رأي في تجربة القباني






















البطل الخيالي أدهم صبري بطل روايات "الرجل المستحيل"، لايمكن نسيانه



حكومة الظل
عودة الغائب
الكاتب : منذر القباني



 صحوت مشوشاً من انطباع مقنع تجاه هذه التجربة، أعجبت مرة وسخطت مرة، كان  الأمر خليطاً غريباً كعصفور محبوس في قفص يغني لحنا شجياً مبهماً. هذه التجربة الروائية التي اختارها الكاتب هي تجربة فريدة في الرواية السعودية، وأراد لها هذا التميز، إلا أني توقفت مرارا عند وصمها بالمحلية بمجرد تمرير المكان فيها مجردا ليمثل ما خلاصته: اسم مدينة على خريطة لا أكثر. وبقيتْ في وعيي عاجزة عن الخروج من اطار مشابهة الانتاج العالمي، العيب ليس في المشابهة بالطبع، بقدر ما تشبه التجربة النسخة العربية الكاملة من شيفرة دافنشي على سبيل المثال، إضافة إلى ما اعتراني من الضعف والاختلال كانطباع اطمئن إليه  من صورة التجربة فيّ، فاللغة السردية التزمت طبيعة العمل البوليسي طيلة العملين وفقدت اثارة كامنها، فانقلبت الكلمات كسلسلة موثقة تقود أخيرا لادراك مبتدءات فكرة أو حدث لا أكثر، نعم، فقدت اثارة كامنها حين نتطرق إلى  تقدير الكلمة، تلك المفردة الباعثة التي تزخم بها العربية، فكانت لغة ملتزمة بالوصف العادي حلقت على ارتفاع منخفض أصابني من فوره، بدوار شديد زرت على أثره صديقي الصيدلي كالعادة. اختارت هذه اللغة التصوير في تكرار ضجر للألفاظ، فنجد مثلاً في " حكومة الظل" تكرار كلمة "كان" 15 مرة في صفحتي 39 و40، وفي "عودة الغائب" نجد تكرار كلمة " الذي" 18 مرة و "كان" 21مرة في أول أربع صفحات، بما يطبع العمل بالعجلة السردية والتي اقدّر حاجة العمل البوليسي المشوق لها، لكنها احدثت شكلاً من السذاجة البنائية في كثير من أجزائها، فمن الممكن خلق هذا الخيال البوليسي بعدة أفضل من مفردات اللغة العربية الثرية. الدعامة الرئيسة التي قامت عليها الروايتين أيضاً هي الغوص في التاريخ لخلق أجزاء العقدة من تلك الخلفية، معتمدة على نوع من التحوير واللعب فيما تسمح به تلك المساحة بين المعلومة التاريخية وخيال الخلق، حيث يثيرنا التاريخ ويجذبنا بما يبطنه من غموض وأسرار، وهنا نجح الكاتب في بث هذه الصورة المشهدية التاريخية وحبك أطراف القصة، والذكاء الاخر هو الإعداد الجيد لأحداث ومجريات العملين بتحريك تلك الصور والشخوص لاكتمال القطع الناقصة في النهاية وبروز اللوحة في شكلها التام، قرأت إجادة في تبرير الأحداث والوقائع، وإنهائها، بملكة ممتازة عبر عمليات التقديم والتأخير والتشعب والتعليل، قلت لصديقي الصيدلي حينها: هناك مداعبة فنية للعقل، ولكني فقدت الأمل أن اصاحب بطل هذه الرواية، فنعيم الوزان شخص مشنوق في هذه اللوحة، لم الامس بواعث روحه، وصدقيته، كان بطلاً خارقاً، ملماً بالتاريخ، لماحاً وعبقرياً، ملياردياً، كعادة الأبطال، ألا تعرف الأبطال الخارقين، هل فهمت ما ارمي إليه؟، رمى بوجهي علاجي، وقال لي غاضبا بالانجليزية: اغرب من هنا!. اني اتذكر حتى في " سوبرمان" انه لامس الروح، وأطلق "سوبرمان" حينها في قلبي عصفوراً من نوع الدوري الزقزاق، وفي العملين حانت عدد من الفرص لإطلاق هذا العصفور، حيث يجذبك الروائي إلى حصنه، ويجعلك ترى من شرفته، كمقطع الحوار لموت دلال ص 137 - "حكومة الظل"، لكنه لم يفعل، فقد باغتني العصفور بنفوقه حتى قبل أن يشقشق شقشقته البكر، راضيت صديقي الصيدلي وصلينا على العصفور صلاة الجنازة. يحملنا هذا في زورق بلا عصافير –طبعاً، تجاه حرق براءة النص ولزومية ما ألزم الروائي نفسه بالوقوف خلف هذا الشكل من التوجيه والوصاية بتعقيبات وتشويشات غير مستساغة في رسوم الشخوص، كالعلاقة المتوترة بين خالد وسعود " المطوع" ص 103 "عودة الغائب". لقد كانت الوصاية والتوجيه كرنفال من الاجهاض والسخف والولوغ في جمجمة القارئ، وهذا ما دفعته بيدي وتجاعيد وجهي ورفص قدميّ.


أما العلة التي افقدتني وعيي، فتلك الحركة لمجريات هذا الفيلم الخيالي الطويل، فقد كانت تتحرك دون أن تتحرك، بل هي أحداث دفعية صغيرة وكثيرة ولّدت مخاضاً ثقيلاً ومرهقاً في مثل هذا السرد البوليسي الفجائي، على الرغم أنه ليس فجائيا جداً، فالمناورة لايهام القارئ كانت مكشوفة، وغير ناجعة ، وفي لحظات قلت لنفسي : لقد اندهش نعيم حينما كان مندهشا من اندهاشه!، فشخصية الدكتور بيرسون عولجت مراراً وتم دعكها جداً لتفقد اثارة ما تخفيه من سر، كان مفضوحاً من ثاني وهلة، -قضيت لحظتها ثانية حداد على اذهال أجاثا وهي تعالج مثل هذه الحبكات، وكان العصفور ينزف حتى وهلات طويلة لاذعة وأليمة. وبقي سؤال في لحظة صحو قدمته لصديقي الصيدلي، حول استكمال المروية في جزئين، بعد " حكومة الظل" قلت لماذا إذاً " عودة الغائب"، كانت الأولى قصة وعي بنشاط الماسونية منذ ساعات انهيار الدولة العثمانية، أما الاخرى فلم يسعفني عقلي لأفهم في نهاية العمل هل هي جماعة أخرى تدعى " أبناء حدَاد" وتضم تحالفا سريا يحكم العالم، أم هي استدراك واضافة لكشف أعمق لتلك الجماعة؟!، وبقي السؤال حائراً. أحببت جرأة الكاتب في خوض هذه التجربة، وأيضا الفكرة التي كانت تشغله، وهي خير نص لفيلم "أكشني/ جيمس بوندي/ ربما سعودي" يؤسس لسعويود فاتنة. أقبل صديقي مع الليل يلومني، وقال: " لو قرأت هذه، أيام "الرجل المستحيل"، لقدست التجربة؟!"، أجبته: فعلاً، ربما هذه المشكلة، لعلها جاءت متأخرة، حيث يتعفر وجهي في بطولة من نوع أخر.


abuiyad