"سور جدة" .. أكثر من شتات















صورة قديمة لجدة للتنفيس عن القارئ الكريم







سور جدة
دار الفارابي - الطبعة الأولى 2009
 الكاتب: سعيد الوهابي
عدد الصفحات: 264



كنتُ استلقي في مداد من البطء، بالطبع ليس ذلك البطء الذي تقشره بواطن الروائي لينسج به تفاعلات مغرقة في ذات الانسان أو ذات المشكلة، لكنه بطء متسرع منكفأ على وجهه، قد تلوّنت أطيافه بليل من الكي والجلد والعقاب السردي الذي لم يكن رحيماً، وهكذا امتدت الرواية. فمنذ ابتدأت عملية النسج، والكاتب يتردد في الدخول إلى أصوات العصف والرتق والبناء، فكانت البدايات كحِمل ثقيل، كفيل يجتر أيامه الأخيرة في محميات يبغض الدوران فيها، كدخول " سلمى" المثقل بالوصف المثالي، تلك سلمى التي بقيت عصفوراً من العجين أو الصلصال لم يعالجه الكاتب حتى نهاية العمل، فتسلسلت بحياء في الختام لتؤدي دوراً يشبه التربيتة الهامشية. وكنتُ اتأمل السحب الثلجية في قريتي وأنا لا زلت في معركة البطء هذه، حيث تصفعني كل لحظة هشاشة الكلمة، وموقعها من جملة متراصة يفترض أن تخلق في جوفي سحابة ثلجية كالتي تعانق الأفق هذه اللحظة، يحملها في إناء السرد هذا ضعف اخر تمثل في لغة وصفية متكلفة ومتقطعة ومشتتة، فهي أكثر من لغة وأكثر من كاتب وأكثر من شتات واحد، خجولة مبتدئة تصطدم ببعضها، بل انها تستحيل مرات إلى بنيان الملحمة، ومرات لتغرق العمل بحشد وتكرار لفظي متكلف، مثل: 1-" بعد سلمى نسي الحب، تشوه مفهوم القلب، دفن كل المشاعر" 2- "ملحمة واحدة تروي لهم بطولات وتأوهات، مشاكل وصولات، ودعوات تشق عباب السماء رجاءً، ومشاهد تدمع عيون الملائكة أسى، وأحاديث تملأ الكون صدى، وأحلام تحرث بحرها، ووعود تكتب شهادة ميلادها ثم تدفن نفسها"، لقد حضرني بأسى ذكرى حصة التعبير من تاريخ هذيي العتيق في كراسة المادة فغلبني حقا. وتعود نوبات هذا الحشو مرات تلو مرات، وكأن أحدهم يصرخ في وجهك أن تلقي بما بين يديك وتعود لتتأمل شكلاً جديداً فاتناً للسحب الثلجية، 3- " ثارت نفوس وتكشفت أغطية، وانفتحت عيون وبكت قلوب، وكانت أمواج تعلو وأمواج تتلاطم وتغير شواطئ طالما اعتادت الهدوء والدعة والانكسار"، لقد ثارت عليّ لحظاتي المجني عليها في ظل هذا السرد الوريف واللغة الوثيرة، واعفيت نفسي من التقليب في سجع الأوائل وبكائياتهم التي للأسف لم تعد تستثير القارئ العربي- المنسلخ من موروثه البديع!، في سهول وصعوب الرواية المحلية، 4- " ثم بدأ موسم الكلام، الكلام المؤثر، حيث يكون للحروف صدى، وللجمل قوة، وللأفكار معنى"، لقد اخبرتكم إننا في وفرة خطابية تلحق بنا من رغبات قديمة مخبأة بأن نثير الجموع برصف الكلمات ثم الصراخ بها أو على الأقل تدوينها في أوراق ثم ارسالها صباحاً الى المطبعة ونحن نقضم قطع البسكويت أو نغسل حبوب الرمان. وشعرتُ أحيانا أن الكاتب كان ينوي أن يبتدأ الرواية كل مرة ومع كل مقطع ولكنه يؤجلها، يسوقنا هذا إلى سذاجة في الخط السردي، حيث نلمس صعوبة الوصول لحد الاستغراق، فتتكرر كلمات حكائية بصورة جافة وضارة، مثل " كان" التي تكررت بشكل مضجر ومتلعثم، وهذا يقودنا أيضاً لنقع في حفر تلك الثغرات أو الفجوات الفنية التي تورط فيها الكاتب، ففي صفحة 35 يبدأ مقطع بقوله " قبل سنوات، وفي إحدى ليالي خميس..."، ثم في المقطع التالي يعود ادراجه ليستلحق بناءً ضرورياً عن حيثيات دخول خدمة الانترنت في السعودية، وهذا يشبه تماما شعورك بطفلك الذي ينام بحضنك ويسخر منك جداً ومن ندبة ما على وجهك، اصاب هذا وحدة القصة في الرواية بشروخ وتفلتات، فحسنة الرواية التي تعطي الروائي مجالاً أوسع للمناورة الفنية كثيراً ما تتحول لمستنقع متلون لزج وخادع يسقط فيه. 

