لكن آفة حارتنا النسيان*













الحياة لوحة جدارية هوائية مصمغة دائرية ومعبأة، وإبداعها يُخلق فيها كل صباح وكل مساء، والله يبهرنا ويجعلنا نسبحه ونسجد إكباراً له لجمال ما أبدع. والروائي مشاركٌ في هذا الإبداع، إنما يسجل حضوره في دائريتها بمحاولته تجلية حقائقها  وانصبابه لتصوير الحياة كنزعة أخرى من البقاء والثبات على الرغم من التجدد الذي تفرضه الحياة. وإذا تفكرتُ فيما أبدعه أحد عظماء الرواية في العالم نجيب محفوظ من إبداع وخلق فإنني أجد البقاء الذي يحيى والنص الذي يتجدد. قبل 6 سنوات في مثل هذا اليوم رحل نجيب.. قد أحيى عوالم من الحياة لا تُختزل على الرغم من اختزالها في قصص، فالقصة عنده تَبعث مع كل قراءة ملامسات تجمع الوجدان الشعوري والفكري، والعبارة لديه تحريض مُسالم وصادم، بسيطٌ وأليم، منعتق ومتلبس، فهي مجموعٌ من كل هذا عند الذائق الشارد في نفسه، الهائم فيما في وما خلف ما قد تحكيه دائرية الحياة. 

عن الكتابة وعن الفن نتعلم في حياة نجيب محفوظ معنى التنظيم المحكم والعجيب، كيف لروائي أو فنان يسيطر عليه ما يشبه تداعي الفكر والخاطر والإلهام والنزعة ومبتدَئات ونهايات الحياكة النصية أو الفنية أن يحول الكتابة أو الفن لممارسة تأتي بالتنظيم لا بالتلقائية والمزاجية التي يفترضها كثير من المدافعين عن الفنون، يقول عن تجربته " الكتابة يجب أن تكون بين أربعة وسبعة، بالتعود بأت تيجي، وبأت النشوة تيجي !(....) الخطأ أن تعتقد أني بكتب حتى ولو نفسي مش في الكتابة.. ما حصلش !، إنما الرغبة دخلت التنظيم ". ومرة أخرى يفلسف لنا مشكلة التنظيم والتلقائية عند الإنسان وعنده بالطبع " التنظيم لا يختلف عن التلقائية، ليه ؟، لأن التنظيم مسبوق بتلقائيات في ظروف عديدة، وأنت قاعد في القهوة بتحصل حاجة، وأنت بتاكل بتحصل حاجة، وأنت جي تنام بتحصل حاجة، مش دي كلها تلقائيات، تبأى عاوزه التنظيم بس ".

مولانا نجيب قديس في محراب نصه وفكرته، لم تشغله شهوة ثراء وبذخ اللغة عن إثراء أعماله بلغة مُكيفة ملتزمة وساحرة، فهو متحرر من سطوة وسيطرة اللغة على الكاتب لتلك الدرجة من الانفجاروالشتات، ولم تسحب رغبته في تنوع وخلق الحبكات البساط  من الإجادة والإتقان، لتُنهي قراءة العمل وأنت راضٍ تمام الرضا عن خيوط وجوهر وكمالية العمل. مولانا نجيب قديس في رسالة التدوين والكتابة، لم يكن مهندس شاعري ثقيل أو متكلف حاشد متعصب أو مخطوف برغبات الغرائبية والاعتراض، إنه عرضٌ على مقدار ما يحتمله العمل من أفكار وقصص، إنه الإلتزام المؤدب. وهنا يجد الكاتب ذاته متأملاً خاضعاً لمهمة البحث والتنقيب والجد فيما يحيكه ويقوله. ومولانا نجيب حكيم فليسوف أمهله الزمن وأمهلته موهبته أن يجيد هذا البحث في شخوص قصصه ليكتب الحكمة كما تذوقها في حارته مع أناسها وعوالمهم. 



الاربعاء



دفاتر الأيام: وثائقي رائع مع نجيب محفوظ









فيلم تسجيلي عن نجيب محفوظ

 







abuiyad