أصوات في زنزانة تركي
















يا سيدي، هل بلغك الحديث؟. اني اتساءل ولا أشعر سوى بالإثم في جوارحي يجري بأطرافي كمخدر فعال يستهدف إخماد قلبي المريض. لقد كنت صغيراً جدا، صبيا برائحة الشمس والعرق، أخزن الدود والعقارب في برطمان قذر، وقبل صلاة الفجر أفتح البرطمان فيتسلل الناجون. وكنت أعدهم. وهكذا فهمت مأساة النجاة، التعارك واحتمال جروح العراك ثم الانتظار الطويل في العتمة. كنت صغيراً يا سيدي.. اعتلي درجات سلم بيتنا حيث تتلون الهالة الهوائية من حولي مع لون دهان كل طابق، حينها كان أبي يمارس هواية فنية مكبوتة ضاعت في سنوات الوظيفة وضرب الأولاد والبنات بسبب الصلاة وموسيقى التلفاز. وفي الظهيرة تشرق في روحي فتنة خاصة من الاحتراق، وكأني أتدلى في مستودع عشب محصود منسي أخذ لونه يتحول من الأصفر إلى البني المدقوق. في الظهيرة كنت يا سيدي أحيط هشام بذراعي، واقرأ مزيدا من الشوق المحموم إلى تفاعيل الحياة المشكوكة خلف سور من الحرام.. المشكوكة بوابل من الخيال الصبياني. آآه يا سيدي، ما أشقى كل هذا.. ما أشقاه. ما بال هذا السوء الأحمق يأتيك؟
أعاد بتمتمة سؤالي ثم استغرق لحظة دارت فيها عينيه دورة غير تامة وقال:
- ليست بذاك السوء يا بني، أخشى أن الفتنة ترجو دائما خلاف الحكمة، والحكمة ترجو لي دوما قدرا مشابها لي، لذاتي. إني سعيد إلى حد يصبغ على داخلي غبطة في مرات ورضا في مرات.

ثم أردف وكأنه يحرص على تأكيد فكرة كررها في عقله كثيرا:
-لا لا.. احذر، أن تغلبك أهواءك القديمة، ما فائدة العمر إذاً.. إني متشوق للمطر النازل من ربي.. إني متشوق للمطر النازل من ربي.
وفي الجوار يومئ إليّ رجل كان يزور أبي، يشبه في هيئته الأعداء ورجال المباحث المتلونون، وفي وجه شارب يذكرني بشارب المحروقين مثلي، وحين قال أبي أنه رجل حر شريف، تصارعت في داخلي بويلات وحيرة لا مفهومة وسرقني ضوء خافت من الشرود نحو سري المخبأ في كتاب. وفي الجوار.. تراتيل ناعمة يتأمل في انسرابها هذا المقيد في قيد شائك. - ما أثقل الظلم!
- أثقل منه يا بني الجهل، الجهل الفتيّ المتعدد، " ليت قومي يعلمون"، منذ ابتدأت أصلي لمبادئي ومتحصلات عقلي وإدراكات قراءة المرحلة لم أبال بما وصلتُه من الفرضيات بقدر ما طلبت ربي كل مرة أن يعلمني من علمه، ويأدبني بأدبه، " ليت قومي يعلمون"..

بقي في ثيابه الجديدة يتكئ على سرير الزنزانة الحديدي بأدب طالما عرفته به من لقاءاته بالتلفاز، أخذ يزم أطراف شفتيه، ثم استكمل قوله:
- شقاء الأمة بجهلها. الجهل أشد وقعا من الظلم، هذا الظلم طفل الجهل الصغير.
- لطالما كان صوتك دافئا يا تركي!
- ولطالما شقينا، لكني أود أن أخبرك شيئا رئيسيا، حبسي هذا لا أفهمه كشقاء.. أبداً، صدقني..

ابتسم في لحظة خاطفة، وتجاوزها بفعل قدرته على إخفاء ما يعتلج من مشاعره في داخله، كاحتراق لحاء حطب تنور:
- بل ربما يعود بي لذكريات قديمة، لم تسنح لي الفواجع بتذكرها مرة أخرى، أنت لا تدري، ها قد فعل الله بي ما يشاء.. وإني متشوق للمطر النازل من ربي.
- وكيف كان الليل؟
- بل قل وكيف كان الناس، فالليل دفء يبثني وأبثه مآلات الأرض وحالات الحضارة، أتشوق فيه مرات للاستبصار بمصير هذه الأمة، ويغلبني النعاس مرات فأرقد في غفلة من هم الحبس والقيد.

