مالم يقال في نزهة الدلفين القرنفلي الناعم








الدلفين كائن فاتن يدل على خالقه الجميل










نزهة الدلفين 
يوسف المحيميد
141 صفحة 
المركز الثقافي العربي




أقدس جدا وقت الظهيرة، هناك علاقة دفينة به، وغالبا ما أجعله وقتا للاستجمام والتنور السمائي. لكن  هذه الظهيرة رمتني بالويل والجلد والحرق. وفاتني كثيرا أن افتعل الحياة والموائمة مع هذا الكتاب الغريب. فمنذ أولى الصفحات والكاتب يظهر في صورة عجائيبة من الروعة والأناقة وذكاء العلاقات العامة الذي لا يحسد عليه. وهذه مزايدة أثيرة وممارسة خرقاء، حين يخصص الصفحات الأولى من الكتاب، لما كتب عنه من عبارات التقريظ والمدح، فهذا إنما هو تسلق على ذائقة القارئ ومحاولة سخيفة بائسة لرسم انطباع أوليّ ممتاز عن العمل، والحق أقول أن العمل بعد قارئته ابدع من هذه المحاولة الجادة في مخاطبة وجدان ووعي القارئ حيث تصبح المراهنة قابلة للخسارة دون مقابل سوى ضياع استجمام الظهيرة الرائع. ومن بعد إعجابي بعنوان الرواية الجذاب حقا، فقد شق عليّ الزج بكلمة "دلفين" ومشتقاتها في النص، ولصقها عند كل وصف أو تصوير، حتى إني اتذكر مذاق الدلفين في فمي عدة مرات يكاد يقطف لساني ويقيني بوجودي. واسمح لي أن استشهد كثيرا في هذه المقالة، وربما سأطيل عليك، ص 18 " كأنما داهمها قنوط يكفي لتجفيف كل البحار، وقتل كل الدلافين القرنفلية، فقررت أن تقضي على دلفينه الحنون! هكذا اكتشفت أنها لم تقتل دلفينه فحسب!"، وعلى هذا المنوال يسبح الدلفين الرشيق في فمي بكثافة وتوالد طوال فترة الظهر المجيدة. وترى كل صفحة كم تزخر بعدد محترم من كلمة "دلفين" بما يؤهل فعلا الرواية لتسمى بالرواية الدلفينية التي قتلتني، وقتلت فيّ الايحاء الذكي الجميل لهذه المفردة.


 فشل الكاتب في ترتيب لغته لتوحي بالحدث في معظم العمل، ص17 "القاعة كانت مزدحمة قبيل دخوله، كان يدخن بشراهة في الممر وسط محبيه وأصدقاءه، كانت المرأة الشابة ذات العينين الواسعتين، تتأمل عينيه...." وهذه اللغة و "الكانات" بهذه الرصف إنما يجمد بها الكاتب اللحظة ليفجر مفاجأة ما تحل بغتة، لتوحي بوعيٍ ما يؤثر في البناء السردي، وهذا مالم يحدث، ومثل هذا الموقف يفترض أن تصفه لغة مطردة باعثة. وفي سياق اللغة المشكل، فقد جاءت على طول العمل غير مترابطة ولا متصاعدة ولا متتابعة، ويظهر جيدا أن الكاتب يعاني ليصف الكلمات بجانب بعضها باعتبار زهو الكلمة ورونقها دون فعاليتها، ولا يعنيه أن تتسق في البناء للجملة أو للفصل أو للعمل بأكلمه، فهي هنا لا تخلق وعيا بجزء بنائي من القصة، بل قرأتها كشكل من تورط الكاتب بالحكاية والرواية السيئة والمفككة والمرتبكة والتي تقوم على فكرة مثلها. وهذا المقطع يلخص جودة اللغة  ص18 " خرجا معاً إذن، آمنة وأحمد الذي يقرأ في علم النفس أكثر مما يحلم، خارجا وتركا الشاعر يقرأ قصائده كما لو كان يطحن حجراً، كان يتأتئ ويتلعثم، كان يخطئ ويعيد، يرفع المنصوب، وينصب المرفوع، كان يجر الكلام مثلما يجر البائع العجوز عربة الذرة أمامه الآن، إذ يجلس في مقعد أمامي لسيارة أجرة، تحمل في مقعدها الخلفي قاتلين، كانا قبيل ساعتين أحب مخلوقين عنده!." وكانت "كان" تطحن رأسي، وكنت صابراً جلداً.


