ملاحظات الفكرة الغرائبية، في حكاية الصبي الذي...إلخ





صورة  لمتعتي الخاصة















حكاية الصبي الذي رأى النوم
عدي الحربش
النادي الأدبي بالرياض
230 صفحة



تمهيد:
كان قد ظهر لي ان كاتب هذه القصص، قارئ ممتاز في كثير من التصانيف، وقد ابحر هنا وهناك، في الأدب والفلسفة وكتب التاريخ، إلى غير ذلك مما يحمد له، ولأي انسان قارئ، ولعله يظهر جليا استعانته بها أيا كان وصفها في عمله هذا، ولا ادري هل سبق اصداره هذا آخر أو عقبه آخر، ولم اعتمد النظر إلى هذا في ملاحظاتي، أو ما يخص مذهب علم نفس الأدب، ودراسة الكاتب وتحليله، ولكن الجدير، الانبساط بمثل هذه الثقافة الممتدة. 

ملاحظات حول اثارة الفكرة الغرائبية:
1- الخروج عن سياق التناول الحذر لمفهوم الغرائبية في وعي القصة، يسوق إلى درجة عامة من تذبذبها، فالشق الذي عولجت فيه الفكرة الجديدة الغريبة هنا لم تجاوره ضرورة الوعي بالقصة في نفس القارئ وعقله، فلنكتب وعياً كمثال: الشر صيغة أو حقيقة مفهومة غير مبررة. هكذا اسهل وانفع من صيغ تربطه بالظلام أوالسواد أوالدمامة الشكلية مثلا.
2- تعتل الفكرة الغرائبية هنا، بالدفق ثم البتر، وتستحيل المعالجة إلى ضعف مؤثر، فكل فكرة غريبة  يمكن ان نعالجها بوعي قصصي فاتر لامبالي، ويمكن أن نخضعها لأي رغبة بنائية تتمثل في حضور الكاتب فيما يكتب، فيمتد البناء ليشكل طريقا ضجرا، أو ليشكل في ألمعيته حلزونا- إن أردت، هو ما يحدث انفراجا فنيا مضيفا للنص.
3- كثيرا ما تفلح الفكرة الغريبة، لكنها لا تواصل صمودها للنهاية، فهي تختزل اثارتها في خاتمتها غالبا التي تعود بالقارئ إلى متابعة وعيه بالقصة مرات متكررة ومتوالية، من البداية للنهاية ومن النهاية للبداية، ثم ربما الغبطة بالحصول على نهاية مبهمة ما. وقد مارس الكاتب شيئا من هذا في قصة "حكاية الصبي الذي رأى النوم"، وقد يضيرني أحيانا ان اتصور ان الكاتب يفتعل عنوانا فاتنا مثيرا ثم يفتعل له قصة وفلسفة، وإن عدها البعض براعة إلا انها تعيدنا لقضية ومأزق نشوء الابداع، وكثيرا ما يفقد العنوان الغريب وهجه إذا لم تحمله قصة موازية.
4- إبهار ثم تخفيض، فالفكرة الغريبة سلطة ضاربة، وإذا ما تعرضت في سردها إلى تخفيض عند حل العقدة من تواليات أو فنيات لا تتناسب مع ضروريات البناء، كقصة سطرلاب، حين تمثل اللغة تخفيضا، إذ لو اعتنى بها ضمن وحدة البناء لشكل ذلك ابداعا وانفراجا رائعا.
5- حين تضعف سلطة الفكرة الغريبة وسطوعها، يتحرر الكاتب ليبدع وعي القصة، حيث بات ممكنا وسلسلا ومقبولا له رسم واعتماد مناورته الشيقة والشاقة في الرتق والتخييط. هذا إذا ما تجاهلنا "نشاز" الصوت الحاكي مرات، وفي جمل قليلة مهمة، مثلت منعطفات هذا الصوت، فقد أوجد هذا الصوت أحيانا نتوءاً من الاستشهاد والزج بالمعلومات في غير حدادة أو نجارة، أو إعادة ضبط.
6- تتجلى الفكرة الغرائبية في دقة الوصف المؤثرة لمواقف متشابهة، على الرغم اني نأيت بنفسي عن الملاحظة بعلم نفس الأدب، لكن ذلك عند استقصاءه  لربما يشير أو يفصح إلى شيء كامن وأثير في نفس الكاتب أو تقنيته، وهي تلك المواقف البشعة، كما في قصة نزف أم الصبي الذي رأى النوم، وتصوير هيئة طفل حصة المولمود ميتاً في "الزوكانة" 118، ثم حالة جثة الواقدي 155.
7- الفكرة الغرائبية تعتمد هنا على امتاع في بث المرويات، بعد قشر بطن التاريخ واحلال جوهر جديد، من وحي الأحداث والأعلام، والصورة النائمة في ذاكرة التاريخ العربي والإسلامي وكذلك العالمي. اكتملت مرات تلك الفكرة باجادة الصوت الحاكي الواحد، فقد حكى الأسطورة بلغتها الثرية في تصاعد وتتابع، مما ولّد سؤالاً وشعورا جذلا إلى حد ما عند آخر كلمة، ولأقل ان هذا الشعور كان نادرا جدا التحصل عليه. وكذلك كان الصوت الحاكي في مخطوطتي قصة الواقدي، وقد أثرْت هذه القصة مشكلة  ثقافية رائعة وجديرة بأن يعيها القارئ، تتعلق بأزمة كتابة التاريخ، ومشكلات "الاختلاق" و"الوضع" و"الكذب" العويصات في كل تاريخ وفي تاريخنا الإسلامي بالذات.
8- تتضعضع مستهلات الفكرة الغريبة، واللغة التي تحملها بالأحرى، لتوافق  ضعضعة النهاية في مرات كثيرة، وبوضوح في قصة الأميرة النائمة، وقد ضاع تسلسل البناء، وموعِيات القصة في البدء،  ولكن لتوظف بشكل مناسب أو لنقل ممتاز مع حضور وربما لنقل اقحام ديكارت، ثم اختناق النهاية بشكلها المباشر البائس ويصح أن اقول الفقير.
9- لربما نقرأ اجود توظيفات الوجه الغريب من الفكرة، في بناء قصة، مثل " التزيت كلوكه"، لولا بطء حركة اللغة، وخلل في تعميق موعيات القصة في أجزاء منها.
10- فُتنتُ بالقصة الأخيرة، ثم صفعني ذاك التشويش الذي مارسه الكاتب وشق به وعيا فاتنا قد خلقه، حين فضل صيغة التوجيه البائسة، التي عفى عليها زمن السرد، وقلت: إن الابداع هو ألا يخرج علينا السيد الضفدع ليتفلسف عن معنا ما حول الكتابة وسلطة القائم بها، لكن عظمة الإبداع تكمن في أن يخلق الكاتب ذلك المعنى باتمامه أحداث القصة الغريبة لتنتهي بخيوطها إلى مثل هذه النتيجة التي لا احبذها على كل حال، ولكن هذا إذا ما أصر الكاتب ليقدم هذا التوجيه، دون الولوغ في حرج التلقين ولو على هذه الكيفية.