يعم الزنزانة هدوء بارد خانق، كاللحظة التي ندرك فيها أننا سنستقيظ رغما عن أحلامنا القصيرة وسنمشي في يوم جديد إلى المدرسة، عند الظهيرة ولما انتصفت في درجات السلم، كان أبي يقف مثل صنم أغريقي لقائد غاضب، ما هذا الكتاب؟، أوووه، إنه ليس لي، واستحضرت العذر الذي طاف بخيالي ليلة البارحة وأنا استعد لموقف مشابه، أوووه، مرة أخرى، إنه ليس لي، نسيه عواد عندي منذ يومين، ولم أقرأه، هيا انطق أيها الصنم، ما أثقل يدك والجمل في صدرك، وكأنك أتيت بي لتعلمني كيف لك أن تكرهني، ابتسمت لخيال آخر أحال لحظة الوقوف تلك لمشهد آسر بالنسبة لي، تخيلت هشام بكل صبيانيته وحماسته وشخصيته الوقورة أيضاً يتقلب بين صفحات الرواية في هذه اللحظة ساخراً بي، وتوعدته أني سأقره مرة أخرى، وسأجعله يمثل لي كل مرة أقرأه منظر القطار في مبتدأ الحكاية وهو يشق طريق الصحراء، وغرفته الخاصة في بيت خاله التي يتلصص ليلاً من خصاص نافذتها. أيقظني نداء حازم اعتدته زرع في قلبي نبتة من الشوك الذي لا يزهر أبدا.. فكأني أيقظته مرة أخرى. - لا أحد من المحققين زارك منذ ليلة البارحة؟
- إنهم أناس لطاف، صدقني أنا أشفق عليهم، للأسف، هم ليسوا ملك أنفسهم، حتى أفكارهم التي يدافعون عنها بحبسي، اناضل كثيرا حتى أعيد تقديهما لهم في سيقاها الأوليّ الصحيح.. أريد لهم أن يفهموا، هل تعرف ذلك الشعور، لا أعتقد أنك اختبرته، أن يكون لديك طالب مجد وترغب كثيرا أن يفهم عنك درس ما، فأنت تبذل غاية ما تستطيع ليفهم، ها أنا أعطي الدرس مباشرة.. وتسكن قلبي نية يعلم بها ربي، أن يفهموا..

