قوالب السيد هيسه

























هيرمان هيسه



استطيع ان احدد عدة قوالب فنية، تقلّبَ وتنوع فيها انتاج هرمان هيسه، ولكن قالب الهروب والعودة هي الفكرة الأم والنهائية التي سعى إليها هيسه فنيا، بينما تشكل القالب الموضوعي الأكبر أو النهائي في التأمل والاجابة فالوصول. وهو يناقش في قوالبه موضوعات تطغى على القصة، كمشكلات الصفاء واليقين والقلق والجمود باعتبارها مشكلات اعتيادية طبيعية وانسانية تحمل زخرفة شيقة من المعالجة، ولكن لتستقر على أرضيات صلبة من موضوعات كبرى كالوجود والفناء، ثم البحث عن سبل الادراك والوعي بها كقضايا عظيمة تهم الانسان والانسان الباحث. وفي بدايات هيسه نلحظ المساحة التي يمكن ان نقرأ فيها محاولاته لايجاد قوالبه التي ترتضيها موضوعاته وتحتملها. فنقرأ في "المغامرة الأولى" بعضا من قصصه المصورة لواقعه ومشكلاته الذاتية آنذاك 1904 -1909 تقريبا، كقصتي " من داخل الورشة" و " الميكانيكي المساعد"، فهو ينقل احدى تجاربه التي عاشها في حياته، عندما تنقل بين عدة أعمال منها عمله كميكانيكي في ورشة. وهذه البدايات عززت حبكاته الفنية بتنوع القوالب والقصص، فنقرأ تحليله للشخصيات، وتصويراتها الرومانسية، في صور اكثر تنوعا  -كان يحاوله هيسه عبرها ان يجد موضوعه، فحين تمكنت منه بقي أسيرها وحافظا لعهدها، ومع اننا سنقرأها معروفة ومكرورة في قصص وأفكار وأبعاد اخرى إلا انها تزداد ثراءً وعمقا. ونلمس بحثه هذا عن القوالب الفنية والموضوعية، في  قصص"أحلام الناي" وهو يرتكز كثيرا على الغوص في الطبيعة، وكشفها، وشق طريق بينها وبين طبيعة الانسان لتتمازج وتندمج بها، ولتفهم النفس هذا الوجود فتتماهى معه. وقد جلب هيسه الطبيعة معه كقالب مشترك رئيس في أعماله الروائية فيما بعد، فلا يمكن ان تقرأ عملا له دون تجد صلاة هيسه واعتناقه وتقدسيه للطبيعة، كما نقرأ في "سيدهارتا" ارتكاز القالب الموضوعي والفني على الطبيعة والنهر والغابة باعتبارها صوتا موجها ودليلا للهارب في طريق عودته الصعب. والطبيعة والغابة هي أيضا سنوات الضياع والتجوال والتشرد التي ابدع هيسه خلقها فجعلني اعيش حالما في حيز من الفوضى المتعمدة، وفي وقت  اللازمان. الهروب والعودة هو موضوع هيسه الرئيس في رواياته، ويحضر هذا القالب بمعالجة جدية شائكة وصادقة في "سيدهارتا" على سبيل المثال، فتبدأ الحكاية بوجود البطل في طريق يشبه طريق العودة بما فيها من الزهد ومقصد تطهير النفس، لكنه يرفضه من أجل رحلة الهروب والتجربة والاختيار، ثم يسعى ليغرق في شهواته حتى يتجبر ويتسلط ويفقد ذاته، فيخور ويعود الى بوذا وطلاب بوذا، وهي طريق عودة للعائدين، لكنه لايزال يفتش عن عودته الخاصة الخالصة فيجدها في الطبيعة والنهر وملاحة النهر، واتخاذ الملاح صديقه ومعلمه، حيث الزهد مرة اخرى والتطهير بالصوم والانتظار والتفكير، والبحث عن الخلاص عبر التأمل فالوصول. وهنا يحاول هيسه ان يصيغ معنى الهروب والعودة لتكن جادة وحقيقية وتصل بالنفس إلى مرادها من الوعي بالهروب والوعي بالعودة.