وخاطبني الدلفين في فمي: عليك حقا أن تسارع بترك هذه السلبية وخلق فكرة حسنة عن هذه القصة العجيبة. وقد كان محقا، وابتدأت اقترب خطوات من الشخوص، هناك رجل طويل مبهم، هو أب أو كأنه أب كما يصوره الكاتب، وآخر اقصر منه على كل حال، وهناك آمنة، شخصية لها دور مهم، في العملية الدلفينية الهامة في العمل، هي مخطوبة ولا يظهر هذا إلا في آخر العمل، مع ان مثل هذا التفصيل مهم أن يأتي في البداية ليساهم في ايقاد نار الظهيرة تحت خشب هذه العقدة، وهي أحبت القصير، ثم لم تتأكد من حبها له أو هو لم يتأكد، أو انها لم تفعل شيء وهو لم يفعل شيء، أو ربما لأنها احبت الطويل أيضا، ولكنها قعدت تتنزه معهما هكذا في شوارع القاهرة، دون أن تمارس أي نوع من التقدم العاطفي أو الدفع الفني، سوى العملية الدلفينية التي رآها الكاتب، أوووه ما ابدع هذا. لقد كنت استجم هذا الظهيرة في مستنقع موحل من السراب. أرأيت أيها الدلفين، انه شكل من الحب المخبأ والمنتوف ريشه بين سعودي واماراتية ورجل آخر طويل له جنسية خليجية نسيتها، أعتقد أنه سعودي أيضا، لا يهم كلنا خليج واحد. هي كاتبة قصة، وشخصية من يُفترض أنه بطل شاعر اسمه خالد، والطويل اسمه أحمد، وفي القاعة تحدث خالد مع سيدة محجبة، فغارت آمنة، ثم لما ركبت التاكسي جلست مع أحمد الذي مسح على يدها، ومن هنا يمكن لنا أنا وأنت أيها الدلفين القرنفلي اللطيف، أن نفجر مشكلة القصة البديعة، وندور حولها حتى نتقيأ، وننام في المستننقع، والله المسدد. ولكن هل لاحظت معي الوسط الثقافي الماتع الذي حدثت فيه القصة، شاعر وكاتبة قصة، أوووه ما امتع الثقافة، أنا اتفهم يا صديقي أنه يحدث هذا كثيرا بين أهل ثقافتنا حين يلتقون في الخارج أو الداخل، فالمكان في هذه الرواية هو مجرد فنادق في مصر ودبي ولندن وقليلا من تبوك وقليلا من حقل وقليلا من الرياض، لنقل الأماكن التي زارها المؤلف في حياته ويحب أن يأتي بها في العمل، ويبهرنا بجولاته الواسعة، وهذا ليس عيبا بالمرة. إني اتفهم أن من حقهم أن يخلقوا قصصهم الخاصة، ثم يشطحوا في خيالاتهم وقد يودعوها رواياتهم. أيها الدلفين القرنفلي الناعم، شكرا لك على النصيحة، اشعر بتحسن الآن. ولكن يا صديقي هناك كارثة البناء كله، لا يمكن أن اتغاضى عنه. لقد انسلخ كل شيء عما يمت له، انسلخت الشخصيات عن الاعتبارات الفنية لحضورها في القصة، فالشاعر الذي يظهر شكليا أنه شاعر، يموت فنيا في وعي القصة، ولم يخلق له الكاتب مناخا داخليا محكما له، إنه في القصة أبعد ما يكون شاعر، بل هو ممثل فاشل استأجره الكاتب ليمثل دور شاعر في العمل، لاحظ أني كررت كلمة شاعر هنا اكثر من وجودها في العمل، وهذا الشاعر أيضا مدرس جغرافيا مستقيل ومهتم بالآثار وكان قد درس في كلية الطب، بديع هذا كله، لكنه غير موجود في وعي القصة، إنها مجرد كلمات تلقى في مكان واحد دون متابعة فنية. ثم العلاقة بين الشخصيات فقدت منطقها، ولذا فقد تخلخلت امكانية رسم بنى في القصة عبر الأحداث، أما أعظم الأحداث فهو مسألة الاجترار الرهيب لعناق اليدين، ونتيجة لذلك لم تتبرر العلاقات بين الثلاثة جيدا لنفهم اشكالاتها جيدا، فنتنبأ بمكامن مشاعر الخطورة أو الخوف أو الفرح والاغتباط، ولذا فقد حفلت بعض الفصول بالعودة لأحداث خاصة ببعض الشخوص لا تسهم في الحبكة أو إحداث فوران في السرد، فقرأت ضروبا من الحشو، على النحو التالي، وهي مجرد أمثلة لا أكثر:

