"أغنية هاربة".. أصوات الرتق الناعمة












أغنية هاربة
صالح السهيمي
الانتشار العربي
81 صفحة




هذه المجموعة آمنة، مطمئنة، كزورق ورقي انسل في دروب جدول منزوٍ بأطراف غيمة. وهي أيضاً موازية للصوت في دواخلنا ، حيث لا تصطدم الأصوات ولا الموضوعات، ولكنه بناء مؤدب كبذور بُذرت في منابتها الصحيحة. في " أغنية هاربة" أثارني ذلك الصوت اللمّاح المُسدد والمشرق لاستلاب صداً من حكاية النبي يوسف عليه السلام، وفي حياكة بايقاع لا يُحسب على الاتزان فقط ولكن وأيضاً على الجمال، فلا انكماشات ولا ترهلات. غلّف هذا الايقاع لحنٌ شجي متواتر ولغة ثابتة الحركة والاشعاع. ولم تكن غاية اللغة اشباع الحكاية فقط، لأن الحكاية لم تأت مبتورة أو معلقة بأذنها تشكي الاهمال، انما كانت لغة عالية ونازفة وأديبة ويصح أن نقول أنها مقدامة. في قصة " أبو الورد" جاء الرسم القصصي مجددا لاذكاء روائح العقدة، فأنت أسيرٌ هنا للمعنى المخبأ في هذه الأحرف، للشوط الصادق الأبيض، وفي التحافك بأبي الورد، وأيضاً للأسطورة التي أمكن أن تحملها باقتدار قصة في 5 صفحات. وهنا نلامس أنفاس معاناة القاص وجديته، ونرغب في اختبار علامات صلابته وصدقيته، في حين نُبتلى بروايات من مئين الصفحات تعجز عن استخلاف وعي مثل هذه القصة في قلبك وتفجير اثرها في روحك وفي شاردك النائم بحقل مخيلتك. في " غيمة بيضاء" تعود اللغة مجدداً، اللغة التي ليس بشغفها الكشف، انما الملامسة حيث تنساب الرقصة الشاعرية من أصوات الرتق إلى أوداج الوعي، ثم الاستغراق، إنه النعيم والتهادؤ إلى مرافئ المعنى الخاص بالقارئ، الذي يستحثه القاص الأصيل، القاص الأصيل البارع، لتنشأ قصتك الخاصة من رحم هذه الأطياف. " أملاً في الهبوط" اضافة إلى جودة الرصف والبناء، نتثبت من الحوار المنسرب الذي يشق عودة تجاه مستواً ملتزماً من الخلق، فلا ترتبك الأصوات ولا تنشز الاستفاضة، إنما تتماهى، تتماهى فقط، لتنبت في حدائق أرواحنا نبتة الجنوب الضائعة، كنبتة كريمة عزيزة ومكتملة. بينما تتأنق العوالم في " أغنية العودة" لتُبعث في جعلها حقيقية، والأكثر من ذلك أن تصبح ممكنة الرواية والحكي في مثل هذه الحلة العالمية. تقنيات جيدة أخرى نكتشفها في " طبشورة" مثلاً، حين تلد القصة من فقاعة قصة، فيما يشبه الفقاعة، فهي كالخدعة أو الماء الرقيق الذي نبل به حلوقنا الجافة قبل ان نبتلع قطع المنقى الباردة. " تهميش" تدفع ناحية الاغراق في التأمل، وتزرع بك الخشية، ننصت فيها للبث الأقصى المنزوي عن التلامس أو الضجيج الذي قد تتورط فيه أصوات القصة، وهكذا يتخلق العمل من المكان والزمان في كلمات لا تشبه المكان والزمان، إنما نشعرها في كلمات مثل: أسى، و جذع، وظل شجرة، وأغنية سنيغالية، وفتور ناعم للإثم المُحاك في وجوه الاخرين من حولنا وفي جوانبنا أيضا. تقل جودة البناء في قصص مثل " تغريبة أبو حمد" و " فراسة مؤجلة"، شكل من المباشرة التي لم تكن مفيدة ولا ضارة، معالجة عادية، بل أقل من شاقة. ثم كان نص التغريبة الثانية السقطة الجيدة، التي ازعجتني بما انني عشقت هذه اللغة وهذا الجمال الصادق. وعلى الرغم من أن تواريخ كتابة هذه القصص يتردد بين 10 سنوات، - وهنا يجدر أن نقدم نسخة من هذه الملاحظة لروائيي السنة والسنتين حين تفقد الأعمال حقيقة موضوعاتها وما تعنيه للكاتب من قبل القارئ، على الرغم من هذا العقد الطويل، إلا أننا نجد متانة في ارتباط الموضوعات، فلا يمكن أن تخرج من المجموعة وأنت مشوش الروح أو الذائقة أو الفكرة، إنما هنا قرية وحنين للعودة /أغنية العودة/ عودة الراحلين، وحزنٌ فياض غريب، ولون أبيض ممتد، أبيض شاق، وهذه الوحدة تُحسب في ميزان صالح السهيمي. وقلت في نفسي: إنما كان هذا الحزن يخفي في قشرته سعادة نائمة، ويجب ألا تستيقظ. السلام عليك يا صالح.



abuiyad