نخرج ساهمين. ننظر في وجوه بعضنا. تمر رياح حارة. السماء محجوبة بطبقات من الرمال. نتأمل المطر. تتحرك الطيور الصغيرة من حولنا حركة باهتة لا نشعرها. نستيقظ ونغيب في المجهول. انزل الدرجات المعدودة وافتش عن خبز وقطعة من الجنبة الصفراء. ومرات اعود من طريقي قبل ان افتش عن أي شيء. حتى الجوع لا يحفز للحركة. يستولي علينا شعور بالفقد والخدر والهذيان. نجتمع في الليل لنكرر ذات الاحاديث. لا نعرف اننا مرضى جدا. لا نعرف اننا نكرر الحديث. ونعتقد اننا أسوياء. وهم اكبر يقعدنا في احضانه ويربط على أعيننا عصابة قوية محكمة ثم يربت على أفئدتنا المربوطة بحزن طفولي. اشعر بالشفقة على الاحياء الموتى. انطلق الى القهوة غرا فرحا .ساعة. اعود وكأن احدهم قتل لي ابن او حبيبة. انصت لمونتو كارلو. كانت تتحدث فوزية العشماوي عن صورة المرأة في الإعلام الغربي. هذه الدولة لم تعطيني شيئا. واخذت عمري. يا صديقي اخبرني بالله عليك، ما الذي يربطني بهذا الدمار. اليوم قلت لاحدهم : أنا يمني. حتى قصور الافراح لم تخلو من الصور الكذابة الكبيرة. على الأقل شعرت انني اعوض على نفسي تاريخا من الهزال والخيبات. انام مع ساعات الصباح الاولى. بالأمس كنت بين النوم والجنون. قدمي تتحرك في هرب وقرف. نحضر المناسبات. نلتقي بنفس الوجوه المرسومة المثيرة للشفقة قبل عشرون سنة. هكذا يدور الحوار:
- كيف حالك؟
- كيف حالك؟
عند الخامسة افتح باب الغرفة الشرقية المطل على الشارع. السكون يعم المكانات، يتخلله صوت مركبات تأتي وتروح في رتابة. شعرت في لحظة اني اعيش حياة حيوان متململ. نشتعل في لحظة والشيخ الحكيم يصرخ بأجل المعاني والتحليلات. نختتم اليوم بعدد جيد من مقاطع السكس الجاهزة. تطرأ فكرة مربكة. لماذا لا نتجول ونمشي؟. هذا الفتى عاقل بين قوم من المجانين. اخبرني يا صديقي، ماذا سيقتلني؟. اتجول مع محمد شكري في الستينات في طنجة. افقد مذاق التجلي والارتقاء. لا اكاد افهم ما الذي يحدث. حركة ساكنة اخرى، تحركها ريح محملة بالتراب. الشمس كبذرة بيضاء معلقة في السماء المضببة. تتملكنا رغبة في التجدد كل يوم. تذبح في المهد. اياك يا صديقي ان تنصت لفاقدي الحياة. قد تعيش كسحلية وانت لا تشعر. بالطبع.. لقد تعرفت على سحليات كان اصلها بشري. لن تعرف حين تُخنق من حلقك وتتدلى عينيك.. وتبكي عند لحظة الرحيل، من الوهم المجنون الذي قضيته. ماذا ؟!. هل أموت الآن؟ ان هذا جدا مبكر وسيجعلني مستاءً. تزوج صديقي البارحة. استطيع ان اصف منظر صحون اللحم والارز والكرم القديم. كل شيء كما هو قبل عشرون سنة. هكذا، كما تلعب بلعبة القطار. يتحرك في نفس الدائرة من السكك البلاستيكية. يكررها مليون مرة.. حتى تنفد طاقة البطاريات. نشعر بحميمية هائلة للأرض التي ولدنا فيها ومتنا بها ونحن لا نزال نتنشق الدخان والغبار. نخرج ساهمين. نقعد ساهمين. نضحك مرات. نكرر الحديث.. ولا نعرف اننا مرضى. لا نعرف يا صديقي. يكفينا فقط ان ندري في لحظة حضور وكشف اننا مرضى. ونعرف.. هذا يكفي يا صديقي. لربما سيتقبل الله عذرنا. فهو يعرف كل شيء. عند الثالثة فجرا.. دفعت جسدي النحيل بين أكوام من الحاجات في المخزن تحت الدرج المهجور. أريد ان احفر حفرة كبيرة. ربما ان أحدهم دفن هنا قبل مليون سنة كنزا. أعطاني الرجل أرضا.
-هذه لك بشرط الا تبعها إلا حال موتي.
من أين سأحفر ؟. هذا الانتظار مؤلم وحارق. تتمسح الهرة الجميلة بسيقاننا. ولها نسل لطيف. تتحفز وتتمسح وتنافق.. تشرب الماء من اناء حديدي في طرف الحمام. هذا ليس ولم يكن يوما بؤسا. فقط يشبه حالة شريان في الدماغ يوشك على الانفجار فيخمد الانسان على الفور.. انه فقط ذلك الانتظار المؤذي قبل الانفجار. التراب يعلو حاجات المخزن. لم اجود معولا. سأحفر بعصا.. سأخمش الأرض بأظفاري. عماذا نبحث؟. يا ويلي. كأن الحياة متقاعسة.. ونحن اتفقنا مع هذا الشكل ورضينا به مغصوبين. تفتر شفتاتي الفاترتين عن كلمة " لعل الحياة شيء اخر".. " شيء اخر.. مندس". من يحفر بعصا هذه الليلة. كيف سأبيع الناس والأرض واشرد. لنتمشى على أقدامنا. لعل الحياة يا عبدالرحمن في الشارع. كم نمنا هذا اليوم.. لنندس في الاغطية ونبتعد عن الكون. التمشي مذهل. أشجار الشوك تحكم سيطرة على البلاد والأرض. متى نشق هنا جدولا.. ونشتري سمكا ميتا نلقيه فيه.. ربما استعاد الحياة. او لنتفرج فقط على الجنون. اها.. قد اتى الصيف.. والموت. اجعلني أموت يا شفيق. 
- هذا الليّ غير نظيف.. مرر فيه الماء.. يعني اغسله.. لا لا ما هو نظيف
الآن عرفت اني اخاف من الوجوه.. اضطرب. وكأن احدهم سيلقي بي من عالية في حفرة سحيقة مغمأ البصر.. قبل حتى ان يستمع لتوسلاتي الرهيبة. لنجازف يا رجل. هيا نتمشى لليلتين أو ثلات.. ونطلع الجبل.. ولتعيى أقدامنا من الخطو.. فنقعد نلتقط أنفاسا. كم نشعر بغبن الغباء. حتى الهرب لا نعرف كيف يكون. أنا سأقول.. لك كيف هو.. انه كلمة واحدة.. هكذا..  اهرب .. اهرب.. اهرب.. لا تنظر خلفك بالمرة.. اهرب.. اهرب.. روووووح.. ايوه.. لا تنظر. في ذات يوم ربما نتكأ على حائط.. ونلتقط أنفاسا.. وربما نقول وقتها   ولو في خواطر انفسنا.. ان هذه تشبه الحياة.. لربما انها هذه الحياة. يعني هذا شيء ممتاز.. سأفهم الموت حينها. وسيكون كالسلام او التبسم. 


abuiyad