في سوق الجنابي.. صورة الغلاف الفاتنة!




















صورة قديمة لنجران للتسلية والمتعة والراحة







في سوق الجنابي
الكاتبة: إيمان هادي
دار جداول
عدد الصفحات :182




باتجاه انتاج قصصي ممتاز، يتحتم علينا القراءة بتأمل كبير كل مرة، لكن هذه المجموعة خيبت هذا الأمل، وضربت به عرض الحائط ثم تشبثت بتلابيه وخنقته حتى ودعَنا إلى رحمة الله. ما جذبني لاقتناء هذه المجموعة هو الغلاف والعنوان والصورة المرتمية في اخضرار فاتن وللاسف كان هذا أجمل ما في هذا الاصدار. نطالع مع القصة الأولى لغة حاكية باهتة، يصح أن نصفها باللغة الصحفية الجميلة ، وتراص من القول والحديث لا يبعث ما بأنفسنا من مارد ثقيل يرقد بأعماقنا، اضافة إلى معالجة فنية قاصرة ومرتبكة. فالنص لا يحتوي عمقاً يجذب القارئ للغرق فيه وبه، ولا يقتلعه في دهشة، إنما تتصفح عيني الأسطر وكأني تورطت في انتاج شبابي متهالك، يصر على الحضور على أي حال. على أعتاب القصة الأولى وبامتدادٍ إلى الداخل نفتقد رائحة المكان وحميميته، وحين يحضر فإنه يحضر متأخراً على استحياء تم تداركه لتحمله لغة عادية، فنجران كان مكانا فقيراً في مجموع القصص، وهو في ( سوق الجنابي ) يرتدي حلة غبراء ما ابصرت سوى ظهره وهو يولي هارباً. والمؤلم حقا ذلك الضعف للمفردة التي تفقد اثرائها وبديلها، مما قلل من جدوى ترابط النص وفقده لاتزانه الفني المطلوب. وكنت امنّي نفسي بما يخبتئ في طيات الصفحات القادمة، ليخيب ظني وتُنحر أمنيتي كعصفور يتيم هوى من علو بطلقة حانقة، وحينما نلمح فكرة جيدة فإنه يتم سفكها والخوض في دمها بقلم متعجل لا يعي ماذا تعني معركة القصة القصيرة أكثر من حدث يروى، كما في زاهر ( النصف المكتمل ). كانت المجموعة واقفة كالحجر الصلد، فالشخوص تشبه الورق المقوى دون تعابير أو تصاوير أو ملامح تحييهم من مرقدهم، وكأنهم لامرئيين. أما التعاطف الأوحد الذي خالط وجداني وأنا ألهث في هذه العتمة والليل السرمدي هو هذا الجهد لاختزال الاثارة في اخر سطورها، وذكرني هذا بحكايات الأمهات للأطفال قبل نومهم، حين تتوحد الاثارة والمتعة في نهاية القصة. تشابك الصوت، المشكلة الفنية التي تتكرر في كثير من القصص، ليضيع المشهد المحكي من بين يديّ وأنا اجمع هذا الشتات، فلا ادري من الحاكي وأين يقف شخوص القصة في هذه اللوحة المشهدية، تطغى لهفة ما من السرد على الالتزام بخط واضح في كل قصة، نجد هذا التشابك في ( قطة مونودرامية ) و قصص اخرى حتى ( عتق وانعتاق)، فعلى الرغم أن الكاتبة حكت هذه القصة وغيرها على لسان فتى، إلا أن هذا لم يتنزع طيف الكاتبة وجنسها من ظل النص، وبقيت محاذية له وخلفه كثيراً، ولم يقنعني النص في معركته البنائية بشخصية الفتى أو وقوفه داخل القصة، وقلت لنفسي : ربما أنه كان متمدداً أو نائماً!. وبما أن هذه التجربة الأولى للكاتبة في القصة القصيرة فهناك شكل بيّن من تفلّت العوالم والمشاعر التي تحاول خلقها وضبطها كتفاصيل للقصة، ليكشف لنا هذا الجرح عن استلحاق مشوّه للتفاصيل في وسط أو نهاية النص، مما جعل اللغة لاهثة وغير مطمئنة، وللأسف أنها مثلت لي تعاسة على طول القراءة. قصتي ( صنبور ماء ) و ( لغتنا غيم ) يغلفها اعتلال بنائي للنص والجملة، ينجرف مع رغبات في اضافة وتفكيك واسع ينقل القصة الى مدارات تنحرف عن الوحدة المؤثرة في روح القارئ، نقرأ في ( لغتنا غيم ) ما يعبر كثيرا عن روح المجموعة في هذا المقطع ص 127 " نظرت إلى والدك وهو يحمل أمتعتكم وينادي عليك لمساعدته، مضيت وأنا أمشي خلفك أحمل في يدي لعبتك التي رميت بها وأنت تشير لي إلى سيارة والدك، تستجديني أن أذهب معك وأركض إلى أمي وأنا أبكي كي تسمح لي أن أرافقكم فتمنعني حتى من الخروج ثانية لتوديعك.. !!"، ولم اتعجب يا صديقي، على الرغم من اصرار الكاتبة لختم كل مقطع بعلامتي تعجب، وكأنها علامة تعجب كبرى منتشرة في أنحاء هذه المجموعة، للأسف لم تعجب بها ذائقتي،ربما المشكلة تختبأ في ذائقتي. بينما تسقط القاصة سقطة شائكة لتتحول إلى كاتبة رأي في قصة ( الوسط اللقافي )، فالعنوان يفضح رأي الكاتبة الشخصي بتوجيه مباشر ومبتذل للقارئ لتمارس وصاية فكرية فيما يُفترض أنه نص أدبي فني، مما حداني أن اقرأ هذه المباشرة في بعض النصوص التي حاولت أن تعالج مشكلات اجتماعية كالعنوسة وحجز البنت والقصاص، ولأقول أن المعالجة الفنية في القصاص ( عتق وانعتاق) كانت الأجود على هذا المستوى. لم تتخلص الكاتبة من عقدة أو هاجس الوزن الثقيل أو السمنة في معظم المجموعة لتنفجر في قصة ( أنتِ حلوة) في هيئة مشهد اخر. كانت المجموعة صورة ضوئية بلا ألوان أو أبعاد أو أعمدة انارة تعكس هذه السطور من على الورق لتلج الروح وتعبث فيها، أخيراً؛ وللأمانة النقدية يتحتم عليّ أن اقول أني لمستُ القليل من الاضاءات الفنية والمحدودة جدا من تشكيلات النص، كنت أرجو أن تعتمد الكاتبة نسقها، تمثلت في شكل إعمال متراكم ونضج وصفي احتملته عبارات بعض بدايات القصص. كنت اُسائل نفسي مع كل علامتي تعجب تُنهي كل قصة، لماذا لا يصبر المبدع حتى تنضج تجربته، ثم يجذبنا إليه بشدة، لما يُصرّ على دفعنا عنه؟ وبقي السؤال في قلبي حارقاً مؤلما مع كل خيبة جديدة تأتي في هذه الصيغة.


abuiyad