لماذا " شرق المتوسط مرة أخرى " ؟


































كتب عبدالرحمن منيف "شرق المتوسط" في 1972 قبل ان ينشر أي عمل، كما يذكر ذلك في مقدمة هذه الرواية، وساهمت الرواية في كشف وفضح حالات السجن السياسي والتعذيب الممارس في السجون المنتشرة في البلاد العربية. ثم عاد بعد ما يقارب عقدين ليكتب " شرق المتوسط مرة أخرى" أو الرواية التي اختار لها اسما رمزيا "الآن.. هنا". لماذا عاد منيف ليكتب هذه التجربة من جديد. يقول في مقدمته المتأخرة المؤرخة في 1998  لرواية "شرق المتوسط"،  " وإذا كانت "شرق المتوسط" لم تقل كل ما يجب، للأسباب التي ذكرت في البداية، ولأن السجن السياسي لم يوف حقه، فقد كانت الضرورة تقتضي العودة إلى هذا العالم الكئيب والقاسي، فكانت رواية ثانية، هي " الآن ...هنا". واذا كان بعض القراء يكتفي بقراءة الرواية الاولى لشهرتها وربما لضآلة عدد صفحاتها مقارنة بـ"الآن ..هنا" والتي تأتي في ضعف عددها من الصفحات، وما الى ذلك من تكرار يعتقده القارئ. إلا ان قراءة "الآن..هنا" تضع أيدينا على تطور المبدع العربي ازاء ممارسة السلطة السياسية، فلو قدّر لمنيف عليه رحمة الله، ان يكتب "شرق المتوسط مرة ثالثة" في هذه الايام، لوجد قطعة خصبة يمرغ فيها قلمه. نعم، لكرر وأضاف، أليس التعذيب تكرار.. يضاف اليه مع كل حقبة أجواء جديدة من التنويع والتطور المصاحب!.

شهدت تلك المرحلة التي كتب فيها منيف "شرق المتوسط" بروزا واضحا للسجن السياسي في بعض الدول التي قامت فيها انقلابات، سميت اعتباطا او تغميما او خداعا بالثورات، كمصر وليبيا وسوريا وغيرها، فخنقت الاصوات المنادية للحريات،حيث راهنت السلطة على  ثقة جماهيرها، وعلى وهمية الوعي الجديد الذي ارتأته القادة للشعوب، والممثل في الاشتراكية، حتى قبلته الشعوب رغم أنف، وحتى  تعدى أثره هذا الى أدبائها وكتابها الكبار. اذاً؛ كان التركيز على مصر وسوريا وليبيا وغيرها من بلدان حوض المتوسط، ولم تقترب الرواية من السعودية. فلم تكد الاصوات فيها تصل الى الخارج وتثير شيئا مقارنة بما يحدث في الدول الاخرى، وعلى الرغم من خلفية منيف، الا انه فضل ان يكتب عن المرحلة عامة بما تمثله من أزمة السجن السياسي، وتكبيل الحريات. وخلال عقدين، وباستقراء حريص لمستقبل هذه المنطقة، فقد القى منيف هذه المرة اكثر الثقل في "الآن..هنا" على السعودية بالذات. انه التكرار فعلا، لكنه كان اكثر ملامسة لمشكلة السجين السياسي العويصة في  السعودية بالذات، وهذا يطالعنا من البداية، عند اسم احدى الشخصيات الرئيسة "طالع العريفي"، ويؤكد هذا الاتجاه لمنيف أساليبه الفنية واشاراته. من الأساليب، تلك اللهجة التي يتحدث بها العريفي والمساجين والجلادون،ومن الاشارات نجد" وزير نفط موران"، وحديثا على هذه صيغة " قلت له وأنا ابتسم: - الملوك يتشابهون، وكذلك من هم دون الملك، حسب الرتب... " " - الملوك يقررون لكن البشر ينفذون". هذا السجين انما يبحث عن الحرية للجميع أولا وأخيرا، وما نقرأه من انتمائيته لتنظيم، انما  هو اضطرار فني التزمه منيف، ويمكن  تبريره بأي حق، كحق و اعتبار حرية التجمع والتحزب، ويمكن ان نقول ببساطة ان هذا الشعب بأكمله ما هو الا تنظيم ضائع وحائر، ينشد الحرية، والعدول فالمساواة.