- 42، الفصل 9، قصة من التاريخ، يلبسها خالد، ثم يضيع الكاتب في فوضى من الخيال الشاق الخالي.
- 48، اضافة مؤذية عن الصغار الذين تسلقوا سيارة الأجرة، وقلت لنفسي: ربما أنه شهد مثل هذا الموقف في حياته في "الحسين"، وقال: تخليدا لهؤلاء الصغار سأكتب عنهم. أوووه لقد دمرهم، هذا التفصيل مثل شوكة السمكة التي تتورع كثيرا في الأكل لتصطادها، لكنها على كل حال تصطادك ولا تشعر بها إلا وهي محشورة في حلقك، وعلى هذا يا أخوتي في العالم، كانت كثيرا من الاضافة في هذا العمل.
- 68، في هذا الفصل كان يتحدث عن فندق وقبلات ومصعد والطابق الأول والغرفة 119، أما المقطع الأخير فحالة غريبة، إنه يشطح تماما، ويتحدث عن حب خالد للأساطير، ويكذب روائيا عن حب آمنة وأحمد للأساطير أيضا، ولقد كبرت حينها، يعني قلت " الله أكبر"، فكيف لهذه القصة أن تجمع كل المصادفات الفاتنة في سطر واحد. وقلت لنفسي، لربما أنه يهيأني  للفصل الذي يليه، لكنه يا للعجب وللرومانسية البديعة، راح يرسم لنا لوحة شاطرة عن الشاعر الذي بكى في غرفته بالطابق الثالث. هذه الظهيرة باتت معذبتي. 
- 82، الفصل 21، فصل كامل لا علاقة له بالقصة، أحدهما كان في الرياض ويريد أن يزور السجن، وتفاصيل ميتة وما إلى ذلك، ثم نعرف أنه أحمد، وماذا بعد أيها الدلفين؟، لا شيء.  ولكن قل: ما أجمل الهراء مطبوعا.
-93، الفصل 42، قصة لوحدها هكذا من ماضي أحمد، لم يستعمل الكاتب وعيها في الرواية، من أجل الله، أيها الدلفين، اقرأ، واخبرني أنها ليس من روائع الحشو الخالدة. 
 لقد ضاع من بين الكاتب أن يحيك بنى واضحة ومبررة، لأن الشخوص ليست مرسومة بوضوح، وكان يجب أن يخلق مثلاً، وعيا أولياً بدقائق علاقة الصداقة بين أحمد وخالد، وهذه الصداقة التي تجمع الثلاثة غير مفهومة بالمرة. أين سببها الرئيس، أين وجوهها. لا شيء، كل هذا ضاع في فمي مع الدلفين اللطيف الكثيف. وفي الإطار العام لبناء الرواية، نرى انتزاع الوصف عن الموصوف، حيث تصبح الكلمة مجرد شعاع لا يتناغم مع المادة أو الحدث أو الفعل الموصوف، والروائي الذكي، هو الذي يحيل القارئ على مخيلته وتنبأه ويستنهض فيه مهمة الايحاء الذي تخلقه الكلمات قبل أن يوافقه الروائي بتمرير الوصف أخيرا، كان هذا الانتزاع بدلا عن خلق وعي الإيحاء، وهذه مباشرة فجة، صدر عنها محاولات إحلال الشعور بطريقة رياضية، وتركيبه بصورة بنائية فاترة برصف كلمات الظل في الأحداث، حتى لكأن الكلمات تهرب من أن تركب على الأحداث. 