في الخارج كان السكون يعم ليوحي بما يشبه الشلل، فكل الصور الجمالية التي رسمتها للانفراد بالنفس في الحبس طاشت في صمت مطبق جاثم يغلف زنزانة تركي في الداخل أيضا، وكأنه كوكب منزوي ومنبعد بأطراف المجرة، لقد تجاوز الأمر ساعات الاستجواب والتيقن، أيام طويلة كان بإمكان الرجل أن يشرح لهم فيها كل أفكاره القديمة والجديدة، كان ليقدم فهما أكثر مقاربة لمقترحاتهم، لكنهم لم يكونوا ليرضوا بقرابين صغيرة، لابد من الاتكاء على قربان سمين، كهذا الفتى اللطيف لتقتات عليه انتصاراتهم فترة وتروي عطشهم، متعطيشن للدماء، مزيدا من الذبح والنشخ والقربان للمولى سيد اللقمة والزيت، ولا شأن للإله بهم ولا شأن بهم للإله، " ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا". تجلى لي المشهد الأسطوري القديم بين سقراط وتلميذه أفلاطون حين فشلت الثورة، وحكم على المعلم بالإعدام، فشرب السم بنفسه في حضور تلامذته بحبسه ثم قال لهم " اهدوءا واصبرو!"، ابتسمت في خيالي الأرعن، فشعر تركي بمساحة من الفراشات الزائرة وبادلني الابتسام، كم أحب وجهك أيها الرجل النبيل، وفينا من دبابير الروايات ومشنوقي الأعمدة جيش من الصفوة المخزية، كم استلطف الوجه المسالم في عباءة الذهن المفكر، والفم السارد المؤدب. هل قرأت ذات المشهد العتيق، إنه قديم جديد، بحلة لاذعة جدا، وكأن التاريخ ابتدأ ثم أخذ في الانتهاء.. تسبق المحقق رائحة عطر خنثى، ما بين دهن العود وهجوم العطور الفرنسية، تقرفصت في الظل المعتم من الزنزانة، ورافق المحقق هذا اليوم اثنين من رجال الدين بملابس نظيفة ووجوه غضة ولحى مهندمة، أشاحا بأنظارهم عني وأخذوا في رفقتهم الحبيس. في غرفة التحقيق المضاءة بمصباح علوي يميل لونه إلى الأصفر، ألقوا عن وجوههم تلك النظرة المحايدة وابتسموا تلك الابتسامة الداعية لمزيد من الاطمئنان، والتي توحي أيضا بما يختفي خلفها من التخلي وهجمات الانقضاض. 
- في لقاء تلفزيوني، قلت أنك توافق وتدعو للدولة التي تفصل الدين عن الدولة، تقصد الدولة العلمانية، هل أنت علماني؟
- لو سمحتم لي، الأمر يتعلق بقراءة محكمة للدولة الإسلامية عبر التاريخ ومن ثم الحكم على مدى توافقها مع مقاصد الإسلام التي دعى إليها ويكفلها بطبيعة الحالة..
حينها كنت متعلق بأذنه، وضحكت ملء فمي وهو يقول " بطبيعة الحال"، هكذا بكل هذه الرقة يا صديقي ، كما يكررها كثيرا، ألم تعلم أن هؤلاء القوم قاتلوا قتالا مريرا لاخفاء كل ما يتعلق بعبارة " دولة مدنية"، انها الحشرة المعلونة التي يجب القضاء عليها، وها أنت تعصف رأسك لتبين لهم "العلمانية"، يا رجل.. دعهم في بحيرة واحدة، "بطبيعة الحال"، إلاههم يسكن أحد هذه القصور، يرسل أمراً.. ثم تتلوه العاصفة، أبي أايضا كان يصدر أوامر، وكان يستلف مثل " كلام الأمير مرة واحدة!"، أنت بنظرهم كافر مرتد، أنت تهمة دائمة لأنك فكرت وقلت، لأنك نهيت عن المنكر وقلت كلمة حق صعبة ومريرة على الكثير من المتشدقين، المعلقين عراة بأرجلهم في أعمدة الصحف.. أيها الرجل النبيل، كم تصبر!.
- صدقني يا عبدالله، أني شققت طريقا طويلا وكل مرة كنت أعتقد أني ابذل شيئا صادقا يحدث تغييرا، لكن الخداع والكذب كان كالفأر القارض المتوحش يطوف في صدري بحرية ليقضم كل أحلامي.. قد تسألني عن المفكر، أليس من واجبه أن يصادم نظريات ويقرأ واقع ثم يرص نظرياته في ورق ثم إلى المطبعة ثم إلى مكتبات النخبة، لتتحول لمجرد مراجع لكتب أخرى لا أكثر، ايييه، هذا مؤلم، حين لا يخوض المفكر معركة أكثر من أفكاره، فهو غر وموهوم..
كنت صبياً صغيراً، أعبر إلى الملتقيات وفوق ظهري اسمي المستعار، هشام، يشبهني هذا العابر، ذات الأسئلة، ذات المغامرة، ذات الخيوط التي أجمعها في كنف الهدنة مع ذاتي، وذات الاكتشافات، وذات الحميمية والسهد واللعنات. كم للشقي من سبيل يطهر فيها ثيابه، وكم للهائم من جنائن يدس بها أحلامه.. والإنسان لا أكثر من عالم كانفجار هذا الكون أول مرة يسبح فيه ليجمع شتاته، وحتى يسبح يطلب الحرية و "إذا كانت حرية الإنسان وكرامته ذنباً فأنا أعترف به ولا أتوب عنه. وإذا كان الحب والتسامح إثماً فأنا أقر به ولا أتراجع عنه ،فالإنسان أولاً وأخراً".. كنت صبياً صغيرا وعلمتني..
لما عدت منتصف ليلة البارحة يا تركي، جلست أفكر في أولئك الذين سجنوا، فابتسمت لك في قلبي كثيرا، تذكرت مصطفى أمين، ونيلسون مانديلا، وأحمد المرزوقي، وطل الملوحي، وباغتني كثيرا جيفارا لا ادري لماذا؟!
هنا أشعر أني حكيت لنفسي شيئا، ثم سأسمر هذه الليلة مع أحاديثك القديمة.. وأقبل رأسك يا صديقي، وسأصر على حديث الظهيرة الذي قلت لك فيه: أننا نعيش جاهيلة أجهل من الجاهلية. ولن أجادلك بشأن التنوير والوعي، وسأعدك بأني سأقرأ تعليقات "سبق" المرة القادمة بقليل من البصاق ومزيد من الأمل. عش خالداً ككل الخالدين. حماك الله

يا سيدي، هل بلغك الحديث؟ إنهم يشمتون، وبعضهم غافلون، أقصد بمعنى جهلة. ما عاد يتسرب الإثم في جوارحهم ويخنقهم.. لقد اختنقوا جدا!.


abuiyad