شرّح منيف بصيغة اكثر امتدادا وبعملية اكثر توالدا وتعقيدا مشكلة السجن والسجين السياسي، واقترب ليلامس الجرح، ويحاول تنظيفه وتعقيمه او استئصاله. فيكتب منيف بنفسه المنيفي المعروف، حيث تتوقد التفاصيل واللحظات لتتمثل بين الايدي والعقول اكثر من مجاز بل حقيقة حدثت وتحدث كل يوم. ينكأ منيف أزمة الانسان الدائمة في هذه البلاد كل مرة، يقول " لكن شرط هذا كله، يا عزيزي رادي، الاعتراف أولا بالإنسان، وهذا شرط لا وجود له في بلادنا، الآن، ولذلك فنحن لا نحس بهذه المتع، أو لا نعرف كيف نتمتع بها!". كثف منيف في "شرق المتوسط مرة اخرى"، قربه من الجلاد والسجين الصديق وكذلك ازداد قربا من الأطباء والعاملات بالمستشفى. وهو هنا يكثف من ظلمات السجن عبر تفتقات مرحلة النقاهة والخوف الذي يحاذيها، من عودة اشباح الجلادين وذكرى التحمل والتكرار والاهانة، حيث يصيب السجين قلق الانتصار على مرحلة العطب التي انتهى اليها، وحيث يصبح ترميم هذه الانسان مجرد ديكور ملقى  على جثة. واعتقد ان منيف اجاد في إحداث المستشفى ليصبح جزءً من تجربة السجن في كِلا العملين، واعتمده أكثر في "شرق المتوسط مرة أخرى". ولا شك انه استقاه من "ذكريات من منزل الاموات" لدستوفيسكي، وقد وجدت اشارة الى هذا في نهاية "شرق المتوسط"، " بدأ يقرأ " مذكرات بيت الموتى" وقد ألحّ عليَّ كثيراً ان اقرأه". لكنه مستشفى منيف، ولم يكن ابدا مستشفى دستوفيسكي. حيث يعود من المستشفى طائفا محلقا ليحكي بنفاذ وبما يشبه حكمة النهاية عن التفاصيل الدقيقة التي خاضها.

 اخذ منيف يغوص عميقا في السجن، وفي تجارب التعذيب، والتي كان قد انتشرت وشاع صوتها من خلال شهادات حقيقية كتبها المساجين الذين كتبت لهم حياة فخرجوا من أقبية السجون، والمطلع على أدب السجون يعرف جيدا هذه الشهادات الكثيرة، والتي خرجت من معظم البلدان العربية. وكم قعدت معي نفسي، فقلت : ومن لولئك الذين قضوا في نزع مكتوم عند الفجر في زوايا زنازينهم الرطبة والخانقة، او قتلوا في الساحة الخلفية من السجن، او قذف بهم الى الصحراء حتى ماتوا حرقا. لهم الله. والله يعرف. لقد لمست جدا هنا شخصية الجلاد المركبة والمزيفة، فهمت جيدا هنا رغباته وهمومه ومستواه الفكري والعقلي حتى، هذه الشخصية التي يقوم رهان الجهل وحده على وجودها وتكرارها وشحنها بايقونات محكومة قليلة من النص الديني، وهنا فهُم بإسم الله وقرآنه، وتحت شرعية الدين وشيوخه، يفتتحوا "حفلات" التعذيب. وهذا حقا ما نعرفه جيدا، في هذا العصر الرهيب وفي هذا البلد الرهيب، حيث يحدث كل شيء تحت ترديد جهوري اعمى مجنون لكلمة " الله".  

تبدأ شهادة "طالع العريفي" ببضعة أسطر، تسحبني على وجهي إلى التصغر والتحلل امام  مئات وربما ألوف المكومين في السجون الآن.. هنا، لتصفهم كما هم. ان "طالع العريفي" في سطوره الأول، انما يمثل أمامي كـ"محمد البجادي" و "تركي الحمد"، وغيرهما الكثير ممن نعرف، من طلاب الحرية الصادقين. " الأوراق التالية شهادتي، أنا طالع العريفي، أحد الذين عاشوا في سجون موران، لمدة عشر سنين متوالية. قد لا يحتاج الأمر إلى التنبيه أنني سجين سياسي، وإنني قضيت هذه المدة كلها دون محاكمة قانونية ودون حكم....إلخ" 

