شيخ النقاد





























 شيخ النقاد هو محمد مندور الناقد المتكمن والمدافع الضاري عن أفكار مدرسته النقدية، والتي قامت في مصر والعالم العربي في القرن العشرين على جناحي التأثرية ثم الموضوعية، تولدت عبر قراءة ودراسة طويلتين في مصر ثم سفره لفرنسا لاتمام دارسته، حيث ساهم الدكتور طه حسين في توجيهه والأخذ بيده من القانون إلى الأدب. وكنت قد قرأت قبل قراءة كتب مندور عن منافحته الشديدة عن المذهب الانطباعي أو التأثري، ثم وجدته قد عدل كثيرا عن هذا الرأي إلى تضمينه نظرية تعتمده كمهمة أولى للنقد ولا تكتفي به، فالانطباع والتأثر يعرض العمل سواءً كان شعرا او قصة او مسرحية على صفحة الروح فيخلق فيها أثرها، ثم يقوم الناقد بعد اعجابه أو كره العمل بالتفسير الموضوعي على الوجه الذي يقوم به دارس النقد الأدبي على أي مذهب رآه. ويوافق مندور في هذا الرأي الناقد والقاص الكبير يحيى حقي، فهو ناقد آمن كثيرا بالتأثرية واعتمدها في نقده أكثر مما اعتمدها مندور. ومندور في كتابه عن النقد والنقاد المعاصرون، يخصص جزءاً عن حقي وكيف مارس في نقده المذهب التأثري، وأورد أمثلة على الحس الذكي والقراءة المعمقة عند حقي الناقد. والملاحظ أن القرن العشرون حظي بمعارك أدبية شرسة صقلت تلك المرحلة في مصر بالذات وأثرت نتائجها على العالم العربي، قطبيها القديم أو التقليد ممثلا في الرافعي والمنفلوطي وشوقي، والجديد ممثلا في العقاد والمازني في كتابهما "الديوان" الذي انتقادا فيه شوقي والمنفلوطي انتقادا قويا، جانب النقد المعقول أحيانا. وخرجت بعض هذه المعارك عن الموضوعية، كما نقرأ في مقالات مندور في كتابه "معارك أدبية"، تلك الردود المتهكمة والساخرة بين مندور تلميذ طه حسين وبين العقاد، حيث يصفه العقاد في عنوان احد مقالاته "مندور وغندور على داير ما يدور"، وهنا ضحكت، وتأملت كيف ان العقاد هذا الرجل العجيب الصارم والحازم، والذي لا يقدس مثل كلمتي "الفردية والحرية" وينافح عنهما بشراسة، يمكن له ان يبتدأ سخرية بمثل هذا العنوان!، بينما قرأت في كتب اخرى عن معارك اخرى اقتضتها مرحلة القديم والجديد والتي حفل بها القرن العشرين في مصر بين علي الطنطاوي مدافعا عن الرافعي وسيد قطب مدافعا عن استاذه العقاد. ومحمد مندور رجل متزن على أنه يقول رأيه مهما كان مخالفه ولو كانت ملاحظته غاية في الصغر، ثم لديه ردة فعل موازية، فهو يرد على العقاد بنفس الضراوة والتهكمية، وهو مثقف كبير، حين تصبح الثقافة المام شبه تام بكتب الأدب القديمة جدا كمسرحيات وأساطير اليونان والفراعنة، ثم العصور الأدبية العربية وخاصة الشعر، الجاهلي وما يتبعه، ثم أدب وأدباء الخارج، فقد درسه جيدا في فرنسا، ومتابعته الدائمة لهذا الانتاج، والقارئ لمندور يرى حجم تلك الثقافة التي ذللها في نقده الجاد. ففي كتابه "في الأدب والنقد" صغير الحجم يلخص شيخ النقاد أهم المسائل النقدية ويحصرها، ثم يعرج عبر ثقافته الكبيرة إلى المذاهب النقدية وتفسيرها وقراءتها وتحليلها. ولقد كونت الحالة الثقافية والأدبية التي ربما اسهمت فيها الثورة المصرية آنذاك إلى تلك الصراعات التي هي صحية في معظم الأحوال، فهي تتمخض عن صور واضحة ومعالم جديدة تتطلبها كل مرحلة، إلا انها لا تخلو من مبالغات وتجاوزات تدفعها الروح الشابة والواثبة إلى الحياة، فمعظم هؤلاء الأدباء والنقاد كانوا قد انقلبوا تماما أو جزئيا على انفعالاتهم الأولى، فلغة مندور وتناوله للعقاد بعد معاركه معه في كتابه "النقد والنقاد المعاصرون" كان اكثر احتراما للعقاد واعتبره صرحا فكريا أدبيا ومدرسة خاصة بحيالها، مع انه لم يغفل بموضوعيته الدائمة تحليل وتفسير العقاد، وهذا المازني كان قد تغير تماما في النصف الاخر من حياته، حتى اقر هو بذلك، وبات يميل إلى المداهنة والسخرية والتندر، ويذكر مندور في كتابه" النقد والنقاد المعاصرون" مثال يرسم لنا تلك الروح التي انتهى إليها المازني، فحين خرج كتاب الدكتور طه حسين "في الشعر الجاهلي" وهو ينكر فيه كثير مما نسب إلى فترة الشعر الجاهلي، علق المازني على الكتاب في مقال يشكك في وجود شخص الدكتور طه حسين!،وكتب رواية "ابراهيم الثاني" عنى بها نفسه التي آلت الى ما آلت اليه، إلى غير ذلك من أمثلة المازني الرائعة. بينما نرى العقاد يكتب بعد وفاة المنفلوطي الذي حاكمه وخاصمه مع المازني في "الديوان" كلاما  منصفا عن المنفلوطي وانتاجه، في حين تنشب معركة بين المازني وصديقه عبدالرحمن شكري ليتهمه المازني بالجنون، ثم يعود العقاد والمازني في أواخر حياتهما ليعترفا بأنهما قد ظلما زمليهما شكري وشعره. كانت هناك مساهمات من خارج مصر في تلك المعارك، ككتاب "الغربال" لميخائيل نعيمة والذي هو يقف صفا مع رأي العقاد والمازني في محاربة التقليد والذهاب تجاه التجديد في الشعر بالذات، ثم أيضا آراء سامي الدروبي والتي وقفت إلى هذا الصف. الموضوع يطول ولكن هذه بعض خواطر. 
abuiyad