العبور إلى الذاكرة المُقمرة ... ( حسين البرغوثي )








حسين البرغوثي






ما عدتُ لعقلي، هناك كائنات غريبة تدور بمناقيرها السائحة فيه. ما عدتُ نفسي، ارتديت نظارتي السوداء في هذا الليل وانسللت لشارع فرعي خلف هذا البنيان.. أُهمهم.. وأبكي. أخذت على نفسي عهدا ألا أكتب أي شيء، " بالطبع لن أكتب !". ثم تورطت على كل حال. إنها ليست دوامة من انبعثات الجنون والفقد والهذيان، ليس معنى اغتراب الإنسان في صورة نص فاتن ما، لكنها حقيقة الفن يقرأه ويفعله الإنسان المغترب عن كل ما يمكن أن يستلهمه من الحياة عن الحياة، ومن الفن عن الفن، ومن الأدب عن الأدب، ومن ثَمّ كل هذه التحالفات لتنبت في بعضها، وتُزهر إنساناً خالصاً لفهمه ووعيه، لنحصد فتحاً آخراً من وعي الإنسان بمجاهيله وكونه الداخلي وكينونته المتجنى عليها، نحصد هذا النور أو الضوء في الإنسان كنسق من الكتابة الملتصقة بتفاعلاته الذهنية والنفسية والفكرية، أو لنقل من حيث جنونه في عقله وعقله في جنونه، حين نحاول أن نتعرف على الإنسان ابناً لكل حضارات البشرية، تورطاً بها وهرباً منها إلى ذاته، نستشعره كإحرازاً لسبر أغوار مشكلة الإنسان في تفسير ذاته وأسبابه، وإرثاً لحِمْل مأساة التاريخ الهائلة والتجرد منها. والحيرة  أيضاً كانت تنهش روحي ولكني اقرأ، حتى أكلتْ وجهي وتخففت منها مرة في هذه الأسراب والأنواء والعوالم السابحة الشاردة، لكني اقرأ.. اقرأ قصة المجنون حسين الذي اقتلعه السرطان من تجذره بالأرض والسماء والبحر والجبل والصحراء وما دون وماخلف وفوق الكلام.

لنعبر إلى الإرث، الجوع والألم والحلزون الأحمر والتعابير التي سُلبت من الإنسان، فخرج لنا عُرياناً هكذا. لنعبر إلى ذاكرة حسين. لنَعبر لا لنتحرر، لأنها سلطة، سلطة الذاكرة كالقيد يلتف بروح الإنسان المهموم بالإنسان، بالعالم.. كما بنفسه. يكتب حسين عن حياته والعالم ليَعبر ذاكرة التاريخ المسكون بها بجلافتها وبؤسها وبشيء من سلامها، وليعبر عمق ذاكرته هو كإنسان ليعرف "هو" حقاً. ولنقرأ نص حسين.. سنتعلم حسين وعلى الأثر سنضخ في الأسراب الشاردة إلينا ما علينا أن نتعلمه عنّا. ولنَعبر إلى الأثر، فنقطف من أزهار العبور أكثر من وشم البقاء أو تمثال الكمال، لنتجرد في نهاية مسار هذا العبور من الفوضى الجائرة تجاه ذواتنا وإنسانا ونربت على قذارة التاريخ وجماله التي نحملها على ظهورنا كأحمال اختار الإنسان أن يحمل أثقالها. كتب حسين البرغوثي سيرته في كتابين، كان أحدهما " الضوء الأزرق" كشفاً للجنون الغارق به، جنون الإنسان، الإنسان المهموم، والأخر كان مصافحة أخيرة " سأكون بين اللوز" قبل رحيله وقد أُصيب بمرض السرطان في رئته.. ورضي أن يتحدث لنا عن نفسه أخيراً.