كرر منيف نتيجة مؤلمة في كِلا العملين، حيث يسافر "رجب اسماعيل" بطل "شرق المتوسط"، وأيضا نجد " عادل الخالدي" و " طالع العريفي"  يلتقيان في براغ. السفر، الخروج، الهرب، أمنيات البقاء بعيدا، الذي يقودنا أيضا الى أمنيات العيش في سلام، العيش في الظل، والصمت، العيش تماما كأنيس، فهو يحكي عن حاله الذي يشبه حال شعب بأكمله في هذا العصر الرهيب "... أنا بكل صراحة جبان، الله خلقني بهذا الشكل. أخاف من الشرطة ولا أتصور نفسي مسجوناً ولو ليوم واحد. لو سجنت أموت فوراً. ولذلك إذا أردتني أن أبقى صديقا اتركني، لا تلحّ عليّ. أقسم لك أنني لا أقدر. أنا معك فكراً وعاطفة، لكن لا أحتمل السجن. أنت حر. افعل ما تشاء، ولكن لا تلحّ عليّ ولا تتركني. أنا معك وأنا لست معك، كيف؟ لا أعرف. يمكن أن أساعد في أشياء كثيرة، وتسطيع أن تعتمد عليّ والأيام بيننا". وهي نتيجة مؤلمة، أمنية الهرب والخروج من الأرض التي ولدت بها، لأنها لا تحمل لك مكانا دافئا، يمكنك فيه العيش كانسان، واعتقد من أجل هذا، وقد ادركه منيف مبكرا، خرج ولم يعد. وعاد في كتب محملة بالاخلاص والعقل والحياة، تجعل الجاهل الخائف ينتفض، حين تقرر زمرة من الناس الحديث عن حالة منيف. ليس فقط لأنه يخالف منيف، بل لأنه يخاف الانسان الذي يحيه منيف. يعود البطل القديم في "شرق المتوسط" ليموت في بلده، بينما تنتهي "الآن..هنا" بما يوحي بأن حياة جديدة محملة بالماضي أيضا، ستستمر في الخارج. هكذا فضل منيف، أن يعود الجلاد "العطيوي" الى بلده بقدم مقطوعة، بينما تنتطر الضحية في الخارج، قد دفعت ما عليها من تذكرة العيش في الداخل. وحين يسعى الكل الى دفع هذه الفاتورة سيتحول الداخل الى مكان جديد يستقبلهم من جديد. 


استعمل منيف ذات الصيغة السردية الحاكية في "الآن ..هنا"، والصوت القائل أيضا، فحين تنوعت الفصول في "شرق المتوسط" بين رجب وبين اخته أنيسة، في تنقل لذيذ ومنساب، افتتح "شرق المتوسط مرة أخرى" بصوت "عادل الخالدي" يتصاعد من المستشفى ثم يعود بقصة الوعي الى الوراء، وهي تقنية يجيدها منيف ببراعة، حيث يعيد ترتيب قطع لوحته الروائية في ازاحات بطيئة ومكثفة، حتى تكتمل. ثم ينتقل لننصت لصوت "طالع العريفي" عبر مذكراته عن السجن والاحتمال وجلسات التعذيب الفظيعة. ثم يعود أخيراً ليكمل "عادل الخالدي" قصته بمزيد من التكثيف والكشف والتعميق، عن حيوات وصور التفاصيل للمكانات والشخوص، الوجوه والأنفس البغيضة الصغيرة، القيء والدم والبول، الألم الذي يبتدأ فتتجدد حكايات الاحتمال والصمود، والسير الاخرس. شتائم الجلاد ولسانه القذر وسخريته الفاضحة، وحياة السجون المختلفة المتعددة المنتشرة في البلاد. ثم أمنيات وأحلام الهرب والانتهاء.  وباحترافية اعتمدها منيف كثيرا، كتب الرواية الموازية، فـ"موران" - التي اوجدها منيف، و"عمورية"، ومن قبل، الشرق المتوسط المعمم كله في "شرق المتوسط"، انما هو كله  مكان واحد خليط، والبطل أيضا مجموع العربي عبر كل هذه البلدان الحائرة، فنقرأ في  "الآن.. هنا" لهجات خليطة عربية، مع تركيز جاء اوضح على لهجة "طالع العريفي" التي مثلت لهجة البدوي القادم من الجزيرة العربية "السعودية"، إذاً؛ فقد طوّر منيف الحوار أيضا في  "الآن..هنا"، وخاصة بعد خبرة طويلة خاضها مع نفس اللهجة في "مدن الملح"، بينما كان الحوار في "شرق المتوسط" باللغة الفصيحة البيضاء، التي لا تشير ناحية اي بلد عربي بخصوصه. في الرواية الموازية نقرأ دون أسماء، مكانات لاصريحة الا اننا نعرف جيدا من يعني وما يعني؟. اعتمد منيف هذه الموازاة في جمع ورصف وبناء تفاصيل المعيشة لتلك المرحلة للجزيرة في "مدن الملح"، واقترب اكثر من الوصفية الحياتية التاريخية في "أرض السواد". دائما ما كان منيف أمينا وجادا وصادقا ومبدعا وهو يكتب. وكل هذا كان حقيقيا جدا للغاية وجديرا بالقول والحكي والخلود.


