احذر أن تخرج في موعد كتابة مع سيدة








عليّ أولا ان اخلي مسؤوليتي من كتابة مقال اخر " احذر أن تخرج في موعد كتابة مع رجل"، لأني لست سيدة، مع أنه لا يخلو رجل من انثويات تكونت من عهد الحضن القديم والرضعات الأولى. قرأت مقالة منذ فترة طويلة عما يشبه هذا، حيث تتحول مسألة الكتابة إلى استعراض حياتي مسرحي تدور حول سيدة تكتب، والنكتة  تحديداً أن كلمة "موعد" لا تتآخى مع ثقافة هذا الشعب ودينه الذي تزيف، وحينها لا يمكن قراءة المقالة إلا من باب السلوان والغبطة الداخلية الذي يخلقها خيال أي فتى عاشق ومتيم، لأنه دائما ما يتم "الموعد" في شكل من الترقب والرعب، وينتهي عادة باصطيادهم من قبل شرطة الدين، وقيل مرة انهم يتم تزويجهم بالقوة، ومرات اخر يتحول الموعد إلى فيلم مغامرة خطرة، ويحترقا الحبيب والكاتبة في المركبة  على الطريق الخارج من مدينة الرسول. الآن يفترض على أي قارئ عاشق في بلدي أن يحقق شروط الانفصام حتى يلتذ بقراءة هذه المقالة ومن ثم يعيش واقعا نافقا، يحول ما قرأه إلى قطعة من فيلم خيالي يتفرج عليه في ليلة ما، إذا ما كان رومانتيكيا إلى هذه الدرجة، ويصر على هذا.
 تجربة الكاتب والقارئ تدور في عوالم خاصة، وحتى الهيام الروحي بالموسيقى كلها تجارب داخلية، من انتقاصها الحديث عنها، ولذا كان وصف مشاهد و"بروفات" حياة كاتبة في المقالة أشبه بالتحريض على العُجب بأسلوب حياتها وما تشعر به داخليا، وهي مساومة جائرة، كمساومة " دامك بخير.. فنحن بخير.. والوطن بخير!". فنحن حين نقرأ أي قطعة أو كتاب، خاصة إذا كان أدبا، إنما نقارب فقط، ونضغط بالكلمات وموهبة الخلق هذه على أطراف خفية في أرواحنا، لينتعش هذا العالم الداخلي فينا، والمشكلة تكمن في أن بعض القراء استمرأ هذه الضغطات، حيث لا يقدر على أن يخلق ضغطاته بنفسه، والقارئ من هذا النوع، لن يفهم أبدا، كيف يُخلّق روائي عظيم تلك العوالم في داخله، ثم كيف يبثها؟، وهذا القارئ، لا يمكن أن يتطور إلى أكثر من قارئ يستجدي ضغطات كل مرة، واحرق من مخليتك أن يكتب يوما ما شيئا عظيما، ولو قرأ جبلا من الكتب.
العيش على فتات سيدة تكتب، أو رجلا يكتب، والذهاب برفقة رعاية تلك الأجواء ليس من شأننا الخاص، فالذي يداهن كاتب ما بالنظر إلى أسلوب حياته، يمكن أن يداهن حيوات ملايين الناس، يعيشوا ما يشبه الفوضى والغربة والحرمان، وليس لهم من هامش في حياتهم، يتدلسوا فيه علينا، ويمارسوا به دور الكاتب المهموم أو الحالم حتى. ولذا فإن أي تجربة لم تكتب هي أعظم وأصدق من أي تجربة كتبت، فهي لا زالت تحوي أبعادها طاهرة وخاصة، حتى إذا خرجت تحولت إلى مسرح من نوع ما. ونحن نهيم في كاتب يتحول عنده فعل الكتابة إلى قيمة فارغة، فهو إن كتب أو لم يكتب لم تقرصه نفسه قرصة صغيرة جدا مؤنبة، إنه فعلا فعلا فعلا لا يهتم. كأولئك الذين لم تخرج أعمالهم إلا بعد موتهم، وتجارب أولئك الذين حرقوا كتبهم، حيث نتأمل في تجربة هؤلاء ذلك الصراع الفعلي بين الكتابة للمسرح الخارجي أو الهم الداخلي.