الجنون.. الحكاية الشهية التي جذبته ولوّنته بها. كان يبحث ويفتش عنه، لا يريد أن يتقمصه وهو يختبره، ولكنه يبتغي حالة بين بين. وأشغله الجنون جدا. في " الضوء الأزرق" يخبره "بري" الصوفي الذي يلف كل لحظة لفافة تبغ من نوع "عثمان"، عن تعاليم الجنون " راقب الماء لتفهم الجنون". ولذا يعود طوال الليل ليراقب الماء في الحوض ويتخيل نفسه سمكة، ولمّا يتلقي "بري" مرة أخرى يدور بينهما حوار غريب، يفصح فيه حسين عن خوفه من الوقوع في حالة "بري" الذهنية، : " بري، دعني أسأل عن شيء حاسم بالنسبة إليّ: تدري، أنا مرتعب من الجنون، من فقدان عقلي.. ما المخرج؟"، يخاف منه لكنه يريده، ولا يدري إن كان هو مجنونا الآن أم لا. وكل مرة لا يزال يتكرر لديه سؤال، " ما الجنون ؟"، وبوضوح يسأل عنه، ويخاف أنه قد أصابه. في "الضوء الأزرق" يسأل "بري" مرة أخرى " - ما الجنون ؟"، فيجيبه " - قلبك يأتي إليك متنكراً في هيئة بحر، فتعتقد أن قلبك بحر بيروت. هناك بحران : بحر بيروت وبحر قلبك. الأول حقيقي، والثاني بحر نواياك. وأنت تجهل الفرق بين البحرين، وهذا جهل بنواياك من حيث إنها نوايا، جنون يا رجل!". يحيى ويموت حسين بين لذة الجنون والتحرر من العقل وأسر الذاكرة، يهذي في "سأكون بين اللوز" حتى يصطدم بجبل الذاكرة، الهرب الذي يأسره، " كل ليلة هكذا، يطغى عليّ شعور بتخلع المكان، وتخلع إدراكي له. نسناس بوجه بومة يأتي كي ينبش في كيس قمامة رميته هناك، وقطط بريّة تعبر بعيداً عنِّي، بحذر. مرة جاء من جهة الوادي غناء كائنات يشبه عرس جنّ، بدفوف ونايات، أو زعيق طيور بحر، ومشى الغناء صاعداً نحو " خطّ الشفا". ليس هذا " جبل الذاكرة" الذي أعرفه، بل أقرب إلى "جبل الآلهة" ...". وفي عالم حسين أكثر من الجبال والبحار الطائرة والمُجسمة،  الألوان التي أخذ يفلسفها في أولى أوراق " الضوء الأزرق"،  ومن ثم افتتانه واعتماده الغريب اللون الأزرق، الذي لا تكاد تخلو صفحة من الكتاب من إشعاع الأزرق فيها، هذا إلم تتكرر أكثر من مرة. الألوان في عالمه تشي بأكثر من البُهت أو الإشعاع، ولذا تنتثر الألوان وتحتل مكانة خاصة في سرده وتصويره، يحكي في كتابه" قصص عن زمن وثني" عن مناة :  "لها معبد على شاطئ البحر: صخرة عظيمة سوداء. انتبه إلى اللون، سأحدثك عنه في ليل آخر". هناك تداعي ما يحضر مع حضور كل لون، تداعي يسكن اعتياد العقل والنفس للألوان، الأزرق عند حسين أكثر من لون السماء والبحر، يحكي في "الضوء الأزرق" :  " لكن اهتمامي بالأزرق قديم، علق في ذهني اسم "زرقاء اليمامة"، "عندي، الأزرق لون الغربة، والغيب، وسماء الطفولة، وربما أن لنواياي السيئة لوناً أزرق.."