ما ينبغي وما لاينبغي، في الرواية الرومانسية المحلية










لوحة لمشهد من مسرحية روميو وجوليت للتسلية عن القارئ الكريم.








رواية : أحببتك أكثر مما ينبغي
الكاتبة: أثير بنت عبدالله النشمي
دار الفاربي



ولما آمنت أنها كانت الصفحة 326 وأني قد انتهيت سجدتُ شكرا لك، على الرغم من أني كنتُ على جنابة. ولا ادري لماذا خطر لي نوعاً من المهلبية تصنعه أمي في رمضان ويبقى في الثلاجة لما بعد العيد، ونتخلص منه كل مرة، يشبه الموضة التي لم تعد تروج، ولم تستغن أمي عن إحداثها على كل حال، فقد كانت أحرف عزيز الجميلة الأربعة تتراقص في كل صفحة كويلٍ وعقاب على تورطي في هذه القراءة. انهيت العمل في يوم واحد وليلة واحدة حتى لا يلتصق بي هذا العقاب المستطير لفترة أطول، فقد كان مؤذيا وشاقاً وغير مسلي وغير رائع. بالنسبة لي كان شكسبير يحدث تفاؤلا بروميو وجولييت، صنعة وثورة وعراك في مشهد الحب الذي تحتم علينا الحياة أن نخوضه، وسألت نفسي: هل من ثورة أخرى في حياض الرومانسية؟، ولماذا تحتم علينا الحياة أن نكون عشاق وذوو هوى وشاطرين جداً في الرومانسية، لا ادري، كل عقل حرُ بمجرته، ولكن أن نقرأ شكسبير في رومانسياته وبعد مئات سنين من الارتقاء في الهضبة، نتجرأ على أن نفضفض على مجموع القراء، ونرسلُ لهم دوامة وفوضى من الكلام والهذي تُفقدهم رغبتهم في العيش بسلام مع أنفسهم كل ليلة في الصالة على الأريكة أو حتى في أكواخهم الدافئة.

قلتُ لنفسي عند الساعة الثالثة صباحاً: هناك مأساة في المروية، جمانة أحبت عزيزاً، عزيزاً أحبها ولم يحبها، هي مع التدقيق أحبته ولم تحبه، أين المأساة؟، صرخ القرد الصعلوك في رأسي؟!. أجبته: هناك مأساة على كل حال، وستجدها. عذاب الحب يا سيدي، أليس مأساة. قلت له وهو يأكل الموز في رأسي: النزهة في كوب قهوة مأساة أيضاً. يمكن أن أتوهم المأساة في قصة نملة، يمكن أن اكتب ملحمة النملة، وأجعلها صاعقة هذا القرن. فقدتُ شهية الحياة فعلاً مع كل سطر جديد اقرأه من كتاب " أحببتك أكثر مما ينبغي"، وقلت: إنه لا ينبغي. وفي مرات اقتربت من اقناع نفسي، إن الحب يحتمل كل هذا النشيج والبكاء والنحيب. يا أخي دعها تنحب. أنا لا ادري حقاً، هل هي تبكي فعلاً.. أعني هل هذه سيرة حب سعودي أقبلت عليه رياح التحريف والقص والزخرفة كالعادة، أم هي إنشاء خلاّق ابتدعته المؤلفة؟. قال لي: أجدك تسخر من مسألة أن يكون هناك حباً سعودياً، لماذا لا تدع الناس تخلق وتكتشف الرواية السعودية الرومانسية؟. أبداً، لم أكن أسخر بالحب، سعودياً أكان أو غير، أفهم فقط أن الحب إنسانياً، لا تُقحم الجنسية. قال لي: الخصوصية، من الصعب خلق رواية رومانسية في ظل هذه الخصوصية الاجتماعية والأخلاقية لديكم. كنتُ أحادث نفسي، وكانت ليلة البارحة مشبعة بالعويل والحب المسفوح بقاذورات الدنيا كلها. في الحقيقة، تراجعت قليلاً لأطلق عليه حباً، كنت بحاجة لتعريف الحب فلسفياً لتكن مخليتي أكثر خصوبة واستيعاباً. هي ربما قصة حياة حب ولكنه ليس حب، كأنه حب، هي قصة حياة شتيمة. قلت لنفسي: هذه المرأة أرادت أن تشتم أحدهم شتمة كبيرة فقررت أن تكتب رواية تعني أخيراً هذا المعنى الأصيل والمكفول لروائيي روائيات اليوم. في الواقع لم تكن شتيمة بهذا المقدار كانت حواراً مُسهلاً، حواراً دواراً، مُهلكاً، أصابني بالسهد الغبي، نعم لأن هناك سهد له مذاق وأفهم أنه سُهد، وغالباً ما اضيع في الشوارع ليلاً بسيارتي كالمجنون الدائخ ليزول، ولكن هذا السهد كان غبياً، لأني كنتُ اقهقه مرات بصوت عال وعلى خلاف طبيعتي، كان الحوار والنص أسداً متربصاً، لقد كان جلاداً استحققته لأني اخترته. 


