مشكلات ثقافية متجددة








مشكلة الجدل

ان طبيعة التكوين العقلي للانسان تفرض عليه في حالات اتصالية محددة نوع من التعاطي الرافض والذي يحقق حاجة في الدفاع عن قناعاته وما تلقاه من قنواته الاجتماعية الثقافية وما علّمته اياه بيئته. وهذه الطبيعة التكوينية هي من صميم عجينته التي غرسها فيه خالقه، ونجد تلك الطبيعة العجلة التي تتمسك بالمراء والجدل في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية بما تؤكد أصالتها في النفس الانسانية وأسلوب معالجتها، ففي القرآن الكريم يقول الله تعالى " وكان الانسان أكثر شيئا جدلاً " وقال تعالى أيضاً " وخُلق الانسان عجولا" والعجل هو الأرض الخصبة التي تزهر فيها بذور الجدل. والجدل هو صورة خارجية لما يعنيه الافلاس الثقافي الداخلي، وحين يتحول من هيئته الفردية إلى ما يمكن أن نطلق عليه حالة ثقافية فهو يصوّر افلاس وفراغ ثقافي فكري أكبر. أما الهدي النبوي فقد شرّع وحبب إلى معالجة هذا الطبع الانساني بالانصراف عنه وتركه، يقول الحبيب عليه الصلاة والسلام " أنا زعيم ببيت في ربظ الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقا". اننا إذاً أمام طبيعة تكوينية نفسية في المقام الأول تنشأ من الرغبة الكامنة في الانتصار والفوز والتغلب على الخصم، ولا يعينها جداً تحصيل الحق أو اظهار البرهان، وهذه التركيبة ضارة للغاية لأنها تحدث توتر في منظومة التفاهم والتواصل الثقافي الفكري على كافة مستوياته. فالجدل هو العقم الذي لا يلد شيئاً في الوسط الثقافي ولا يولد إلا عقماً اخر من التعصب والانغلاق إلى اخر تلك الأمراض الثقافية التي تأخذنا إلى الخلف أو تجمّدنا في حالتنا المتعاطية. ولا ريب أنَما تم التأسيس الثقافي للجدل وعلم الكلام في القرون الإسلامية التي شهدت تناحراً بين المذاهب والفرِق، واستُخلص الجدل وعلم الكلام من الفلسفة والمنطق لتُستخدم كأدوات باردة وجافة للرد على الفرق والمذاهب فيما بينها. أما حين نلقي نظرة على الأعراض التي تمثلها حالة الجدال الدائرة في محيطنا الثقافي المحلي، فإن أول ما يقابلنا هو الانسداد العام في المعرفة حيث يتعطل العقل المجادل عن طرح الأسئلة المعرفية على نفسه والبحث عن الأجوبة والعيش في وضع الاستفهام والسؤال الذي يُدرّ مزيدا من المادة المعرفية وهذا ما خلق لدى هذا العقل المواقف المُسبقة تامة الجهازية لما يُقدم من الأخر، إنه بصريح العبارة حشر وحصر هذا العقل نفسُه في تيار ما أو اتجاه فكري ما له ضوابط وقوانين صلبة لا تُمكّنه من النظر إلى داخله واستطلاع صحيّة ما يقدمه، والصورة المتقدمة من هذا العرَض هو التصادم الجدالي لا الثقافي بين هذه التيارات حول قضايا وأحداث غاية في البساطة أو السُخف. أما العَرَض التالي للالتزام بمنهج الجدل وتغليبه هو انحطاط موضوعية المشهد والحالة الثقافية والتعصب لآراء ونظريات انسانية وثقافية يمكن نقاشها والذهاب بها إلى برٍ من تفنيدها وتنقيحها والخلوص إلى الصورة النهائية منها، لكن