، " فالأزرق إبليسي المعنى". الألوان تشغل العقل المجنون، كما يقول شكسبير " هناك عقل في الجنون"، في "الضوء الأزرق" يلوّن المشاهد كما تعتمل في كونه، " وجاء دوري. وجهه أصفر باهت، وفيه غضب قديم، وبياض شبحي ما، وبقع خضراء داكنة وغريبة بدت لي متعفنة..."، الألوان مشاعر ونوايا وتعاليم وأصوات ومرويات وكائنات وأشياء تبث خواصها في كون كل عقل مجنون. نجد في نصه " حجر الورد" والذي صنّفه تحت " نص ما بعد حداثي"، تجسيد مطلق لعالم حسين الحر، ورغبته في الإبحار عميقاً في اغترابه عن نفسه وعالمه، ولذا كان نصاً يشبه الهذيّ والجنون، حتى لا تقبض على الهوية إلا عبر تتبع شاق لندرك قصة الجنون، في جمال من الخلق والبعث والتصوير وعوالم الخيال العجيبة، وهنا جنون أيضا، أخذت أقضم روحي، في "حجر الورد":  " وقال لاحقاً، أنه تجوّل حول ضواحي الجنون، وعاشر سكان هذي البلد، وتوقف بين المألوف والجنون زمناً، لا يرجع من حيث جاء، ولا يوغل حيث اتجه، سألته إن كان هناك لم يزل، قال التردد بين المألوف والجنون طبقة"، طبقة أو هي النية كما اختار لها الشأن في كتابات السيرة، في " الضوء الأزرق يسأل "بري" ":
" وما الضمانة ضد الجنون ؟"
أطرق طويلاً، وهو يلف لفافة تبغ ويبصق الفتات، وحلّ أثقل صمت في حياتي، ثم قال: " الضمانة ضد الجنون ألا تنوي أبداً". هكذا علّمه "بري" عالم النفس والفلسفة الذي فضّل الجنون والعيش كمتشرد، وتمت إعادة صياغة الحياة في أنابيب وعيي. وبوضوح يحكي في صفحات متقدمة كيف رغب حسين جداً في الجنون، " ومن اللطيف أن الجنون مغر، غريب كم كان يتجذبني، كم كنت أرغب فيه، وأنوي عليه، "ولكل امرئ ما نوى". ". قرأت معظم ما قرأته لحسين في حديقة مهجورة بمدينتي، أمضي إليها منذ أولى ستائر الصباح،  كان  ينام ويتجول فيها كهل متشرد، أجده في الصباح الباكر متغطيا بلحاف سميك كأنه ميت، بعد ذلك بات أنيسي، أنظر في وجه "بري" مرة، ومرة أحيي هذا الكهل في عالمه، العوالم المتشابهة، وأتكور في حكاية حسين واتدفأ بشيء من الوعي بالشجر والطيور..  وادفع حسين. وأخذ العالمُ من حولي يُعيد تشكليه مع كل إنزلاق أخر في عالم حسين. " ادفعك يا حسين.. ادفعك"، وتشردت. وكان إنزلاق حسين في الحياكة كالنسيم أملئُ بها أنسجة فؤادي وخوفي وأضيع في دوامته، كان يدور حول شخوص "حانة القمر الأزرق"، "جوني" و "سوزان" و "دون" و"بري"، كان يدور بصعود وهبوط يشبه الابتهال، يتحدث عن "دون" : " رسام مشرد بلحية حمراء فاتحة، وصلعة صغيرة عليها قبعة بيريه رمادية.. كائن شفاف وهشّ، وأنعم من دمعة، وقبل أن يتكلم، يرسم بلحيته شبه دائرة على صدره، بحركة بطيئة، وكأنه يقاوم قوة مكبوتة تمنعه من النطق، وصوته مثل صلاة"، لنكمل الدوران فيما يلي هذه الأسطر الحلوة ، كما وصفها محمود درويش، بأنها أجمل ما نُثر فلسطينياً، : " ما زلت أذكره واقفاً يلعب البلياردو في حانة القمر الأزرق، وذلك الصوفي من قونية يمطُّ رقبته نحو " دون" قائلاً: " أنا لا شأن لي بغيري". فيردُّ "دون": " إذن، اذهب وكن قنديل بحر. فليف الصوفي سيجارة تبغ ويتمتم: " إن الله يتكلم".