هناك مشاكل عدة في الأصوات وانتقالها، ويمكن لي أن أعيد تعريف هذا العمل لأقول: أنه عبارة عن فوضى من كل لون، فالأصوات غير محددة ولا مفهومة، فهو يكتب مرة عن خالد ثم ينتقل في  الفصل الذي يليه عن أحمد، فتعتقد أنه يواصل الحديث عن خالد، ثم يباغتك بالتنبيه لإسم أحمد، فيحدث في رأسك انقلاب ما، يجعلك على كل حال ترسل سباب ما. وأحيانا كثيرة يتنقل الكاتب في الصفحة الواحدة بين 3 أصوات، فأولا يتحدث الروائي  العظيم عن الحدث، ثم فجأة يدخل ضمير المتكلم، ويتدخل الروائي من جديد فينبهك إلى أنه -خالد يفكر-:
1- -يفكر خالد- 32 . 2- خالد يفكر 40. 3- كان الشاعر يفكر 51. 4- تفكر آمنة 105. وغيرها، ثم ينتقل الصوت في نفس الصفحة لشخصية أخرى، ويحصل لك حالة من الانحباس اللحظي ويطير فوقك جيش من الذباب، ثم تود لو تعود إلى الحياة فتسر لها بمقدار حبك لها، وكم هي جميلة، وتسأل الله المطر. ومن ولوغ الأصوات والفتك بكل جمالية يمكن أن يخلقها لنا الابداع، هو أن تقول كل شيء، وتقوّل كل شيء، ص 47" مر بجوارهم رجل مجنون يمسك طرف جلابيته الملونة، ويزعق كلما رأى رجلا أنيقا بلباس رسمي"، ممتاز يا للروعة، هكذا نعي أن للمجنون عالمه الخاص وقوانينه التابعة لعالمه، ولكن لنتابع " كأنما يقول أنتم أنيقون ومتماسكون في الخارج، أما في الداخل فأنتم مرتبكون ومهزومون، وأي شيء يبدد أناقتكم الخارجية!"، هذا هو الولوغ، و"اللقافة" ان صح التعبير، وهذه هي سذاجة التقويل، كأنك طفل تقعد وتقرأ والكاتب يلقنك ما خلف الكلام ويزودك بروعة التأمل، والله المستعان. ويتنقل الكاتب بين أصوات مختلفة، ومن أعجبها الصوت المسرحي الخطابي الدرامي ص 51 " كان يفكر لو تمهل قليلا، وعاد إلى بلدته حقل، وغاص في خليج العقبة"، ممتاز وماذا بعد ؟، " لتبكيه طوال الليل جبال الزيته شرقا، وجبال سيناء غربا، وقد يستيقظ رجال غرباء من مدافنهم أو من بيتوهم الجبيلة في جبل اللوز، و"هو" يحملون جثته بصمت رجال غرباء وخالدين!"، -"هو" خطأ مطبعي، والكتاب في طبعته الثانية، وهناك الكثير من الأخطاء-، إني افهم هذه اللغة، وأقبل بها هذا إذا ما وظفها الكاتب في طوال خط السرد، لكنه يزج بها هنا هكذا لتعني لي مفهوما بسيطا مكرورا اسمه "الحشو المجيد". وكالزج بدريدا وبارت ونيتشه  135 كشخصيات فكرية وثقافية يهتم بها أحمد، لكن هذا هو الانتزاع الذي قلت عنه، فلم نعي أحمد بأحد هؤلاء، والكاتب حين يصر على دريدا وأنه تفكيكي وأن أحمد كذلك، فأين أحمد التفكيكي في الرواية. إن أحمد هو الإيسكريم السائح في هذه الظهيرة المنيلة بنيلة. أشكرك جدا جدا، يا صديقي الدلفين، لانصاتك، ولا زال هنا بعض الكلام. وإليك مثال آخر على هذا النشوء الحشوي الوصفي الرتيب الفاتر 19"رائحة الموت تنتشر في الأنحاء، السيارات مثل جنائز يحمل نعشها أربعة صوب المقبرة، ومنبهاتها نعيق ندابات يلطمن صدورهن، رجل المرور عند الإشارة مثل حارس مقبرة، كان يمشي في قلب الموت قبل....إلخ". 

