الصدقية في الخواجة عبدالقادر









مسلسل "الخواجة عبدالقادر "  بعثٌ جديد أعاد الروح في كيان الانتاج المسلسلاتي الذي تهالك، - وهو غالباً وفي كل رمضان وغير رمضان يصفعنا بتهالك يخجلنا من الجلوس أمام الشاشة لا ندري ما الذي فُجعنا به، المهم أني لا أريد أن اتحدث عن الخراب الذي دلق الجفاف في أنفسنا فهذا حديث يجرح أفئدتنا، ولكني أريد أن اخطو ناحية النور وأعبّر بفرح غامر وأنا أرقص باكياً بهذا الخروج الغير مألوف إلى فضاء داخليّ، تجاهله كل انتاج الفترة الممتدة السابقة، ولم يسبق لي أن شاهدت مسلسلاً عربياً راقياً صُوّر بمثل هذه الجمالية الشاعرية والجودة الفنية التي أبدعها السيناريست كمال عبدالرحيم مع المخرج شادي الفخراني، ثم أحياها إلى وجود أجمل بوجه طفولي بريء هائم باكٍ وصادق يحيى الفخراني بعفويته العبقرية وذكاءه الفني الذي ظهر مصقولاً في حد هذا الإتقان المشهدي العجيب، وفي كل مشهد من هذا العرض !. إن كل هذا الإدهاش واستلاب رؤى المتابعين يعيدنا إلى السؤال الأول عن جدوى الفن والتمثيل والإبداع ما لم يلامس أنفس وأرواح وهموم الناس في كل زمن وآن. لقد أجاب طاقم فريق هذا العمل بروية وإحسان وإتقان مؤدب عن حاجة إنسان هذا العصر لإضاءة الطريق بين الانسان وخالقه بفن يوازي تلهف الباحث من الجمهور. تلك الحكاية الطويلة في إدراك الساعي التي اعتراها من تدافعات أهل الحُجج والرأي والجدل ما أعتمها، ثم ركبتها ظلمات لمّا صُوّر قرب الخالق وبعده عن الإنسان بمُصوَرات أخافت قلب البشري وإنسانيته، وهي أيضاً لم تعلّمه كيف يسلك الإنسان إلى ربه، وكيف يتحصل هذا العلم الروحي. هكذا بروح خوَى وفصول من فقدان المعرفة بالله وجحد وجوده ونكرانه إلى عالم زاهر مطمأن مُحب وواثق بالله، ليولد الإنسان الصادق القانع الراضي الهائم والمحب لله، هذا العرض بث كثيراً من الماروائيات -ولم يعتمدها كأصل لعلاقة الإنسان في طريقه لربه، ولكنها قُدمت كمُلخص لسبيل الوصول إلى درجة الولاية لله، والتي هي مُنية كل مؤمن وكل محتاج لكرم ربه ولطفه. المتابع لمسلسل الخواجة عبدالقادر تغريه صدقيّة بطل هذا العرض من قبل ومن بعد، فالصادق الصدوق إنسان مهدور الوجود والتحقق إلا ما شاء ربي، وهو إن وُجد فهو في طريقه إلى ربه يحقق مأثرة النجاة التي حُكيت ومُزجت بالصدق. والدرس الأخير في هذا العرض هو تعطش هذا العالم اللاهي المنشغل بلحظته الالكترونية إلى الخروج في أرض الله، النظر والتأمل والعبادة، مخاطبة الرب جلّ في علاه في مخلوقاته، وتسبيحه في ملكوته وما أبدع، وفي قربه المجهول عنّا، فعقد الصدق مع الله أصدق العقود وأشدها متانة وحضوراً، وما جملة " يا لطيف يا قادر.. ألطف بعبدك عبدالقادر " إلا رمزاً لذلك العهد الصادق والعلاقة العظيمة بين الله وعبده، فالإنسان في أرقى درجاتها ليس سوى ذلك المؤمن المتعصب لحريته، منعدم الخوف إلا من خالقه.


abuiyad