، "ليلتها، جاءني "دون" على بيتي: لحيته تقطر مطراً، وهيئته يرثى لها، وفي يده حلقة خشبية متسخة ومبلولة. حسبته جاء لينام عندي فدعوته للدخول، فناولني حلقة الخشب قائلاً:
"هذه هدية لك، وجدتها في صندوق القمامة"
" وما هي دون ؟"
" خذها .. هذه هي العقل.. دائرة من ثلاثمائة وستين زاوية، وبين كل زاوية وأخرى زوايا لا نهائية".
" نعم، زوايا لا نهائية، دون، ولكن ما دخل ذلك بالعقل؟"
قال: " كل زاوية طريقة نظر إلى الدنيا والحياة، تعلم من هذه الخشبة أن ترى دائرياً، بثلاثمائة وستين زاوية، اقعد في الفراغ الذي في الوسط، وانظر دائرياً، وابق قاعداً في الفراغ". ". كان وجهي في المِرآة نزقاً، وأعتدتُ أن أكرر القراءة، فهي تسرح بي في مجاهيل وأكوان خاصة جداً، ويتردد في القارئ ما يشبهه من القصص، فيخدر ويستلذ، فهذا العالم مُذهل، وأذهلتني تقنياته بلغة مبسوطة ومفاجئة، تُحيل المشهد إلى محادثة داخلية ممتدة، وإلى السير في نفق الجنون، والجنون بوابة كبرى لمرض الإنفصام. وهكذا كان حسين يخاف على نفسه من الإنفصام، ولا يدري هل أصابه حقاً، حيث تقترف الشخصية الثانية أفعالاً لا تشعر بها الشخصية الأولى، أمتعني هذا الرجل حقاً، في " الضوء الأزرق" : " في ليلة ما غفوت وتركت التلفزيون الملوّن مفتوحاً، واستيقظت مرتعباً من شيء خفي في الروح، ونظرت حولي: قرب التلفزيون، على مقعد خشبي، تقريباً رأيت شخصاً آخر يشبهني، نسخة عنّي، وبدا بأنه كان هناك من زمن طويل يراقبني وأنا نائم. تقريباً رأيت، أي شعرت بحضوره، بطاقة في الجو، كطفل شعر بأن أباه الميت كان يجلس هنا، ويحلق لحيته في المرآة هناك، وبالتدريج، تتكاثف الذكرى، والطاقة، وحضور الموتى، وتقريباً يرى أباه جالساً في الكرسي كأن لا موت هناك. شعرت بأنني داخل شقة أخرى انفتحت في الشقة، أو كأن شخصية أخرى للشقة استولت على الأولى. قلت: " ابق على الخط: أنت تتشبه بنهر الأردن، وعلى وشك الانفصام إلى ضفتين".  كنت اتفرج عليه واُنصتُ له وهو يتلو نصاً من " الضوء الأزرق" على اليوتوب، في البدء ظهر كأنه كان متذمراً من تلاوة جنونه وخواطره الخاصة، ثم تعالت نبرته في قراءة درامية مسرحية سريعة، وكأن النص ركبه فهو منتشي به، لأنه يعبر به إلى ذاته، إلى ذاكرته التي لم تتخل عنه. .عندما توحد بالبحر.