في رواية " تحت العجلة" وهي من أوائل أعماله، يحكي هيسه ما يشبه سيرته الذاتية، وتنقل فيها بين البطل "هانز" وارتحاله للمدرسة الدينية. وهذه هي القصة الواقعية لهيسه، التي تقول انه هرب من المدرسة الدينية ورفض رغبة والده المبشر باعداده كقس ورجل دين. وهنا يوزع هيسه شخصيته بين البطل بما فيه من سمات الهدوء والتأمل والسؤال وبين شخصية ثانوية "هاينلر"، يصادقه البطل في المدرسة، وفيه صفات رفض المدرسة  وتعاليمها وأسلوب الحياة المتزمت فيها. وهذه الواقعة في حياة هيسه صاحبته كقالب فني وموضوعي في معظم أعماله ولم يستطع ان يتحرر منه وبقي أسيره حتى حوى أكبر وأعظم أعماله "لعبة الكريات الزجاجية" التي حصل بها على نوبل. ولذا نجد الدين والتدين في أعمال هيسه كموضوع هام يقبل في صورة اليقين والصفاء والعودة بعد الهروب. وفي موضوعاته في كتاب "التجوال" الرائع يتحدث بحب عن المسيحية وكيف يفترض فهم التدين عند القس ولدى المتدين البسيط، وبعضا من ذكرياته وتأملاته في الدين المسيحي. وكل مرة يعود هيسه للمدرسة الدينية، في "نرسيس وغولدموند" حيث تبدأ الرواية من الدير، وكذلك في "دميان" يعود في الفصل الرابع إلى المدرسة الدينية الداخلية، ونجد هذه الأجواء التي يحدث فيها تلقي التعاليم في "سيدهارتا" و غيرها من الاعمال. 

كان هيسه مهتما ومنغمسا جدا في الموسيقى والرسم والشعر والنحت، ان هذه الموضوعات هي الارتكازات الرئيسة في شخوص اعماله، ففي رواية "ذئب السهوب" يهيم البطل المنعزل الذي رفض الحياة الصاخبة من حوله في موسيقى موتسارت، وفي رواية "غرتود" البطل هو شاب موسيقي يحاول ان يتعاطى مع حزنه وانعزاليته بتأليف الموسيقى والتعرف على استاذ موسيقى يساعده في الاشارة الى المخزون الموسيقي الهائل في جوف البطل، واستحثاثه على الخروج في شكل سمفونية. وفي "لعبة الكريات الزجاجية" الموسيقى هي احدى المواد الرئيسة في مدرسة كالستيا، وفي العصر الكاستالي. وتشابه تفاصيل القوالب والشخصيات متماثل وغريب عند هيسه، فالبطل في "غرتود" هو موسيقي منعزل غير مشهور وغير ملتفت إليها، يقدم موسيقى عظيمة، وكذلك الرسام في  رواية "روسهالده" هو رسام وفنان مبدع ومنعزل يرسل لوحاته لتباع في باريس، لكنه أيضا على قدر عادي من الشهرة. وهذه الرواية أيضا تحتنض قالب الرسام وحياته وانعزاليته، بينما تحفل رواية "نرسيس وغولدموند" الرائعة بهيام غولدموند العجيب بالنحت، واستلهامه كدليل صفاءه وعودته من هروبه وتشرده وتجواله الطويل. ونجد شاعرية هيسه في تصورياته ووصوفه المعمقة والشجية الهائمة، اضافة إلى نصوصه الشعرية التي نجدها في كتاب "التجوال" البديع، وفي فصل "قصائد التلميذ والطالب" في "لعبة الكريات الزجاجية" بوضوح، مع ما يعتري الشعر كثيرا من مشكلة الترجمة، بالطبع. وحين نبحث العائلة عند هيسه، فهناك مشكلة من الاشتباك وسوء التعاطي مع الأب والأم كما حدث في حياته، وكثيرا ما نفقد الأم في أعمال هيسه، فتكون غير موجودة، او ترحل مبكرا لتحل كإثم عالق لا تعرف الشخوص كيف تكفر عنه، وقد نجد شكلا من ملتبسا من العلاقة مع الأم كما في رواية "دميان"، وتجسدها الطبيعة في "نرسيس وغولدموند" فالطبيعة هي الأم في هذه الرواية، وفي أحيان يميل هيسه لمحاولة احلال شكل ما من التراضي والتعاطي بين الطرفين يتفقا عليه، كما في "غرتود". وكان هذا يؤثر فيّ كثيرا، لأني امر بمرحلة معقدة من هذا النوع في التعاطي مع الأم والأب.