تغليب شيطان الجدل حيّز الكل إلى امتداح وتعظيم أفكاره وآراءه على حساب الموضوعية المعرفية والثقافية التي ينشدها المجتمع في نتائج عملية تقدمها هذه التيارات المتخاصمة في تناغم أكثر نضوجاً ووعياً بمشكلات وتحديات المرحلة. اننا نتوقف عمراً ثقافيا بالتزامنا للجدل والترادد وهذا يعني مزيداً من التخلف من التكرار ومن فقدان الوهج. ان هذه الحتمية والمشكلة لن تنقضي لأنها طبيعة اركزها الله في نفس وعقل الآدمي ولكنه يمكن كبتها والتضييق عليها ثم تخديرها لننتقل إلى مرحلة اخرى من المعالجة و التقدم. إن هذه الحتمية والمشكلة هي فعل جاهلي يخلق انفصالا بين عرى الاتحاد والبناء الثقافي والعلمي والفكري وإن الحل والدواء نجده في احلال ثقافة وفكرة الحوار العظيمة والنقاش الدائم مع بث حالة من التصالح والمصداقية والثقة وحسن الظن بالآخر مما يفتح مرحلة جديدة من التعاطي الحضاري مع مشكلاتنا الثقافية ومناقشتها بما يحدد مواقف لا تنزح بنا إلى الانغلاق والصِدام بقدر ما تتقدم بنا نحو التفاهم والتعايش والسلام الثقافي. ان وجود مثل هذه الحالة الحضارية من التعاطي والتواصل مع الآخر ستُوحد الأهداف وتنطلق بنا إلى الدفع بنهضة الأمة ومشروعها الحضاري السامي، وحينها ستُخنق الأصوات المتجادلة وتتحول إلى حالات فردية غير مستساغة وستضيع في هذا الانفتاح الانساني ناحية الذات أولاً وأخيراً وناحية الآخر ثانياً.







طبيعة الشك

يعتبر الشك هو محفز للانسان للبحث عن المعرفة وتأكيدها، انه يمثل توتر ذهني يدفع ناحية ضبط الحالات والمثالات واثبات العلوم والنظريات، وهذا النوع من الشك العاقل والمُحكم هو الخلية الحية والنشطة التي اخرجت لنا عباقرة وعلماء العالم، فحالة الاطمئنان والخمول العقلي لا يمكن أن تبحث في طبائع وحقائق الأشياء والأفكار. هذه الصورة من الشك تمثل تساؤلاً ضرورياً في حياة الانسان لأنه مخلوق بطبعه للبحث عن الإجابة التي تولّد لديه الفهم والسعادة. والمادة النصية الموضوعة تتعرض عبر تداولها التاريخي للتمحيص والنظر وبث الشك فيها من جديد واختبار متانة المعنى الذي تحتويه، فإذا صمدت حافظت على مسيرها الثقافي إلى ثقافات الأمم والشعوب وهذا نجده في بعض نتاج الفلاسفة القدماء وأيضاً في نتاج علماء المسلمين وفقهائهم وفلاسفتهم. إذاً؛ فهناك شروط تتعلق بالموضوعية الزمنية المتاحة ليحتفظ النص بعقلانيته وموضوعيته مع التقادم كلما اُعيد فيه الشك والنظر. إن الشك إذاً في هذه الصورة محموداً جداً ولا يُمثل تلك الصورة النمطية للتردد والتذبذب، إنه أداة ثقافية مشرطية اذا تم استعاملها كما يجب ووفقاً للقوانين العامة الثقافية في مجتمع ثقافي ما. النص يحمل بطبيعته بذوراً مدفونة للتشكيك فيه، والعقل النقدي المتأمل يؤمن بجدوى هذه الطبيعة المبذورة في النص، لكن المشكلة لا تكمن في النص ولكن في الأداة النقدية التي تقوم بهذا الدور وما تعتمده من موضوعية تبتعد أو تقترب على الأقل من الموضوعية الطبيعية للشك في النص. فالأداة النقدية اذا