يتلو نصاً من الضوء الأزرق


الصراع أو الإتحاد بين الجنون والذاكرة محل التأمل، فهو بين أن يتحرر من ذاته والتاريخ ويصبح مجرد عقل صامت مصبوغ بالتفرد والعمى عن هذا العالم الكثير، وبين قيودٍ كالتجذر بالجبال من سلطة الذاكرة، تلك الذاكرة المُقمرة.. الرائقة والفاتنة. بين موت وحياة، موتٌ كحياة وحياة كموت، يحكي في " الضوء الأزرق" : " في بلد يسيطر فيه الموتى على الأحياء، والماضي على المستقبل. هذه هي " سلطة الذاكرة". وفي منطقة عميقة يقاس تاريخها، ليس بالقرون، بل بألفيات، الذاكرة خطرة جداً، معمل أشباح." ذاكرة الأجيال والصراع والتاريخ، وهو أراد أن يكون إنساناً بمعايير الإنسان، كتاباً وشاعراً بمعايير الإنسان، ورغماً عن سُلطة الذاكرة وجبروتها، كان حسين كاتباً متفرداً وشاعراً مذهباً لوحده. في " سأكون بيت اللوز"، تنازعه ذاكرته المجنونة وذاكرة التاريخ الخارقة، : " وبدا لي بأنني أرى " ذاكرتين" معاً: ذاكرة الأفاعي التي تزغرد وهي تطير، وذاكرة من رؤى وأساطير مسلحة تحلم بإبادة الأفاعي،....، وبين الذاكرتين، ذاكرة الضحية وجلادها، ما يشبه الوادي، أو " الهوّة" صدع عميق ما، وأنا واقف على شفير هذا الصدع اللامرئي.". تلك الذاكرة المسكون بها التي قادته ليتقمص شخصية أعرابي قبل الإسلام في قافلة تقطع الصحراء إلى مكة، في محاولة لفهم وكشف جوٍ وحالةٍ ما قيل فيها بيتُ شعر لإمرؤ القيس، كما في كتابه " قصص عن زمن وثني"، في هذا الكتاب كان متيماً بالعيش في ذاك الزمن المنغبر، خلق أجواء مكة قديماً، وتحرر بذاته وعوالمه في تفتنه بالصحراء والأعرابي والجن وشياطين الشعراء ووادي عبقر وليالي مكة، لقد عاش هناك. يحكي له كاهن الكعبة لمّا ألتقى في الزمن الخالي مرة امرؤ القيس، وكانت الذاكرة تتسلط على حسين وهو يسرد، في " قصص من زمن وثني": " نظرتُ مرتبعاً إلى الباب، كي أرى من هذا الذي يدنس حرمة الحرم بفظاظة، وإذا برجل يدخل المعبد، غريب الهيئة، بصندل جلد، وقربة ماء على ظهره، أسود الشعر أجعده، قاسي الملامح، ومشمر الساقين، توجست منه ووقفت. كان يلهث، متعباً من سفر ما. فتناول القداح وجعلها حزمة واحدة في يديه، وضربني بها على كتفي الأيمن ثلاث ضربات خفيفة.
" من..م.. من؟" وأقبل أن أكمل قال:
" كبير الشعراء". ( امرؤ القيس).
كنت كمن رأى إلهاً بجلده وعظمه، أمام حضرة وسلطة الشعر، فشعرت بالضآلة، وخفت. ولم ألفظ حرفاً. سلطة الذاكرة، والروح. كانت تقف أمامي، وعلى كتفيها قربة ماء، تحت ضوء شبحي." ويمتد الحوار، لينازع الكاهن الشاعر ذاكرته فيقول له :" أنت من نفق الذاكرة"، ويثبت حُسين في رد كبير الشعراء أن سلطة الذاكرة تجرّه إلى المصير الذي لا مفر عنه، إلى المستقبل: " لا يا عبد مناة، أنا وصلة بين الصحراء والمستقبل". كان يشرد في ذاكرتين، ذاكرة عتيقة ثقيلة مُحملة باللغة والثقافة والنص، وذاكرة الشرود ذاتها من ذاته إلى حيث ذلك العالم ليُحيه ويحياه في تلك القصص. كان حسين منيراً، مثّل لي الذاكرة الفلسطينية الإنسانية، بكل ما تعنيه فلسطين من جماليات مخبأة خلف هذا الإحتلال والصراع، كان فاتناً ساحراً بجُمَله وتصاويره، وتراءى لي فيما يشبه الذاكرة المُقمرة في ربيع وليل ناعم، وهكذا وجدته، يحكي في "حجر الورد" ما يطوّق هذا المرأى : " فصرنا نسهرُ في الشبابيك وننظرُ إلى جهة البحر، مترقبين حدوث شيءٍ ما، ولم يحدث شيء، وضمرت عضلاتنا وشاب شعرنا ولم يحدث شيء، والقمر لم يعد يغيب، بل يتصلبُ ويتكرر، حتى شعرتُ بأنه أُلصق بالذاكرة". ذاكرة مُقمرة هائمة بالجمال في الخيال، وبالهروب في قصص حضارات الإنسان القديمة، فهو مُشبع بهذا التاريخ الإنساني العريق، وهو مُشبع بتوحد الإنسان بلحظته وحدودها وزواياها.  مثل هذا البعث المُقمر نتلمسه في حديثه عن حياته الشخصية، عن حياته مع زوجته وطفله، يحكي في "سأكون بين اللوز": " بنينا حلمنا، أنا وآثر وبترا: بيتاً جديداً وصغيراً وأبيض، في حرش زيتون، قرب قمّة جبل برية. هذا هو بيت اسمي : " وبيته آخر البيوت.. " أقعد على فراش أو على كرسي قشّ، في فيء زيتونة مقمرة، قرب " البيت الذي قرب الرمل".". وفي جحيم الذاكرة، يتسور قلاع طفولته ويعود مغترباً المكان والزمان إليها، يعود إلى رام الله، ويعود لإحياء طفولة الذاكرة، : " بعد ثلاثين عاماً من منفى طوعي عن الجبل، رجعت إليه، إلى جمال سبق ونسيته، أو حتى خنته". يفتش عن طفولة وعن طفولة ذاكرة يعيشهما مرة أخرى في أغنيات الطفل ذو الشعر الجعد، وليال الهرب للسينما.