من القوالب العجيبة عند هيسه، الصداقة، والعلاقة التي يمكن ان تحتمل صداقة بين تلميذ وأستاذ، فيمرر شخصية المساعد والخادم كاطار لشخصية التلميذ التي تقدس المعلم وما يخفي في نفسه من تعاليم وأسرار وفنون، يخلص الطالب ويتذلل ويوقف نفسه ليثبت جدارته واستعداده لمعرفتها وتعلمها، ويظهر التلميذ دائما في هذه الصور من التوسل والتذلل والخضوع لمعلمه، ولا اتذكر ان احدى روايات هيسه التي قرأتها كانت تخلو من هذه القالب العجيب، ولا شك ان اثر وذكرى المدرسة الدينية وأساتذته لم تبارح هيسه طوال الوقت. فالصديق هو قديس يحمل أسرارا وأشياء خفية، يظهر هذا جليا في رواية "دميان" الصديق المبهر الأعجوبة، الذي يساعد البطل ويحرره من بعض مشكلاته، ويلقمه بعضا من رؤوس الأسرار وما يستبطنه من القوة الذاتية، ثم ينقطع عنه، ويضيع البطل في رحلة الهروب المعروفة عند هيسه، ثم يلتقيه أخيرا في طريق عودته، ولا زال "دميان" الصديق بكاريزمته العجيبة وبديته ونباهته وغموضه وعمقه. وفي "سيدهارتا" يصبح  الملاح "فازوديفا" الصديق هو الملجأ الاخير والدليل الوحيد للتوحد بالوجود والتجهز لرحلة الفناء عبر الالتحام بالطبيعة/ النهر. وحاولت ان افهم واحل عقدة مراد هيسه عما يود دائما ان يقوله عن الصداقة، وقوانينها الغريبة التي توفرها وتحكيها العلاقة التفاعلية ذاتها حيث لا تحمل أي صداقة قوانين ومفاهيم ابتدائية قبلية، فالصداقة هي الجانب المريح والمتوتر في اعمال هيسه، نجدها في "روسهالده" مريحة كأنها ركن للصفاء والراحة، وهي في "غرتود" متوترة شاذة وغريبة، بين البطل واستاذ الموسيقى. ان هناك حالة من التقابيلة بين التلمذة والعبودية  في مقابلة قديسية المعلم والاستاذ، ويمكن ان اقول ان لدى هيسه هوس نفسي غير مفهوم ربما ينطلق من تجربته القديمة تلك، باحضار شخصية المساعد، فالاستاذ المساعد، والصديق المساعد، والبطل ذاته المساعد والذي يرتقي في مساعدة استاذه أو "عرابه" والمقارب دائما له في العمر، ليتحصل على رضاه والجدارة بصداقته ومن ثم معاملته ومقابلته كالند للند. 

في رواية "دميان" نقرأ مشكلة إله الشر "البراكاس"، التي تمثل خيوط أجوبة العودة على أسئلة الهروب، وسعي البطل لاعتزازه بتجربته الشخصية في محاولته لفهم الخير والشر. ومع ان هيسه جمع في هذا العمل مشكلات الصداقة والطفولة والموسيقى والرسم والعزلة كعادته، إلا انه راح يؤكد هنا على قالب مهم في رواياته يتعلق بالفهم الفردي والاجابات الشخصية المتفردة الخاصة بكل انسان، وباحترام وحب سعي كل تجربة لكل انسان للنفاذ الى وعيه الخاص خاليا من تعاليم الجماعة، فنقرأه أيضا في "سيدهارتا" والبطل يسعى ان يفهم اجوبته وفقا لمجرة عقله وتأملاته خاليا من تعاليم جماعة بوذا.  وقالب التجربة الفردية الشخصية يمثل طبيعة الشخصية في أعمال السيد هيسه، واحترام الوعي الذاتي بهذه التجربة مطلب ضروري في وعي الشخصية، كالوعي بالخوض في الخطيئة وكذلك الوعي بالعودة، وهذا التركيب الفني الثابت انما يشير دوما الى الاحترام والثقة بما تتوعاه التجربة من الوصول والجدارة بأحقية الوصول. 