لقد تبين لي أن الكاتب يمارس حسا من الداعبة عاليا جدا، وهو أيضا يضاجع روايته عشرات المرات، وينفس عن مكنوناته الجنسية الخيالية في كتاب يطبع وينشر ويعاد طبعه، وتقرظه الصحف. إن القارئ ليعي جيدا الفرق بين احلال مشكلة الجنس كوعي ضروري للقصة، ويعي احلال الجنس كمشكلة في تكوين مجتمعي أو شخصي يلامس به بواطن المشكلة وإلم يسعى لوضع انفراجات الحل، أما الجنس في هذه الرواية، فهو تفريغ لخيال الكاتب الذي يحلم به في وسطه الثقافي ربما، وفقا لشخوص القصة، وكان يفضل لو يحتفظ بها لنفسه، ولا يشغل به ظهيرتي الفاتنة. وبين حرائق هذه الظهيرة وأنا اصرخ " يا دين الدلفين القرنفلي الناعم"، وبين هواء عليل دافئ يتخلل هذا الصراخ، لم يستطع الكاتب أن يجتذبني لاندس في أحد شخوصه وأتلذذ بالخسة. وهنا فقط سأدون مضاجعات الكاتب: 
- دعوة للمعاشرة 23. - تضاجعه طوال الليل 25. - عن مشاعر الأصابع وقد ضاجعت بعضها بعضا 28. - لم تكن يده اليمنى تضاجع فحسب 41. - كيف جعلتني أتوه من أنثى الدلفين التي تضاجع دلفيني 81. - هل عرف أن معها دلفينا قرنفليا يخاتل ويتملص وينام ويضاجع؟ 101. - بينما ضاجعت أنا أكثر من خمس زوجات 123. - الأيدي التي ضاجعت بعضها عارية 126. - أقصى أحلامي أن يضاجع دلفيني اللاهي دلفينك القرنفلي اللعوب 135. - أباك يضاجع امرأة آسيوية تضحك 140. والكاتب يحاول أن يخلق معنا جديدا للمضاجعة، فهو يوري به عن التصاق اليدين وتعانقها، وجماليا تحفل اللغة العربية بكلمات ذات ايحاء أجمل من كلمة مضاجعة، التي تشير إلى العملية الجنسية، ولم ينجح الكاتب في محاولة الفصل في لعبة الكلمة والإيحاء، حتى ينحي كلمة "مضاجعة" عن مقصدها المعروف، فقد تعمد مثل هذا الدمج واللخط حتى يستطيع أن "يفضفض" علينا، لكن هذا العمل البئيس والسخيف ينبأ عن تلك الرغبات المكبوتة ومراهقية الكاتب والتي يمكن نلقي عليها لمحة بهذه الاقتباسات، وغيرها كثير:
- " وفي عناقهما ذاك كان ظهر دلفينه يرتطم بجانب مؤخرتها المحشورة داخل الجينز الكحلي 21".
- "تلك المؤخرة المستديرة التي توشك أن تشهق تحت سطوة بنطلون الجينز الضيق. 108".
- عن الموز الذي استحى أحمد أن يمده لآمنة قائلا " تصدق؟ استحيت أمدّه لآمنه!، لكن خالد مد الموز الأفريقي الطويل ممسكا بطرفه بخبث...إلخ"
- "حين يدخل ضيفي الرخوي الوردي في الدهليز، ويعانق ويتحسس....إلخ 137"
- "وحتى اللحظات التي جست يدك الصغيرة حيواني المتململ خلف سحاب الجينز، وما أن أحسست به....إلخ 139"
- "الأيدي الكهلة المتخشبة التي تنقذ الزوجات الشبقات في فروجهن، والأيدي الغضة التي تستمني 126. " 
- ومن الايحاءات القذرة :" شغل بطاقتك! أكو ماكينة صوبك!".



- ملاحظة : جعجعة "الدلفين"، إنما هي عذر فارغ، يرمز إلى مالم يُرمز إليه، ما الذي يجمع الدلفين باليدين، فوضى لا تلتقي، لكن الكاتب أصر على أن تلتقي على أي حال، ليؤكد معنا غير موجود في العمل، ونضمن له أن يكون هذا من حقه الخاص يمارسه مع نفسه، ولذا يفرد فصلا  125 يحمل لغة مسرحية خطابية عن الأيدي، وأنها هي الأيدي. ما العلاقة بين الدلفين وبين الأيدي وعناقها، لم يوجد هذا التبرير، كل ما وجد هو لصق الأيدي بالدلفين عند كل جملة، وهذا لا يبرر العلاقة، هكذا نوع من الفن الكتابي الاعتباطي. ولذا يحاول في مرات أن يدس لنا معنى الدلفين في الكتاب، 137 " ويدها دلفين". 