هذا الذي درس العلوم السياسية والفلسفة والأدب الإنجليزي ونال الدراسات العليا في الأدب المقارن بقي شارداً إلى نفسه، وذُهل بعالمه/ ـنا كما لا نفهمه، ننام ونستيقظ عليه في وعاء من  عويل و ضجيج لا أكثر. في سرده الذي هو يشبه التحرر والتحليق أكثر حيث نلمس هذا التتالي، وتوالي القصص والأحداث وإحياء أبعادها بجمالية الدهشة والخضوع لهذه الرؤى الجديدة حقاً، والربط الفني حتى لا تكاد تترك أياً من نصوصه حتى تنهيه، وهذا يظهر جلياً في كتابه " سقوط الجدار السابع"، وهو يتابع قراءة وتفسير عدداً من الأعلام والأحداث التاريخية الأدبية كالمتنبي وشخصية هاملت ومظفر النواب ودستوفيسكي وشخوصه ثم الحركات الفنية والفكرية والسياسية في أوروبا في قرون النهضة، تفسيراً وقراءة نفسية فلسفية ومنطقية. تتابع وتوالي يخضعك للمتابعة حتى الإنهاء والإشباع. لم أكن ميالاً بعض الأحيين للمباشرة في كتابي السيرة، مثلاً  كصيغة التعليل والبث على لسان "بري"، على كل حال كان عليّ التظاهر بأني عاقل وعاديّ وأنا اذوب في دوامتي الليلية مع حسين، أو كما قالت له "سوزان" التي تكرر رسمة الطاووس كل مرة، في "الضوء الأزرق" :" " أنت تحيا في داخل رأسك". صدمتني دقّة الجملة: " أحيا في رأسي"، أي لست حتى نصف حيّ.. أي صحراء أو جثة، لا فرق. من الخارج، كنت مرحاً، واثقاً من نفسي، وأفيض بالحياة، أدعي ذلك أو أتظاهر به. ولا أدري أين نفصل بين الإنسان وبين ما يدّعيه عن نفسه، ويتظاهر به. ". هذا الذي تصعلك في المدينة البنت (ستايل)، مهرَ في علم نفس الأدب، ومشروعه بتنوعه من كتابة سيرته ودراساته وشعره يُجمل في هذا التصنيف، فالقارئ يلمس عبقرية في إثارة البواعث النفسية والحياتية الكامنة في قصيدة ما أو فكرة ما تقوم على حركة فنية مثلاً، نجد تلك العبقرية في قراءته للمعلقات في " قصص عن زمن وثني"، وهو يربط الأبيات وعدد حروفها بما أسماه المربع المقدس، ثم بالسنة القمرية والشهر القمري ومنازل القمر، أصابه هاجس المربع المقدس والمثلث والدائرة وما ترمز إليه، أصابتني لوثة بما أني لا أفقه في علوم الشعر، أما ما اتضح لي فهو إنشغاله بأن هناك روابط خفية عميقة في حكاية الشعر وبناءه. يُعيد فك أسرار المتنبي النفسية في شخصيته في كتابه "سقوط الجدار السابع"، ومن التحليل النفسي الذي أعتمده بالوجه القناعي والحقيقي للشخصيات التي توقف لتحليلها، يحكي : " المتنبي على العكس من ذلك، كلّما فشلت قناعيته أكد ذاته الحقيقية، لأن بيعها يعني بيع السبب الرئيسي عنده، بعد تركه لسيف الدولة نراه يرجع للصراع نفسه بين الشخصيتين، ففي القصيدة نفسها التي يتمنى فيها الموت يصف كافور الإخشيدي بأنه " إنسان عين زمانه" بينما سيف الدولة هو البياض والمآقي أي أقل أهمية، بالرغم من أنه لم يشتم سيف الدولة إلا أنه لم يغفر له ما فعله أبداً، في مصر وصل الصراع إلى مرحلة غريبة: لقد أنتج المدح المبطّن، فالقصيدة مدح وهجاء في الوقت نفسه وتحتمل التأويلين معاً، وبمجرد أن فشل في مصر لم يتورع عن أن يكشف عن موقفه الحقيقي من كافور :