زخم الشخصيات منذ البدء اثارني لتتمة العمل، ولكنه فقد تبريره كلما تقدمت في الصفحات، سوى أن الكاتب أراد مساحة ارحب ليستعمل شخوصه كيفما يقوده ايحاءه وفكرته، فيقدر على التلخص من أيهم دون عناء، ولذا فقدت الشخوص منطقيتها، اضافة إلى انها لم تُرسم بالأبعاد الفنية المفترضة، فتعدت الشخوص على رسومها، وفقاً لذاكرة الكاتب ونقله، ففي صفحة 91 نجد الضابط الملتزم بوظيفته في العقود المنصرمة من تاريخ الدولة السعودية يتحدث عن مبدأ ما يتحلى به جان جاك روسو، ومن هنا التفت السحابة الثلجية حول عنقي في شكل تيار من الاسهاب التاريخي الذي ورّم العمل واصابه بسرطان أثيم خبيث، فاذكاء العنوان في العمل جاء في صورة لمحة تاريخية عن سور مدينة جدة القديم، ثم حضر على خجل في نهاية العمل وهذا اضعف من ارتباط العمل بالعنوان المختار. أما الورم الاخر فقد كان انقياد الكاتب في تضخيم التفصيل حين ينساب السرد ليشلّ هذا من التدفق وينزع من اللون اشعاعه او بهته، كما فعل حينما أخذ يرسم شخصية نورة فقد انقاد لحديث ما من كوكب سيّار اخر عن مشغل الكوافيرا وما تراه نورة هناك. انقطاع حبل السرد بين القصص التي اختار الكاتب أن يمضي فيها ليستعرض أو لنقل ليلخّص أحداثاً تاريخية وسياسية علقت بذاكرته وربما أثرت فيه، زج بها بين القصص، فأصابها بحمى موسمية خطيرة وجعلها وكأنها لا تنتمي لبعضها، بل قلت لنفسي: إنها مجرد ذاكرة وخيالات وُزعت بهذا الشكل المسرحي المتهالك، ادى هذا إلى أن اقرأ حواراً فاتراً لا يدفع النص تجاه الصعود بالحبكة إلى القمة، انما وكأنها تمضية بضعة أسطر تأن فوق بعضها، ليخنقي عبر قطرات السحابة الثلجية التي كانت أكثر متعة واثارة، وصفاً يفيض من حول الموصوف، لا يفيض منه، وكأنها وصوف رُكبت فوق بعضها لكي لا تخلق لنا وجهاً مرئياً يلامسنا أو نلامسه ثم ليقف صاحبه داخلنا بثقة ووضوح. كانت الكلاسيكية المتنقلة بالأصوات مملة وجائرة لروحي كقارئ، ساهمت في شكل من السذاجة السردية في بعث بواطن الحالات والمواقف والمشاهد، وكنتُ أفضل للكاتب استمراره في اعتماده صوت ضمير المتكلم الذي كان ابرع من الصوت الخارجي الحاكي، فقد كان أكثر مصداقية ولطافة مع قلبي وأنا متدثر في أريكة الصالة. في مقاطع متفرقة كانت حركة المشهد تفقد أبعادها، فالمشهد جامد كقطعة من الثلج علقت في حلقي، إنه يشبه محاولة طفل شاهد مسرحية اغريقية في يومه الدراسي ثم عاد الى البيت وأخذ يُنشأ محاولة ليحكي تأثراته وما شاهده لأمه وهي تطهو فطائر التفاح لزوجها، فانظر كيف سيتكبد خيال أمه عوالمه لتستشف تأثراته وهي منهمكة في عجينها وطهيها. كل هذه الفوضى الزمنية احاطت القصص المختلفة بنوع من الابهام وفقدت انتظامها في ظل فقد الشخوص رسومها جيداً. أما موضوعات الرواية فكانت ممتازة، صادمة وصادقة، على ابتذال القصة حين نحاول أن نلبسها الموضوعات، ولكن هذا لا يُخلي العمل من بعض حالات الصحو السردي الحاكي الجيدة، كتصوير مشهد اعتداء الزوج على زوجته امام الابناء في سياق قصة خالد، كانت الرواية تميل لأفضلها في أواخرها، ولما قمت من استلقائي وشوشتني السحابة الثلجية عن شجاعة الكاتب، أي كاتب، بتقليص صفحات عمله- خاصة إذا كان بِكْره، حيث لا تقتضي الضرورة الفنية الاطالة، فهذه القصة والفكرة كانت لتكن أكثر جودة وجمالاً لو جاءت في 100 صفحة مثلاً مع مزيد من التكثيف والاعمال الفني.

abuiyad