جاوزت الشروط الموضوعية لمهمة الشك بدواعي ثقافية مختلفة فإن عملية التشكيك في النص ستخرج عن اطارها الموضوعي وسوف تتخذ سبلاً من التطرف والانحياز وبهذا يمكن أن نجزم بأن نتائج الشك في نص ما بهذه الكيفية غير مقبولة ولا يمكن التعاطي معها ثقافياً للدفع بالحركة الثقافية. لقد مرّ موروثنا الثقافي العربي الإسلامي بمراحل متتالية من الشك والبحث والنظر ولا زلنا بحاجة ماسّة لمزيد من إعمال أدوات النقد بحيادية ومصداقية أكثر، وتعرضت تلك العقلية لانتقاد وحرب ضارية ترفض وتمنع تلك المحاولات، ولا يعلم المانع أن هذا في مصحلته ومُحصلته الثقافية النهائية، فإن اثمر الشك الموضوعي عن نتائج مختلفة عن السائد فإنه يعيد الحق لمجراه وإن اخطأت فإن مصير التمحيص الزمني التاريخي تركها والمضي إلى الامام حيث يُقدَس العقل والحق. إن عقل الانسان مخلوق جبار عظيم وإذا انحدر ليتحول إلى عقل جدلي فإن لذته تتوحد في إحياء بذور الشك في كل فكرة ومعنى وربما يبذر بذوراً جديدة مزيفة تشغل حيزاً زمنياً من النقاش الواهم، هذا العقل الجدلي داهية لأن هدفه الأخير ليس المعرفة بل احياء روح السؤال الممتدد الذي لا يعي ويرتجي الصيغة الاخرى من الترابط وهي الاجابة، ان الشك عنده سؤال دائم يبحث عن الأسئلة ويمكن له في ظروف صراعية أن يتغطى في هيئة عملية ومهنية جادة ولكنها تؤسس للنقض والصِدام المتوالي. لنلقي نظرة على طبيعة الشك في مشهدنا الثقافي المحلي، انه يكوّن أداة مثمرة في ترسيخ التذبذب عند القارئ والمتلقي والمتعاطي مع الحالة الثقافية، حيث ينشأ المثقف في بيئة تمده بالمادة التي تشكك في الأخر وفكره ومذهبه ورفضه بشكل تام مع الالزام بالجهل بنص الأخر وفكرته بالمرة، الشك هنا يُستعمل كأداة أصيلة في خنق الخلفية الثقافية عند المثقف نتيجتها رفض الأخر نهائياً، وما ظواهر التشدد والانغلاق الثقافي سوى مسميات لهذه النتائج. هذا احدث عسراً في التفاهم الثقافي والتعايش الانساني الفكري والديني على المستوى المثقف والعاميّ، فمثلاً حين ينظر الرجل البسيط بنظرات الشك والريبة للممارسات الدينية أو الثقافية المختلفة عنه جزئياً أو كلياً فهذا يعبر ببساطة عن هذا العسر. إن الرفض على أساس من الجهل هو التعبير الهادئ لتجذر ممارسة الشك المفتعلة في عقول وأذهان المثقف والعاميّ، وقد ادى هذا التوريث الثقافي المنغلق لخنق العقل ومحاولة تقييده مما انتج خروجاً عن هذا الاطار المحافظ في شكل حالات من الشباب متشبع بالشك كوضع ثقافي طبيعي جامد وضار. وظهرت صور كثيرة للشك؛ شك روحي ايماني وشك ديني معرفي وشك علمي طبيعي وشك اجتماعي أخلاقي، ودرجات اقل تتمثل في شك الشباب في قدراتهم وفي قوتهم التي يجب أن تتحول إلى فعل، شك يتجاذب هذه الروح والنفس الضعيفة التي تربت وتعلمت على ركائزه، وهذا انتج لنا صفات الخمول والكساد وحالة الاحباط والتشاؤم وكذلك الاكتفاء الوظيفي والمعرفي إلى غير ذلك من التعابير الحياتية لحالة الشك التي تستوطن الحياة الاجتماعية والمدنية. 