" من علّم الأسود المخصيّ مكرمة  ** أقومهُ البيض أم آباؤه الصيدُ
لا تشتري العبد إلا والعصا معه    **  إن العبيج لأنجاس مناكيد ُ ".   وفي هذا الهجاء نرى شخصيته الحقيقية، الهجاء تعبير عن الرغبة في الانتقام من الآخرين، وتمني الموت انتقام من النفس، إنه انتقام الأنا العليا منه إذا استعملنا تعابير فرويد." وهكذا في تتالي شهي وشيق يحلل نفسياً المتنبي والشنفري والنّواب والشخصيات الأخرى التي تعرض لها، مثلاً حينما استعرض بعض شخصيات دستوفيسكي وقرأها جيداً، قال في مقطع اقشعر له فؤادي، " نستطيع أن نؤكد أن شخصيات " دستوفيسكي"، ليست في الحقيقة إلا شخصية واحدة وهو ينهار داخل نفسه ليس بشراً، بل مستشفى من الأمراض النفسية، ومكتبة من الفلاسفة، وسرباً من الأنبياء المتدينين، وقطيعاً من المجرمين، وحفنة من الأنبياء الاجتماعيين، ولكن متحدين في شخص واحد، ورواياته ليست إلا استعراضاً لتمزقات مجتمع بأكمله حين تصبح تمزقات فرد واحد". هذه هي الروح ذاتها التي انتجت تجليات " الضوء الأزرق" عبر تحرره من التزامات النص، فتحليله لتعويذة " بري" المبهمة : " بيور بري أوم، أومني بدها أوم"، تضعنا أمام تحرر فلسفة حسين النفسية المُثقلة بالتاريخ والحضارات أيضاً، وهي في الخاتمة تشبه عقل حسين وثقافته، " فالتعويذة صلاة سحرية، بكلمات شتى من لغات شتى وأزمنة شتى، تدل، ليس فقط على عقل موسوعي المعرفة، بل على هوية تشبه هوية مولانا جلال الدين الرومي- هوية شخص ليس مسلماً أو يهودياً أو مسيحياً أو عابد أصنام أو أي شيء آخر، لأنه " كل هؤلاء"، صلاة سحرية لله أو للكون أو للطاقة ، من أجل "بري" نقي وطاهر وبريء". قاده كل هذا التلاقح بين الحضارات وذاكرة التاريخ إلى أن تُشرق نفحات نفسه الصوفية، فهو محبذ لكل ما يطهر هذا الروح ويُسلّم النفس من شقاء طرقها التي تسلكها، ومن الضياع والحيرة والفراغ، فنجد هذا النَفس الصوفي وهو يعتمد صيغة العارف النفري " يا عبد" ومناجات ابن عربي، في نصه " حجر الورد " : " يا عبد أنت أسير ما عتدت عليه، أخرق!، قال ياعبدُ تكرر في فم الزبد البحري كلازمة الأغنية، قال، تكرارك يا عبدُ لزوم ما لا يلزمُ، غنّ، كن عصفوراً من اللؤلؤ... يا عبدُ ما وطنك وطن "، مناجاة يعصف بها ما يطغى به من تحرر واستقلال واغتراب وتفرد. يمكن أن نقبض على تشبع حسين وانشغاله بفهم وكشف أغوار النفس من قصة مسح أو غسيل الدماغ التي مارسته الكنسية معه، وهو يحكيها في " الضوء الأزرق"، ثم الجُمل الساخرة والمضحكة التي جاءت في سياق قصصه مع شخوص " حانة القمر الأزرق"، كالأرنب الذي يرمز إلى كون الجنون عند من فقدوا الحياة، وعبارة "دون" الساخرة لبروفيسورة الجامعة، " اذهبي، وكوني قنديل بحر !"، وكعبارة "بري" الذاهلة، " يا رجل هناك كائنات مرحة في الداخل أكثر من الخارج". وهكذا بتُ ذاهلاً في شارعي الليلي، اتأمل البنايات والألوان وأغرق في الصمت الناعم. وندمتُ أني تورطت في هذا التدوين.