- نصيحة: أقدم نصيحة للكاتب أن يختار له صحبة ممتازة لا تغشه، ثم إذا أصر أن يكتب شيئا، ليرسل لهم نسخة من العمل، ثم ليجلس ليلة مع ضميره وقلبه ويقرأ عمله، فإذا وجده دلفينا، فليكن شجاعا، ويرمي به إلى المجهول. 




من أجل المتعة الخاصة:

19
* إذ يقف بعمامته المفلوفة حول رأسه "، الحمد لله، هذا من بركات الله، أنها ملفوفة حول رأسه، وإلا لأصابتنا الحيرة والشقة. 

24
* آمنة تتحدث مع خالد عن أمها التي تحولت لساحرة تقول له في نهاية السرد:
"- لا تخف لن تحملك على جريد السعف وتطير بك!". وقلت أنا: بالله.. طيب الحمد لله، لقد أضحكتني ملياً يا شيخ. ويستمر الحوار الرومانسي الشائك والمستضحك، والذي كثيرا ما يصيبني بالحمبشيشا والخجل من نفسي: 
"- ليتك تحملينني أنت على الجريد ونطير!.
-سأسحرك!.
-أف! ألم تفعلي بعد ؟
وضحكا معا." أوووه كم أشعر بالحمبشيشا في صدري، يا ربي أين المطر، هب لنا مطر.
" - تعرف خالد؟ أتمنى أن آخذك تحت شجرة كبيرة معروفة بسوق بهلا القديم، وأزايد عليك مع السحرة"، ما هذه الروعة يا رجل. ما هذه الجنة، والمساهمات الرومانسية!

34
* " حتى فاجأتهما منطقة ظلام دامسة، فانطلق دلفينه اللعوب يركب دلفينها الأحدب القرنلفي"، ما أروع الظلام الدامس، وتراكب الدلافين، فتنة، شقاوة يا رجل.. شقاوة. 

37
* " وهي تطير محلقة من فمها المكتنز: صباح الخيييييير! قالتها ممطوطة ومغناجة"، ونحن نقول: الحمد لله الذي سلّم، وأنها قالتها على هذه الصفة وإلا لأصابتنا الحيرة ورغبنا عند المغيب في الانتحار المأساوي على الطريق العام.



40
* " ثم تراجع أمام عرض صاحبه العراقي بأن يأخذا رأسي معسل في قهوة عربية"، لقد كانت عملية تراجع معبّرة بالنسبة لي، لقد أصابني "رأسي المعسل" في مقتل، وكاد يغمى عليّ لوهلة. 

69
*"نظر نحو الهاتف النائم كقطة رومية مطمئنة"، ومن هنا يمكن للخيال أن يحلق بعيدا في السماء. ولا يعود أبدا.


75
* "لا يعرف كيف يفتح الدرج ولا يحدث صوتا" ألا يعرف الكاتب أن يجرب صيغة أخرى يمكن فيها أن نفكر بـ"لا" واحدة، بدلاً من لاءات الأطفال الكثيرة، ألا يعرف الكاتب أن يعيد صياغة هذا الفصل من جديد ليوحي بمفهوم العزلة والحساسية على وجه يقارب ما حمله لنا  الأدب من تركة في القرن الحادي والعشرين؟!


80
* " وقد كادت أن تدهسه سيارة أجرة من نوع بيجو قديمة"، يا للأسف أن معنى الدهس المباشر والمفاجئ يحمل في ذراعه تفصيل مهم مثل نوع سيارة الأجرة التي كادت تدهسه، يا للأسف.

111
* " ويتحدث عن حكاية المفتاح والقفل، بأن اختلاف أسنان المفتاح أحيانا لأن الحب يأتي من طرف واحد! لكن هذا الطرف لا يفهم، وأحيانا لا يريد أن يفهم!" قلنا: لعل الكاتب كان في عجلة من الناشر. ولعلنا لن نفهم!

136 
* " لباب الغرفة عين سحرية يرى الساكن فيها دائرة ضخمة من الممر"، قلنا: الحمد لله أن تأنى الكاتب وقارب لنا وظيفة العين السحرية، وإلا لأصابنا العجز والخبال.



abuiyad