ليخلق جوا عاما من اعتياد الحياة والولاء الشديد للسلطة، ثم يسير بنا داخل بطله فنتلمس الانسان كما هو وكما هو  يناضل خفيةً، وهذا البطل هو فقط عينة، للفرجة، فكل أولئك الناس يحملون في داخلهم ذلك الانسان. لكن الدولة اخذت تركز على إبطال مفعول الانسان وتدميره، حتى لا يشعر او يفكر او يفهم الا ما يُطلب اليه فهمه. نجد شيئا من التآخي بين عالم اورويل هذا وعالم ألدوس هكسلي في عالم جديد شجاع. الآن، وبعد الفكرة والموضوع، والتي هي حاضرة دائما عند اورويل، بقي القالب الفني والقصة، وهو عادة متشابه، فهذا انسان في دولة سلطوية شمولية ممسوسة بمراقبة اعضاء حزبها الاوحد كل لحظة من ليل او نهار، تحاول الولوج الى داخل روؤسهم لاقتناص ولاءاتهم الفعلية، وافكارهم. الكل مشتبه به، والكل يتجسس على الكل، اما حين يمكن للانسان ان ينفرد بنفسه ويناجي ذاته بعيدا عن شاشة الرصد، فإن كل ما يسيطر على مناجاته، هو سؤاله عن انسانه، هل هنا شيء ما، اسمه فكر، شعور، انسان؟. لقد غرز اورويل الضد في روايته ليمثل به وجه الدولة الشمولية، فالحرب هي السلام، والحرية هي العبودية...الخ. وابقى على الانسان كما هو لم يعطب او يتشوه مهما تشوه العالم والناس من حوله، ليحكي به قصته، حيث يمكن للحب/الشعور، والفكر/العالم والحرب، ان تجول في داخله، وتعترك ليفتش عن حقيقة ما ربما تدله على حقيقة اخرى فيصل بها مرة الى لحقيقة الكبرى، لكنه ربما في النهاية يسلم بأي شيء يبقي على حياته ويبعده عن ألم العذاب، كأن يسلم بأن 2+2=5. وكأنه اورويل يسأل في هذه الرواية: هل سيُقضى على الانسان؟. لم يفت اورويل ان يكتب آراءه وافكاره مع بعض اللي والتحوير في فرصة كتاب "غولدشتاين" كما هي عادته، لايصال ما يجول في نفسه من افكار متعاركة ومتدفقة.

قليلا ما نلتقي بمشكلات انسانية روحية عند اروريل، لكننا نلتقي اثناء قراءة اروريل، بحديث شيق عن الحب، ذاك الحب الذي يخرج بغتة في 1984. ذلك الضد الذي يضاد كل شيء. ومرات اتيحت له الفرصة ليتحدث عن الايمان كما في ختام "ابنة القس"، فكان حديثا به كينونة وفكرة تداعب الروح والعقل. العالم المتحارب لم يفسح المجال لاورويل ليكتب ابعد عن حق الحرية والمساواة والعدل. 




الافلام:

  - رواية "دع الزنبقة تطير" 1936 لم تترجم الى العربية حسب علمي، وصيغت فيلما تحت عنوان "  A Merry War "  - 1997.
  - قدمت رواية "مزرعة الحيوانات - Animal Farm" لمرتين، عام 1954   ثم عام 1999 .
  - عرض فيلم 1984،  عام 1984.






abuiyad