أخيراً، فحق حسين البرغوثي على القراء أن يشاركوه عوالمه التي بعثها، كتجربة إنسانية منيرة مقمرة وثرية، وأقل هذه المشاركة أن نقرأ شعره الفاتن، الذي هو صِنفٌ ومادة نشتم عبرها الروح الخفية الحيّة في حسين، الذي هو شجرٌ وتربة ومذاقٌ لوحده. في مقطع على اليوتوب أبصرته حالقاً شعر رأسه، وقد عبث السرطان بجسده ووجهه يقول، أن المهم أنه ترك أثراً أو "آثر" اسمه طفله، ثم أتحول لأغتبط بإحدى أشعاره المُغناة، فيعود وجهه الصلب مرة أخرى أمام عيني ينازعني، وهو يقول، أما الكمال فقد تنازلنا عنه من زمن. هنا سأستعرض بعض أشعاره المُغناة، وهذا العالم الخاص المُشبع بحميمية الجملة الفلسطينية، والمغنى الكوني الراقي.


ـــــــــــ
* رصيف المدينة - جميل السايح.




رصيفُ المدينة في الليلِ لا غبار عليه
عندما لا نخاف منه ولا ننام عليه
عندما نضحكُ من معدتنا
لأجلِ فنجان شاي
تحت قوس قزح
يكون الفرح لا غبار عليه
عندما ينبع الجمال في عيوننا
من الربيع في داخلنا
يكون الرمش لا غبار عليه








ــــــــــــــــــــــــــــ
* النوري - كاميليا جبران




اصلي نوري
مهنتي الرقص
ومهنتي اسلي الحزنانين
بقرا البخت بقرش ونص
وبكرا حظ المظلومين

قعده طويلة عالأرجيلة
بضرب كوع بجنب النار
النار بتعلى بنص الليل
أكلي جاي بعرق جبيني
لا بظلم ولا بسرق خيل
مهنتي الرقص عدقة ونص
ولحيتي طويلة تعيش عيلة
وأحلى بنات النوريات

عايش على الإشيا القديمة
عبيع الخيل والعملة القديمة
خلاخل فضة وخريفات
ياما وقفت وخفت وقلت تهون

أصلي نوري
هذا قدري
بقرا البخت بكف الناس








ـــــــــــــــــ
* كم قلت ظلي لدي - تراب



كم قلت ظلي لدي
كم كنت لي حينا..
وحينا علي
وغرّبتك الذكريات

وقطارات نصف الليل في روحي
وانهار بلا ماء يطاردها الشتات

كم قلت ظلي لدي
لقد خطفتني المنحنيات
الحياة التهام
تنحنين كتمثال على الماء تآكل من لحظة الشمس
كم قلت ظلي لدي
وينزل فوق جبينه الحجري الحمام
كم قلت ظلي لدي
وينزل سيف ذكرى غامض في ظهره
ينام من تعب
ينام من تعب
ويوقظه الكلام



ــــــــــــــــــــــــ
* ثلاثين نجمة - كاميليا جبران



ثلاثين نجمة نضوي على واد السرو
ثلاثين نجمة تضوي
قلبي كهف مفتوح
لو تفهم الحلوة
انه القمر مجروح
بس الأمل قوة

ثلاثين نجمة تهوي على واد السرو
ثلاثين نجمة تهوي
نص العمر بهوي على واد السرو
نص العمر بهوي
وتغيرت الأيام
وتبدلت الأحلام
وتكسرت سروه

قلبي كهف مفتوح
لو تفهم الحلوة
انه القمر مجروح
بس الأمل قوة


..

بقية أغنيات ألبوم " صابرين" :




( في ذكرى حسين ) - رحمه الله-.




abuiyad