القراءة الخاطئة



كما أن القراءة هي مظهر حضاري لأي مجتمع انساني، وهي المقياس الذي نقيس به وعي الأمم وفقا لقراءتها حيث يصبح انتقالها وارتقائها في سلّم التطور والحضارة سريعاً ومنساباً بسبب الوعي المنتشر في معظم مستويات المجتمع فهو يصبح في حالة جاهزية وفهم للارتقاء والحركة، بينما هجر مجتمع ما للقراءة والمعرفة يمثل عائقاً عظيماً في معدل وسرعة التطور لأنه يعاني من شلل يصيب الكثير من أجزاء وعي المجتمع وثقافته، فكذلك فعل القراءة قد يتحول لوعي مضاد بسبب القراءة الخاطئة، مع الالتزام بالقول أن القراءة المستمرة كثيراً ما تصحح الخطأ وتصلح المسار، ولكن الخطأ هنا قد يعيق أيضا القارئ ويشوّه بناءه الثقافي وهو في المحصلة يعيق المجتمع الثقافي. ان التصور بوجود صورة نهائية تامة ومتكاملة للقارئ هو تصور مثالي لاصحي ثقافياً، لكن التصور بوجود نمط وخط للقارئ المثالي هو صحي ثقافياً وحضارياً. وهذا النمط نجده في القارئ الساعي نحو معرفة أين يقف بما يقرأه ومن ما يقرأه ؟، لأن الرحلة القرائية تمتد بامتداد حياة القارئ وفي جهله لموقعه بين مجتمعه القارئ خطأ لكنه ليس أكثر فداحة من جهله بموقعه من المعرفة كبناء هائل وعظيم. فهذا الجهل يخلق لديه غرور وانطباع مزيف بما لديه وما بما يمكن أن يقدمه لنفسه ولمجتمعه الصغير والكبير وفي دوامة هذا الجهل ربما يخسر القارئ وقته في قراءة خاطئة لصنف من الكتب غير مجدي لزمنه الفكري والثقافي الذي يعيش فيه ولا يحقق له اعتباره الثقافي الذاتي، وكأن القارئ يعيش مغترباً عن دوره الهام في تعزيز وحدة العلم والثقافة. وتظهر على السطح افرازات ونتائج هذا الشكل من القراءة الخاطئة في شكل تعارض واصطدام يحياه كون القارئ الداخلي وتنشأ هناك صور من الصراع والتخاذل ربما يؤدي بالقارئ إلى التراجع والانسحاب من دوره كقارئ ومراقب وناقد فتضعف هذه الوحدة والالتقاء الثقافي الاجتماعي وربما ينقلب القارئ ناقماً في مظهر خارجي ليكفر بثقافته ويجحد رصيده منها بالمرة لأن قواعده من المعرفة تأسست وبُنيت بشكل خاطئ ومُعتل- يمكن لنا القول أن التعليم الرسمي قد يقوم بمثل هذه الأخطاء حين لا تكون المعرفة هدفاً واقعياً حقيقياً في المؤوسسات التعليمية. يمكن أن نتخيل كيف يضبط القارئ فهمه وتحليله لكتابٍ ما قرأه للمرة الثانية بعد خمس سنوات من قراءته الأولى ؟!، تلك الأجزاء الغائمة من الكتاب باتت بقبضة عقل القارئ أكثر من ذي قبل حيث تجود عليه مسيرته بتجويد أداته، وهنا يبرز لدينا أهمية تربية الناقد مبكراً في روح القارئ، فنموه المتباطئ شكل ضار من أشكال القراءة الخاطئة حيث يستهلك القارئ جهدا ذهنياً في عملية تراكم المواد المعرفية والتي قد تكون كُتبت بمعطيات وخلفيات غير مهنية ولا محايدة لدرجة معتبرة، وهذا ما شوّه كثيرا من التاريخ والتراث العربي الإسلامي المكتوب تحت تأثير الضغوط والأهواء السياسية والمذهبية المتجردة من هوى الحقيقة والمصداقية. وفي ذات المسار وبالتوازي تُنشأ القراءة الخاطئة التذوق الفاسد، فالعرب قوّمت لسانها بتذوق الشعر وخلقه وتنويعه وبات الشعر أجود ما تنتجه اللغة ثقافياً، ولذا عاش المجتمع العربي القديم طفرة لغوية ذوقية عظيمة في ابداع الشعر فهو في موروثهم قائم الأهمية كالخمر التي تُسكر وهو كالحرب التي تَهزم وتنصر وهو " أشد عليهم من وقع النبال "، لقد كانت اللغة في ذورتها باحتمال الشعر لها وحفظه لها في قالبه، وهي أيضا كانت اللغة التي تُسطر بها كتب العلم والفلسفة في قالب بديع أيضاً. القراءة الخاطئة التي تتجاهل الذوقية والحس المعنوي لما يمكن أن تبعثه اللغة توهجاً في الكلمات تتراجع كثيراً بمستوى القارئ وكأنه فقد إحدى قدميه وبات يمشي