بقي أخيرا؛ أن اقول ان شرف الكاتب والأديب ان يخلق وعيا، فاذا نظرنا الى الثورات التي غيرت العالم، نجد انها قامت على ثورات فكرية حررت وعي الشعوب، كما فعل وعي فولتير ووعي دستوفيسكي وغيرهم عبر الأدب والرسالة. واجب الأديب الحق الصادق ان يكتب من أجل وعي شعبه وأناسه، حتى وان كتب عن قصة أرنب مريض معلق بقدمه إلى سارية. ليحفر في تلك الذاكرة التاريخية والجغرافية والانسانية الحياتية والمستشرفة أبدا حياة حرة للجميع بغض النظر عن اعتقاداتهم وأفكارهم. لدينا محليا جمع من الكتاب الذين نذروا انفسهم لكتابة مذكراتهم الشخصية، وذكرياتهم المكانية، والتغني بحيواتهم، دون الخوض بايقاد شعل الوعي بحقوق الانسان التي صادقت عليها كل الشرائع والعقول، وخالق الناس من فوق ومن قبل. انه ليستحيل التغني بالحياة وتفتيت تلك الذاكرة الجميلة المترسبة لتاريخ حياتنا في مكاناتنا وعبر انسانا الجميل في السعودية، بينما لم نتخلص من ظل الانسان أسيرا  يأن تحت قيد بأن لا يحكي قولا او يقول كلمة. وكأن هؤلاء الكتّاب فضلوا "المشي جنب الحيط" فهو أسلم ويحقق لهم بعضا من الشهرة الكافية التي يفضلون الاقتيات عليها، وكأن العمل الابداعي ليس سوى تسلية يقومون بها في حياتهم مضافة الى العمل الرسمي الذي يجعلهم يعيشون.. وكأنه قد عُميت عيونهم عن حال البلد. كأنهم شخصية "أنيس" في صورتها الأدبية. وأيضا يتكرر على اذني، تعجب واستياء من دور الكلمة، فاذا كتبت وجازفت، فمن يقرأ؟!، ان مجموع من يصل اليهم كتابي ليسوا سوى بضعة آلاف ضمن هذه الملايين الصامة. كما حكى عادل الصبي في "شرق المتوسط"، " ما فائدة الكلمة؟ مَن سيقرأها؟ حتى ولو قُرئت فما تأثيرها؟"، ونقرأ بعض الاجابة في "الآن..هنا" :

" حتى تلك اللحظة كان جالساً على طرف السرير ونحن نتحدث، نهض واتجه إلى النافذة، بعد فترة من التأمل والصمت، سأل: 
- وهل تعتقد أن الكلمة يمكن أن تواجه الرصاصة؟ وهل تستطيع الأوراق الهشة أن تحرر سجيناً واحداً أو أن تفتح كوة في أصغر سجن من هذه السجون العربية؟ ( .........................)
- سألتني قبل قليل ما إذا كانت الكلمة تستطيع مواجهة الطلقة أو قادرة على تحرير سجين، وأنا أقول لك، ومتأكد مما أقول، إن الكلمة الصادقة قد لا تظهر نتائجها بسرعة، ولكن حين تنفذ إلى عقول الناس وقلوبهم وتستقر هناك، فلا بد أن تتحول إلى قوة، وتكون قادرة على فعل الكثير.
سأل بسخرية:
- أن تواجه الطلقة وتخرسها؟
- لا أريد المقارنة، ولكن أنت تعرف أن العالم لم تغيره إلا الأفكار، أي الكلمات، وقد حصل هذا منذ أقدم العصور وحتى الآن. وبالمقابل فإن ملايين الرصاصات التي ملأت الدنيا صخباً ودوياً انتهت إلى الصمت المطبق، إلى الموت، دون أن تستطيع تغيير شيء."

لقد كتب منيف" شرق المتوسط مرة أخرى"، لأن المحاولة تحتاج اكثر من مرة، بل مرات متكررة دائمة، وقال انه علينا ان نقولها كل مرة، ونعيدها، فمن يكرر هذه المرة الاخرى؟!، من المتعهدين بحمل القلم والمتجرئين على رسالته، أولئك أصدقاء دور النشر الدائمين، وقد ازعجونا بقصص وروايات الانسان الثانوي، ذاك الجزء من انسان، ليس الانسان كله بأداة التعريف. 




abuiyad