هذه الفتاة الطيبة، وهذا الرجل عابث، ملخص الرواية، تبكي حبها عزيز، ومع كل نهاية مقطع تقول ليتها فعلت، وتعود لتتذكر، وتتذكر وتتذكر " حينما...حينما.. حينما"، والذكرى هنا تكرار أعمى أصم يصيب القارئ باختناق حارق. ثم تُشرق لنا الحبكة من خلف تلال، إنك إذا قررت أن تقرأ هذه الرواية فأنت حتماً ستمشي في تلال، تصعد وتنزل تصعد وتنزل، لا تدري متى ستولد ببركة الله كلمة وفكرة تصعد بأنفاسك وتحبس مخليتك وتأخذك إلى النهر في آخر الدغل... لا شيء، أنت موعود باللا عمل، لا مكان، المكان ينفض يديه تماماً، الرياض ومكانات الجامعة الكندية كانت نقط من ذباب صغير يزن في رأسي، ذباب لا لون له حتى، قصة حب فوضوية في بلورة ثلجية مغمأة ولا تبصر في مخليتك مكاناً، أو تتحسسه أو تشمه، أو يفيض فيك فيتجبر عليك النص، وتقعد تحت تأثيره، أو تخوض معه وبه غمار حرب شيقة في أطراف المكان. والزمان مفقود جداً، كل ما هنالك هو الفضفضة، وهذا مشروع مبارك جديد، مع كل قصة حب سعودية فاشلة تخرج لنا رواية، فاتني في سجدتي الشاكرة أن ابتهل إلى الله، بأن تلقى كل فتاة من هذا النوع بزواج سريع يصبغ علينا رحمات هذه الفضفضة العذبة والخلابة. أما الوحوش التي أكلت وجهي وأنا اقهقه- مع التأكيد أن هذا ليس من عادتي، هو الاستجداء المباشر والفاضح للقارئ بالتعاطف، والمشكلة أن الحب قِبلة الناس أجمعين وهم بطبيعتهم يتعاطفون مع قصص الحب، فهذا الإستجداء ينطلي على القارئ بالعموم، ولكنه ما يبدأ حتى تنفضه الكاتبة من بين يديك وتقول لك إنه رجل عابث لا يجب أن أحبه، ولكن قلبي أحبه. مرات كنت أشعر أن جمانة منفصلة عما يجمع السيرة بالتلفيق فيبان عوار الترقيع، التقنية الإخراجية كانت منتوفة الريش، وعارية، صرخ في رأسي القرد الصعلوك: إن هذه الشخصية المتضادة عبقرية، إنها تعبر عن بنات بلد بهذه الخصوصية، متضادات، متناقضات، يردن ولا يردن. هذا الإنسان.. أي إنسان، هكذا يشعر. إذاً؛ لنقل إنها قصة إنسان. عليك بهذا الفهم، لتقنعك الرواية. كتبت له في الفجر " لا مكان.. حوار سخيف عن رجل يخون أو يود أن يخون، وفتاة تحبه ولا تريد أن تحبه لأنه يود أن يخون.. كانت تعلم ولم ترى.. أو أنها كانت ترى ولم تعلم.. ربما كانت عمياء.. أو أن النص كان عن سير حكاية لأحداث لا تخص القارئ!".