أعرجاً. إن الفن يأسر القارئ كلما حافظ على مستوى ذوقيته القرائية، فهو يهيم في الأشكال الفنية الصورية كما يهيم في الكون الذي تخلقه معاني الكلمات المتراصة، ولذا فيكون مستعداً لإبداع الفن صورةً ولإبداع الذوق حرفاً كالشعر والرواية- كما نتلمسها كلما تتربص بها الموهبة. إذاً، فجفاف القارئ الذوقي خطأ قرائياً يستدرجه ناحية التطرف والتخلف عما تمثله القراءة من تماسك معرفي لغوي فني وذوقي يمثل هوية الثقافة لأي أمة. وحين نلقي نظرة على مظاهر وآثار القراءة الخاطئة في محيطنا المحلي الثقافي نجد أن من أهم أسباب القراءة الخاطئة هو ثراء الانتاج الواحد الذي يمثل فكر معين وسيطرته كفكر سائد على المجتمع وعلى القارئ، ولا تقف المشكلة هنا ولكن هذا الانتاج الفكري الواحد يحمل في أدبياته انغلاقاً مُركباً فهو يرفض وجود الأخر ولا يُمعن حقاً في نقده وإيضاح أخطائه، وكأنه يقول للمجتمع وللقارئ هذا كل ما لديك!!.. نحن سنكتب ونفكر وأنت عليك أن تؤمن وتُصدّق لا أكثر من ذلك. فهذا الانتاج الضخم والغزير على مدى سنون طويلة أحيى في القارئ التبعية الفكرية مقصوصة الأطراف حيث يصعب التحليق في أفق اخر وحيث لا يجرأ العقل على الخروج من هذا المسار المؤثر. وهذا ما يتضح جلياً في شكل التعصب عند الفرق والمذاهب لآرائها، بسبب انتاجها الغزير والذي أخذ مع الوقت يضيق ويُضيّق على تابعيه وبتنا في في حالة من الصراع المعقد والشائك مع العلم أننا نعود إلى ثقافة واحدة ودين واحد. إن رفض الأخر الذي نختلف معه دون حتى أن نقرأ كتبه ونفهمها ونعي مداخل ومخارج الاختلاف هو شكل من آثار القراءة الخاطئة العامة والتي قد تُخدّر مجتمع بأكمله وتصبح ثقافته السائدة: رفض الأخر. أما في العمق الشخصي الفردي يمكن أن نلاحظ في مشكلات القصور التفسيرية والتحليلية وما يتبع ذلك من إمعان العقل فيما يقرأ وتحفيزه لنقد واكتشاف ما يقرأه، على سبيل المثال قد تحقق مظاهر القراءة الخاطئة في العجز عن الإلمام بالأفكار الثانوية المُدعّمة التي تتجزأ في كتاب ما في صفة موضوعات وفصول لتحقيق والبرهان على الفكرة الرئيسة، وهذا مظهر بسيط وعاديّ يواجه أي قارئ ولكنه يصبح شائك جداً حينما تتعدد القراءة، وتصبح أكثر تعقيداً حينما نقرأ كتابا ما يناقش فكرة تفصيلية واحدة ويسعى بمزيد من التحليل والتنظير لإثباتها أو نفيها أياً كان الاجراء النقدي، ولذا فمن أشد عيوب المثقف هو تشاغله ونسيانه للأجزاء الرئيسية التي تُقدم هذه الفكرة الرئيسة التي قرأ عنها وفهمها، فهو يعيها جيداً ولكنه يميل لأن يصبح كسولاً في وضع آلية أثناء القراءة ليتيقن الذهن من استيعابها والقدرة على استذكارها وإن تعددت القراءة وعاف عليها زمن، وهذا انتج لدينا محلياً مثقفين دون ثقافة، فهذا المثقف مؤمن جداً بأفكاره ولكنه يجد صعوبة في شرحها جيداً وتعليلها والبرهان عليها في أي لحظة أو أي موقف نقاشي مُحدث، ولذا يعرّف أحد المفكرين العرب الثقافة بأنها ما تمتلكه من معرفة ومُحاجّة وإدراك لواقعك وواقع أمتك وتأريخك في هذه اللحظة. وإذا نظرنا لما تحققه المعرفة من إيمان نجد أن قليلاً من المعرفة تحقق إيماناً قوياً لا يرى وهذا يجيء في صورة العاميّ، والحالة المتوسطة من المعرفة تحقق ارباكاً في الإيمان وهي تجعلنا إما كسالى غير مبالين بأثر المعرفة وهذا نجده في طائفة من الناس كشريحة هائلة من منسوبي المؤوسسات التعليمية المهتمين أولاً بالعائد المادي، وإما أن تجذبنا المعرفة للبحث الجاد المتواصل فنرتقي للحالة الثالثة من المعرفة الثرية والمتنوعة والضخمة والتي تسوّقنا إلى إيمان أكيد وفكر أكيد وإلى خطاب واضح وصريح ويقيني بشأن أفكارنا وأحوال أمتنا وحياتنا وما هو كائن وما يجب أن يكون.