معلومات عامة:
- نشكر للكاتب ان زودنا بمعلومات عامة أو خاصة، وردت مرات بشكل فج أو مزاحم في مواطن لتمثل خللا فنيا، أو بعدا جيدا في تدعيم وعي القصة:
1- عن أنواع الرياح 28.
2- الشخصيات الشريرة في التاريخ 20.
3- كيف تقول بلغة الإشارة في زمن القصة القديم " وضحى ستتزوج!" 29
4- أزمان توقد صناعة الاسطرلاب 72-73.
5- معنى العدم الذي قصده سارتر 145.
6- فلسفة ديكارت في الشك. 180 وما بعدها وربما قبلها، لا ادري.
7- وغيرها.. أشياء اخرى .



تصنيف:
- القصص تعتمد إثارة العواطف الفكرية لا الشعورية، في أغلبها. وإن كان الفكر ضرورة لطريق الحضارة الانسانية، فإن بعث مكامن الشعور أرضها ومنبتها وليلها ونهارها، ونارها وحديدها، ونبلها. 
- لنفرق بين الكاتب والقصة من حيثها إنشاءً وترفا فكريا وبين احياء وخلق أدب حياتي مهموم بالانسان وهمومه، كالفرق من استجداء الماء من باطن الأرض وبين تفجر الماء من الحجارة ثائرا منعشا ومحيياً.
- بعض القصص طويلة جدا عند مقارنتها بالأخريات.


فنيات:
- تكرر مشكلة الزج بمعلومات أو شخصيات تاريخية، فمثلا تبتدئ قصة "بيت الساحرة" بأسماء شخصيات مثل خالد بن الوليد وهرقل والاسكندر المقدوني، ليجرنا بغتة من هذا الايحاء التقديمي للبطل أحمد، فنصطدم في الصفحة التالية بعبارة مثل: سيارة "البونتياك".
- اجادة فنية بتطويع قراءة التاريخ في ايقاد جو الصراع الفلسفي، وتجديد معنى مهم، كمعنى "الاختيار" الأعظم، الذي لا تُفهم حرية الانسان إلا به، كما في قصة "ملك طاووس"،  على انها إطالة مضرة وشاقة، ونهاية مسالمة هادئة.
- ضعف القصص في مجملها من فريضة الخيال، وواجبية التصوير الشعوري. 
- كنت اتمنى أن تقسم المجموعة لقسمين، قصص اعتمدت الحفر في التاريخ والتغطي بغطاءه، وقصص اخرى حرة. 
- الإسراف أحيانا في تقصي وتحقيق حدث لا يساهم فنيا في بناء وعي القصة، كالإطالة والمطّ- إن صح التعبير،  مثلا في بعض صفحات قصة العين الحيوانية المجنونة 36.
- انحياز تقنية التقمص إلى وجه وحيد منها، فكافكا حين يحكي قصة الرجل الذي استيقظ فوجد نفسه خنفساء، إنما يخلق قوانين جديدة للسرد والحكاية والتمثل، بينما قرأت في قصة البولينغ، كرة تتقمص انها كرة لكنها تحكي لقراء من الناس يقبعون على  شواطئهم أو يتمددون في الصالة على الأريكة.
- قصة كلب مدينة  إفيسس 161، لا يمكن ان نطلق عليها وفقا لشروط بناء القصة الحديثة، أنها قصة، ولكن هي مساهمة ممتازة لنطلق عليها مقالة أو حديثا أو أي تسمية اخرى غير "قصة".

شيء:
-هناك بعض الملاحظات على بدهيات اتقان القصة من انتقال الأصوات، أو تبرير حضور أو وجود فكرة ما، أو ضبط المعلومة القصصية. 


شيء أخير: 
- لنقدم احتراما للكاتب، بفضل اختطافه وتفضيله لوناُ قصصياً معينا، يعتمد كثيرا على الضبط والترتيب، وقبل ذلك القراءة الموسعة. 

- في ملاحظاتي تكرار لبعض الأفكار فعذراً. 

abuiyad