وإذا كنت لا ازال احاول ان افهم السيد هيسه، فإني وجدت من الممتع أحيانا ان اقرأ السيد هيسه ذاته، حيث انه صادق ومخلص لاسئلته الداخلية وحيرته وتأملاته. وقارئ أعماله يجد لديه أحيانا سذاجة فنية في التغلب على قوالبه وتفاصيل القوالب، على الرغم كما ذكرت سابقا من العبقرية في اثراء هذه الموضوعات في كل حين وفي كل مرة يحكيها داخل اطار عمل ابداعي مختلف، فهناك شكل من التكرار والتشابه في تفاصيل القصص، فعلى سبيل المثال، اتذكر كيفية حصول المتشرد/البطل في "سيدهارتا" على عمل بسبب اتقانه اللغة اللاتينية واليونانية، ثم العمل مع رب العمل كندّ له، ونلتقي بذات التفصيل الغريب في "نرسيس وغولدموند" حين يود المتشرد/البطل الحصول على عمل. انه التشابه اللطيف في تراكيب التجول والتشرد والتماهي مع الطبيعة. ومثال اخر يتعلق بالنفاذ النهائي لتحقيق معنى البطل من السعي، سواءً كان موسيقيا او رساما او نحاتا، ففي "روسهالده" يرغب الرسام في رسم لوحة أخيرة تحمل كل وعيه ورغبته النهائية، لتجسد طفلا بين أبويه، وفي "نرسيس وغولدموند" يرغب غولدموند أخيرا في نحت تمثال الأم ليجسد تجربة وعيه النهائية والأخيرة، انها الفكرة المتلبسة التي تمثل له النهاية والعبور إلى الفناء والخلود. تفصيل علاقة الطفل بالبيت وأصدقاءه الأطفال، نجده في قصة "أزمان الطفولة" في كتاب "المغامرة الأولى"، ونجده في الفصول الأولى من "تحت العجلة"، وكذلك في "روسهالده" و "دميان" بشكل أكثر وضوحا وتشابها. وكذلك حضور الثقافة الدينية الهندية في اعمال هيسه، حيث تتشارك بعض اعماله هذا التفصيل، كـ"روسهالده" و "سيدهارتا" و "لعبة الكريات الزجاجية"، وهذا يأتي من خلال تجربة شخصية  تختص بوالدي هيسه وعملهما مبشرين في الهند عدة سنوات، وكذلك رحلة هيسه الى الهند. 


أخيرا، فان فهم هذه القوالب خلق شكلا من متعبا من التنبأ، فكل مرة كنت اتنبأ بها بحدث قادم كان السيد هيسه يوافق هذا التنبأ، وشعرت كثيرا بهذا الضعف في مجمل ما قرأته من اعماله. وخاصة في العمل الأخير له، والذي قرأته أخيرا "لعبة الكريات الزجاجية"، فكم شعرت بالاشفاق على السيد هرمان هيسه، ورحت اتذكر القالب السحري البديع المشابه لهذه اللعبة في نهاية رواية "ذئب السهوب" وعيشه في قوالب روايته دوما. شعرت بالاشفاق على السيد هيسه وهو يكرر ذكراه التليدة، ويخلق جزء كبير من العمل فيما يشبه المدرسة الدينية، تقوم على التراتبية الهرمية، ولكن لتكن معلما موازيا للعالم الخارجي، انه عالم بقوانين خاصة ومعقدة منعزلة عن عالم الدنيا، انه عالم أفلاطون، العالم المثالي، والعالم الشاعري، والذي يعرف جيدا السيد هيسه انه لن يكون ، لكنه يقدس حق التجربة، فيهرب منه أخيرا. وعلى الرغم من ثقافة هيسه الكبيرة والمتنوعه والتي وظفها في العمل، الا اني كنت مشفقا وناقما كثيرا، فهذه الرواية التربوية، هي كتاب لآراء هيسه الأخيرة عن عصر الصحافة والذي أسماه "عصر صحافة التسلية" وعن الفنون والتاريخ والفلسفة  وغيرها في اطار القالب الفني المعروف عنده ومن تداعي التجربة الشخصية للبطل يوزف كنشت والتدرج في تعلم لعبة الكريات الزجاجية، ووقائع التفاعلات الانسانية من اناسين هذا العالم الغريب. وربما كان من المفضل ان اقرأ هذا العمل أولاً قبل حتى ان ارسم للسيد هيسه عالمه، فهي رواية عظيمة كتبها على مدار اكثر من 10 سنوات، وهي أيضا تحمل أخيرا قالب الهروب والعودة، وتحمل التدرج في أخذ التعاليم، والاستاذ المساعد، والانعزال والجمود والجفوة والانضباط، انها الفوضى النهائية الرائعة التي أراد هيسه ان يحكيها، وتمثل مقابلة لزمن الحرب والفوضى العالمية التي كتبها فيه. كم اشفقت على السيد هيسه.. في هذه الرواية، وعلى عوالمه وأفكاره وكأنها لم تعطه السلام الذي أراده وأخذ يلوكها لا أكثر - مع اني احترم، كما علمني السيد هيسه، تجربته الخاصة واحبها من أجله. وقلت مرة في منتصف العمل العجيب : يا له من هراء كبير مُحكم!. 



اجمل الاعمال بالنسبة إلي هي غرتود ونرسيس وغولدموند و روسهالده..


abuiyad