إني كإنسان وكتجربة خاصة، لا احبذ بالمرة أن اخرج في موعد في خيالي، أو أن اقترن بسيدة تعرف أن تكتب، أو تقرأ. فالوحش الرابض في صدري، لا يريد أن يعي شكلاً من الارتباط باللوثة التي قدمها لنا تاريخ من التدوين الضائع والشائك، حين يصبح من المغامرة والمجازفة أن تجد انسانا، وقل سيدة، لا تتأثر بما تقرأ، وفي تجربتي هذه، إذا جلست على الكرسي المقابل في موعد خيالي مع سيدة من هذا النوع، يضيع من بين يدي انبل ما اقدره في الانسان، وهي براءته، جمال تلك البراءة الخالصة، كابنة الطبيعة التي تعترف بالتقاليد ولا تقدسها، ولا تجد مهربا ذات ليلة ساكنة من الحديث حولها، بروية وتمعن، ,وبلغة أرضها وزرعها وشجنها وخوفها، تلك اللغة الجسورة المسترجعة، ثم انها لا تخجل أبدا من كسر قواعد هذه التقاليد والثقافة إذا وجدتها لا تتناغم مع براءتها وفهمها للحياة. وكانسان اخلق كتاباتي في داخلي، أجد الارتباط في موعد خيالي أو زواج، يحقق صورة ضاربة من توليد  الجمال، فلا اغتبط بالجمال إلا وأنا ارقب تلك الحالات الهائمة في الرصد والعيش في لوحة خارجية تامة الهدوء والسكون والبراءة، حينها تتحول هذه السيدة التي لا تقرأ ولا تكتب كل هذه "الشخابيط"، مهبطا فاتنا لتأملات الجمال الانساني، والتنزه بجنة القصة التى ترعى فيها انسانا كأنه لا يعنيك ولا تعنيه أبدا،  حيث لا تفاجأك وأنت تتأملها، بقولها: ماذا ستكتب عني؟، وإن كانت عبقرية ستقول: ماذا تكتب عني في داخلك؟. أو العكس، كما جاء  في المقال، حين يغطي العاشق الراعي ظهرها وهي تكتب على اللابتوب في عز البرد ولم تشعر، لأنها ككاتبة كانت منسجمة لدرجة الانقطاع عن هذا العالم، أو حتى تجد كوب القهوة قد برأ من حرارته، فهي تكتب كثيرا كثيرا وتنسى القهوة، حتى هذه التفاصيل سامجة وشقت عليّ. المبدع والمبدعة إنما يشغلهم البحث عن كون من البراءة والانسانية الأصيلة.
 احذر أن تخرج في موعد كتابة مع سيدة، فأنت حين تخبرها عن أحداث رواية لتولستوي، فالحقيقة  أنت تحرق عليها أن تقرأ هي الرواية، أو عليك أن تخبرها وتجبرها الا تقرأ، أو أن تخبرها وتكون هي غير مهتمة بالقراءة، أو أن تتأمل وجهها، وتتأمل في قلبك ماذا قال السيد ليون، ثم تذهب بعدها للنوم، وتقبلها، وأنت فارغ من مشكلة اللوثة، والمشاركة البائسة، ومغتبط بتولستوي وبها في وجدانك الأعمق. وأيضا كانسان، ربما استمتع -مع أني لا أريد فعلا أن يقع هذا، بالذهاب مع سيدة جاهلة في موعد، طبعا ليست بمعنى لا تقرأ ولا تكتب، فكثير من الأميين والأمييات هم عظماء وحكماء وسادة وعباقرة، فالذهاب هذا سيخلق لي كونٌ خارجي فاتن للتأمل والاكتشاف واللعب ربما، حيث تصدم السيدة "باربي" والآنسة "بلند دمب" بلطائف مما يعيث بروحك من أسئلة ومشكلات انسانية وربما وجودية، ثم تكمل معها حديث الغزل المتصلب، والرغبة في اعتلائها. الجنون وحده ربما يصبح هو المبرر الوحيد للخروج مع سيدة مجنونة، سواء كانت تكتب أو تبلل ورق النعناع وتحشره بين اصابع قدمها. تلك الصورة المسرحية للكاتبة في المقالة التي قرأتها، لا تمثل صورة سيدة مجنونة، بل سيدة تريد أن تكتب وتطبع رواياتها ويحتفى بها ، ثم بعد 40 سنة تموت.
احذر أن تخرج في موعد كتابة أو حياة كتابة مع سيدة، لأن هذه المجازفة، ستولجك هلاكك، فالكاتبة أو الكاتب لا يرضى بالتهميش، ويقوم بين عينيه مارد عطش، ليقضي هو  في ذاته، وفي شخصية الكاتب التي تلبْسها ولا يقدر على الخلاص منها، ثم يكتب عن مأساة الانسان مثلا، بينما ينسل من بين جنبيه الانسان. ولن تلتقي بنفسك إلا شخصية مرتبكة، تعتلك صفات من خيالات فوارس الأحلام، وأوهام الرغد الذي لم تجده سيدتك عندك، ثم تمشي ضائعا داخل رواية ما- الله وحده أعلم بحالها-، قد فقدت رغبتك في الالتحاف بلحاء شجرة، أو قضاء فترة العصر تتفرج على أفلام الخمسينات والأربعينات، وتتأمل اللياقة التي فقدها الناس في مجتمعك المزدحم بالحفر، أو تمشي على أطراف ورق الرواية الأصفر، قد شكلّت من غطاء علبة الزبادي ملعقة، حيث تتلذ بكسلك وهو لا يطلقك إلى المطبخ فتتناول ملعقة متناسقة ومصنوعة من البالستيك لهذا الغرض النبيل، تمشي في الرواية وأنت مكتفي بملعقة من القصدير. منظر بديع، لكنه فائح الآن وشائك.. وهي تكتبه.
احذر أن تخرج في موعد كتابة أو حياة كتابة مع سيدة، وحاول ان تتعلم مهنة ممتعة كالطبخ، أو الاستلقاء والضحك ثم البكاء والضحك ثم البكاء. وعند المساء تفضل بالجلوس امام عتبة البيت القديم، ربما يغلبك النعاس الأولي.. وتنجو من السخف الذي يجتاح العالم هذه اللحظة.

abuiyad