وجه النائم.. الرواية الشعرية المهلبية








صورة من جبل ضرم بقريتي هكذا من أجل المتعة







وجه النائم
الكاتب: عبدالله ثابت
دار الساقي
الطبعة الأولى 2011
عدد الصفحات 239



اصبر قليلاً، الآن استجلي خميرة روائية من كون غامض وشيق. اصبر قليلاً، سأكتب لك عنفوانا مذهل ويأخذك إلى عوالم تُبعث كل حين في صدرك كشجرة عجوز فتية. اصبر قليلاً يا صديقي، وقل لي ما ذنبي؟!، فهمت مليا أن هذا الكاتب الجميل لا يدري ما الذي يكتبه، لا شيء غامض في المطر لكنه معجز،  وأن الناشر وحده يتطوع فيصيغ تصنيفا ما لنصوصه، تحية للناشر، هيا قيام للناشر، جلوس للناشر، إني فعلاً مؤمن بالإنسان وبإنسانية الإنسان، وأن من حق كل انسان أن يخلق فنه الخاص، حتى لو كان على غير سياق، أو "نسق" - من أجل الغذامي، حتى لو كان فناً فوضوياً. يا صديقي إننا فيما بعد وتحت الحداثة، إننا في زمن الفوضى البهلوانية، عليك ألا تطالبنا بأمثلة عفى عليها الزمن، نحن أبناء "النهار ده". قال لي صديقي: هنا انسراب في سرد هادئ ملتاع، يلامس طبيعة الشخوص، تتوافق مواقف "غسان" لما يخلق الكاتب من وصف لطبيعة روحه.. إنها ملامسة محكمة وحذقة. لقد أشجاني صديقي كثيرا، قمت من انطباع وكأن على وجهي شمع رخيص متلبد، الفضاء صفحتنا البهية، يمكن أن يشرد الروائي نحو الفلسفة الوجودية، وسؤالات البقاء والخوف، هكذا فوضى طيبة مباركة، ليدخل النص في مصنع معالجة بما يشبه الهرب من  واجبات القصة وأحكامها وإحكامها أيضا، وسُحبت هذه الرغبة الشاعرية إلى أعماق ما يعتلج بالداخل من أسئلة ومخاوف هي مضخات ودوافع التصور، ولا تصلح لأن تقدم بهذه الصياغة القصصية إلا  عبر إجادة بالغة وفي إطار ملحمة أو ما يشبه الملحة، -هذا تصنيف جديد دونه لديك، لربما يتسوله ناشر ما، لا كتاب نسد بها المساحات الفارغة من رفوف الكتب. قال لي صديقي :  العناد، ألم يجذبك العناد في شخصية " غسان" في هيئة محاولته فهم ذاته وسبر حاجاته المدفونة والغريبة؟، صديقي، انظر بالله.. ألا يغريك منظر الغروب هذا، تعال انظر.. أوووه انه فاتن حتما، ورائق جدا، ويمكن أن ارسمه لوحة ساحرة، طبعاً في داخلي، أنا اعترف لك، بأني لست بفنان، فنان أقصد رسام، لست فنان بالمرة، أنا صعلوك بالمعنى السلبي حتى، لكني منتشي الآن بالوهج، حتى كلمة " الوهج" مستفزة، أنا منتشي وفقط. لقد اعتلت روحي يا رفيقي وأنا اشق طريقي في بنيان هذا النص الرائع، بالحق، ألم تهمس لي مرة، أننا أمة شعر، ولا يمكن أن نضرب عزلة مع هذا المارد، وسنبقى أمة شعر، هذا الكاتب يحقق مقولتك، إنه صادق فيما يحكي، فعلا هو لا يصنف ما يكتب، يسطر أي شيء، وعلينا نحن أو الناشر أن نصنف، التصنيف ليست وظيفته، أنا سمعته هكذا يقولها في برنامج إضائي، لقد ابدع صنفا جديدا ربما، وهي الرواية الشعرية، لا أعني بذلك الرواية ذات اللغة الشعرية، ولكن الرواية التي يتمخض فيها شعرا حداثيا على هيئة هلوسات يمكن أن نقبلها بحجة قصيدة النثر، أنت لا تفقه في قصيدة النثر، إنها كون مجري اخر. لقد كنت امضي بين بنيان هذه الرواية، وكأني فتاة لاهية، وشغلتني قصة الرجل الغريب الذي يدس اللفائف في بيت مهجور، آه، تذكرت خواطر صغيرة جدا منذ أيام الثانوية حينما كنت انوي أن اصبح