"لا أحد في تبوك"، لعبة خطرة























صورة قديمة لتبوك، هكذا فتنة








لا أحد في تبوك 
مطلق البلوي 
النادي الأدبي بحائل-  الانتشار العربي 


يمكن أن يلعب الكاتب لعبة، يحفر لك حفرة ويعميها بالعشب والأغصان المتكسرة، ويمكن أن يلهيك بزجاجة بلورية تشع منها ألوان مختلطة، وتبقى هكذا في دوامة، في هذا العمل كان الكاتب يمارس شكلاً من الاستفزاز فهو يمد يده إلى عنقك من أول وهلة ويخنقك، يصب على رأسك تكثيفاً ليليلاً حارقاً لتعلم أنه قد قرر الهرب، الهرب إلى الداخل، في دقائق هذه الدوامة، فتتبصر بها، ولذا فقد سلمت نفسي وأنا أرضى هذا في العادة، إلى لهاثه، حيث يحاصره صدام والعجوز من كل جهات، وتبرز تبوك كقلعة خالية، هكذا في البدء أقلقني هذا الاستفزاز، وحين تقدمت إلى الفصل الثاني أقلقني أيضا الحفر في باحة هذه الدوامة، ففقدت مذاقها ولونها وصوتها وحتى رحلة الغثيان التي تصيبنا بها، ومرات يكون هذا الغثيان ضرورياً ومهماً للتصاعد وللشعور بوعي القصة، وحقاً هذا ما حدث، كان حبيساً يشبه العتمة الضاربة والضارية التي لم تدفع النص إلى التقدم، ثم تقدمت في حركة فارجة فتنفست الصعداء، وحمدت ربي. كان اللهاث أسراً -عليّ أن أقول هذا، وكأن أحدهم يقص عليك قصة وهو يلهث فعلاً أمام وجهك، قصة شيقة، فتتجاوز عن رذاذ فمه بتفاصيل ما يحكيه لك، مدني هذا بنوع من الدهشة، والحضور إلى منحنيات وتباضيع ما يلقيه الروائي من حين لآخر، دهشة محمية على سيخ لاسع يذيقك منها بعد كل منعطف تطيب لك فيه القصة. وحيث لا يدرك القارئ مداها وقد تخلق الصوت في انشقاق مخادع وذكي، فنمسع منصور في آذاننا يحكينا ويحكي لمنصور عن منصور ذلك الذي في الصورة، دفق ثلاثي الأبعاد، ويكون الذكاء أنه يخترق أعماق رغبة القارئ في الوصول فيحيله على هذا الشقاء المركب في صوت الرواية، هكذا يجذبك من أحشاء فؤادك إلى النور، إلى الظل، ويقول لك: اقرأ بقلبك، لن يقرأ لك أحد. هذه السمة الفنية الأبرز التي جعلتني أحب الحب على الرغم من الاستفزاز الذي يوحي بفوضى لا يقدر على ضبطها الكاتب، كأنه يلهيك بالفجآءة، والصدمة عن الخوض في جودة ما تخبأه الرواية، ولكن هذا زال بعد الانسلال من هذه الدوامة الشيقة، واستيعاب رغبة الروائي في التزام هذا النوع من البث. هذه تبوك ولدت في صدري كبيت خرب، ومغمم أيضاً، كنت أرغب أن تلفحني رياح هذه البلدة أكثر، أن أشعرها في معطفي، وكصحراء في فمي، كانت خاوية ولكنها بعيدة، المكان معلق في حائط قديم تعلوه ملصقات مكشوطة، مغمم. لكن محاصرة العجوز له، وهربه إلى الديار الباردة أحدث انفراجات عظيمة، فهنا عمت ظلال هذا الجمال، حيث الصراع الداخلي الجريء، يتصاعد مع أنصاتنا لصوت منصور الفعلي الداخلي الأبيض، فهو يحكي الأمر كما هو، كما يشعر به، من ويل الحيرة وظلاميات الاختيار التي أصابته، صدام والعجوز ثم وضوح التبرير مع قصة الحرب وويلاتها على منصور، على ضياعه في تبوك، أعجبني هذا، ثم أعجبني نحت المعنى المضاد لخلو المدينة في استذكاره وغوصه في تجربة الشام، وسهام النورية، هكذا ارتضيت أن يتملقني الكاتب وأن اخرج في ظلال هذا الجبل، وانسرب مع هذا القدح والإيحاء المؤثر، ليستلقي فيّ نعيم دفء الشمس، ولاخاصم القمر. ثم لا تجهز علينا الدوامة حين تقتل سليمان في الحرب، لكنها تتشبث باشعال الصوت، بالنفخ في صوت منصور ليتعاظم أكثر، ويحاصره خلو تبوك حتى فراشه وصراخ خطيب الجمعة يخترق عليه خلوته وضياعه، وتتحول الوجوه إلى رتق فاعل في دفع الدوامة، القصص القصيرة المبثوثة هنا وهناك كألوان تلك الزجاجة المشعة برعت مرات، ومرات قاح منها عوار الوجه الآخر لهذه اللغة الراصفة اللاهثة حين يباشر رسم حركة مشهد ما، حين يضطر أن يتخلى عن الدهشة التي اعتمدها البث، كانت تشتت بعض ظلال هذا الجبل، مثلاً " الابتسامات.. الكلام.. الصمت.. الهدوء.. ليالي السهر.. سهام.. لم يشعر بأن ما حدث منذ ما يقارب الأسبوعين قد يقلب موازين الأشياء.."، وفي منتصف الرواية خشيت من ضياع الفكرة، وهو يخوض بنوع من فقد الروائي لميزانه في مغامرات الشام والشمال، فالتعميق تجاوز ما تعتنيه القصة وتفرضه رغبة الروائي في اشعال جبهة ما في الرواية، لتدلق في جوفي تمزقات منصور. لا أحد في تبوك، وفقاً للغة البث تكررت أكثر من مرة، وهذا لا يفقدها سياقها النشيجي، بل هي بديعة. 

abuiyad