حينما يتفتح مجتمع الشباب السعودي على بعضه في الخارج وهو يدرس يخرج لنا بكوراث جميلة، كهذه، وغيرها. كنتُ اقهقه بصوت عال لوحدي- وهذا ليس من طبيعتي كما أكدت مراراً، وأنا اقرأ ابتذالاً مسلياً، وعزيز -" يا عزيز" النداء الأبدي، يصر لها مرةً برومانسية سعودية خالصة " أريد أن أشيخ بجوارك". كنت اضحك على الاستجداء الفاضح وجمانة البطلة تؤكد برومانسية سعودية عالية- رومانسية إنسانية عالية كما تحب أيها الصعلوك- أنها ترغب بطفل منك.. آه لقد تم شوائي في قاعة من الورد الزنبقي، وأنك وعدتها ثم وعدتها ثم أخلفت وهي فهمت أنك وعدتها وأخلفت ولكنها لم تفهم لماذا قلبها لم يفهم هذا الغدر، لأنها كانت عمياء، ألم أقل لك: فتاة طيبة عمياء، ألم يبكيك هذا؟، فعلاً.. أنت لا إنساني. لقد كانت طاغية بالأنوثة كأي فتاة وكان هو مزدحم بالرجولة- سأخبرك كل مرة كل مرة قرأت فيها كلمة أنوثة ورجولة كل مرة كنت أُطلق قهقهات صغيرة بلونية في بطني.. كانت تصيبني أخيراً بإسهال ما.


وكنت اتأوه كلما قلبت صفحة جديدة، في الغالب كان الحوار بعامية مسطحة محشودة، قدمت للرواية مزيداً من التسطيح والتكرار، وكل مرة اقرأ حواراً أشك أني قد قرأته من قبل، وكأن أحدهم يقيء في فمي من جديد. لا أنصح بقراءة العمل، ولمن لم يقرأه، فالرواية تتلخص في هذه الأسطر، ما يعني لو قرأت هذه الأسطر، ستخرج بذات القيمة المفترض الخروج بها بعد قراءة العمل. ص 170 " متمسكة أنا بفكرة أن يكون الأمر خطأ، سوء فهم، لبس، .. أي شيء عدا أن يكون الأمر حقيقياً وأن يكون أمرنا انتهى.. أرفض أن أصدق بأنك ستكون معها هي، لا أن تكون معي أنا.. لم أكن على استعداد لأن أتحمل كل شيء، أن أتفهم كل شيء إلا أن تكون قد تركتني من أجل امرأة أخرى لا يحق لها بشعرة من جلد رأسك.. أستحقك يا عزيز، أستحق كل ما فيك، أستحق بصبري وبحبي وتضيحات سنوات مضت.. فلماذا لم أحصل عليك؟!". كان التبرير البنائي خامل جداً، ويظهر جيداً في أجزاء متأخرة حينما نقرأ الاستشهادات والاقتباسات بالحِكم والأمثال وأبيات الشعر وأبراج الشعراء على ألسنة الشخصيات، مما جعلني أُشفق أحيانا، قال لي الصعلوك: هناك مرض في الحكاية.. علاقة حب ممرضة، أجبته: لكنها فقدت منطق العمل الروائي. القارئ العادي سيخرج مشوّها الحب في رأسه، وإن كان من حسنات فهي أن يخرج القارئ وهو يقسم أنه لا يود حباً كهذا، ومن حسنات الرواية حتى لا تأكل الموز وحدك أيها الصعلوك، أن اللغة كانت منسابة وسلسة لن أقول مسطحة حتى لا تغضب، ونصيحتي أن يسبقها فكرة جديدة تأخذ مسار الرواية إلى طريق المؤدي إلى الجمال والفتنة والابتكار، فكرة مبتكرة تقبض على حبل الصعود، ولكني آسف لأنها رقم جديد في الانكباب..وهكذا سأقول لك: أنه قد افترض الروائيين السعوديين والروائيات السعوديات لمن اعتمدوا الخط الرومانتيكي أن ترى الحب في الامرأة، معذبة طيبة وعمياء، وفي الرجل، ينتقم من الحب عبر ممارسته الجنس في الرواية. على هذا المنوال.. تنتحر الرواية الرومانسية المحلية ليحلّ مكانها أشياء لا أفهمها من الهراء والعصّر والجمع والفضفضة وذكريات المغامرات.. ولا أدري ما ينبغي وما لا ينبغي في قوام الرواية الرومانسية المحلية.. هل أكثر مما ينبغي أو أقل مما ينبغي.. أو أنه لا ينبغي البتة.



abuiyad