كاتبا مشهورا، خواطر لأفكار غريبة مثل هذه، شيقة فعلا، لكني كنت اعرف أنها بحاجة لمعركة وثورة تخلق منها وحشا يقيد القارئ ويدلقه في دهاليز تفحم وعيه، أعتقد أنه يحق لي أن اكرر كلمة "سذاجة سردية" دوما، حتى يفتح الله علينا بخير من عنده، وأيضا سأكرر " تهافت معركة بناء القصة"، إليك صديقي البغيض إليك هذا المثال، ص 82، ماريا تحاول رسم شخصية الفتى المنعزل  الغريب الشارد الضائع غسان، فتدون صفاته ( وحيد - يدخن ولا يدخن - يؤذي نفسه - إرادته قوية - لا مبال- شرس.....إلخ) ثم تحاول أن تتخيل ملامحه، إنها تلتقي بغسان في منتدى على الشبكة، أي منتدى، لا تحدد منتدى واحد يشغل كل اهتمامك وتشارك فيه، وتلتقي به  مرة اخرى وهي تطل من نافذتها في جبل منزوي من جبال لبنان، وهو يسير ليدفن لفائفه التي يكتب فيها أحلامه، هلوسات الكاتب يعني، لماذا يدس لفائفه في بيت مهجور، إني مشنوق الآن في درج السلم، من أجل الحبكة، بالطبع يا صديقي هو فرداني وغريب، لنقل أنه مجنون عاقل، لماذا يفعل هذا، أحدث لي تبرير يخيفني، بل يزلزني، ويجعلني مأسورا اتهاوى ككلب نتقه الجوع والظمأ. بالفعل من حق الكاتب ألا يصنف ما يكتبه، هو حر، ولكن عليه أن يضبط ما يدونه، ليمثل قطعة متجانسة ومفهومة ومستساغة وعلى ذات النسق - من أجل الغذامي-. تتوقف الحدوتة عند صفحة 136. ثم إلى جواره يفتتح مسلخ جديد تحت مسمى " ملحق لفائف". هذّي وهلوسات، أنا في الواقع من محبي أدب الهذي والهلوسة والجنون، نعم اعتبره أدب، وأنا بنفسي اهذي كثيرا، بل هو عندي يوازي الواقع، لكنه هنا يذكرني بمفردة الحشو القديرة، وكأن القصة أصلا تفتقت بناءً على هذا الهذي، وهو هذي مبارك يجبرك على العودة لصفحة 16 لتقرأ مقطع طويل من سورة الرحمان على روحك الهائمة، أو تفتح المصحف لتشعر بالإنغماء والسكون. الشقاء، والصراع، معاني جبارة يمكن أن تقوم عليها روايات عظيمة، لكن حين تبرر حقا، وتحوي قصة "فردانية". قال لي صديقي وهو مزعج بالمناسبة وبغيض كما أسلفت: هذه اللفائف أيها الأحمق تبرر الرواية في شكل حداثي يعتمد على اغراق عقل القارئ الباطن بموهومات وألغاز كأنها أحلام لا تخضع للمنطق، إنها فسحة يتنفس فيها ماوراء العقل المقيد في القصة. صراحة، أعجبني تحليله، يستحق التصفيق على الطريقة الهولويودية التي تبتدأ بواحد ثم يتبعه الجمهور -مضحكة هذه الطريقة وتجعلني اتقزز والله. إنها هذيان غير أدبي حتى، ولا تخرج من الملفوفة الواحدة بتمرة حلوة. أعاد عليّ صديقي: كان التجلي الوجودي رائعا في الرواية. بالفعل كان رائعا وهو مجمل الشعور الذي يخلق رؤية الشعر. لقد مللت الجلوس بهذا المقهى، الرجل الكهل مل أيضا، أخبرني البارحة أنه يود أن يحقق حلمه ويعمل كبستاني، قلت له: أنا حزين أيضا، لم أحقق أحلامي، ولكن أخبرني ياعم مبروك عن الصدفة، ما يؤهل الصدفة، ما يجعلني اُحاصر بصدفة لأشهق بدهشة وانتفض، لأن بعض الصدف التي أقرأها في الكتب غير مقنعة، صدفة لفقها كاتب. ابتسم وقال: الصدفة يا بني أن تسقط على أم رأسك شجرة عمرها 300 سنة!. في المساء التقيت صديقي في ذات المقهى همس لي: إياك أن تكتب آرائك هذه وتتصعلك وأنت لا تفقه شيئا بالفعل. همست له: يا أخي أنا سأكتب الكلام وليصنفوه هم. 




abuiyad