المصطلح والمفهوم


تعبيرا المصطلح والمفهوم يشغلا دوراً أساسياً في التأثير على الخطاب الثقافي، لأنهما يحددا أبعاد الأفكار عبر أدوات الضبط النصي هذه بالتقنين وحفظ المعاني والأفكار من التشابك والاختلاط وربما الفوضى. ومشكلة المصطلح والمفهوم في أغلبها تتعلق بهذا النوع من التشابك التعريفي الذي ساق الحركة الثقافية إلى تشابك أكثر تعقيداً، وبات المجتمع المثقف وحتى العاميّ يعيش في هذه الحالة من التشابك الاصطلاحي وفوضى المفاهيم، فالمصطلح الذي هو مجرد تعبير اجرائي لما يمكن أن تعنيه فكرة عامة أو متخصصة والتي تحمل في طياتها وتُبرز طبيعة المفهوم، هذا المصطلح تحول من أداة موضوعية مساعدة إلى أداة تصنيفية اقصائية، وظهر لدينا أشكال مخيفة ومبتكرة من استعمالات المصطلح الجبرية لتطويع مفهوم معين من أجل خدمة فكرة ما، وبهذا فلا ريب أن نرى ما يمكن أن نسميه بالدمج المتعدد بين ما تم استيراده من أفكار ومفاهيم وتغليفها بمصطلح ملطف، مثل " إسلامي" أو " مسلم" لإثبات مفهوم حسن النية أمام المجتمع، وبات مصطلح " اسلامي" شهادة براءة وعلامة تجارية لكل مصطح يقترن به، بينما يتم ادراج مصطلح غربي ما في عمليات الدمج المتعدد للمصطلحات ليعني التعريض بفكرة أو مفهوم ما وكأنها اشارة مبطنة للمجتمع المسلم المحافظ الذي هو في أغلبه غير باحث ولا ناقد ولا يقرأ. من وجهة نظر انسانية استطيع أن أقول أن المصطلح تجبّر وطغى على المفهوم داخل حضن ووعاء الثقافة وما يتبع ذلك من فن واهتمامات متقاربة وعلى مستويات عدة، بل أنه من العجب أن الطرفة المنتشرة الآن تجيئ على هيئة تعليق على حالة أو صورة ما بكلمات ذات نهكة وتركيب اصطلاحي، وقبل هذا نجد أنه تحولت النقاشات بين المهتمين بالشأن الثقافي إلى مجرد تبادل وتداول مصطلحات تختصر المعاني، وهنا تبرز مشكلة طبيعية وكأني بالمصطلح يضيق بالمعنى ويقلص اضاءة المفهوم، ونحن هنا نتأخر باتجاه فقدان المعاني وما تحمله من إشراقات، فيتحول المثقف من شاعر بالحياة محب لها إلى مراقب صارم يتصيد الأخطاء، من كفة التقييم والمشاركة والبناء إلى كفة خلق المشكلة وعقدها- نعم هذا تحليل دقيق جدا ولكني وجدت فيه الصورة النهائية لما يمكن أن تقودنا إليه هذه المشكلة. الوجه الأخر من المشكلة يرتكز في اعتماد وتأثر النتاج العربي الفكري المعاصر باالمصطلحات والمفاهيم القادمة من الخارج محاولاً احداث الدقة في الترجمة للمصطلح والمفهوم، مما دعى الأخر في العالم العربي إلى استغلال هامش الخطأ الممكن واعطاء ردة فعل مشوشة على ما تم استيراده، وهذا مثلاً ما دعى المفكر الراحل عليه رحمة الله المسيري إلى تأليف كتاب مثل العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، فالفكرة السائدة عن مصطلح العلمانية ومفهومها هي ردة فعل مُشوِّشة نجحت في اختراق ذهنية كثير من المثقفين وكذلك العامّة، أما انجح واصلح مثال نعيشه حالياً فهو مصطلح الليبرالية الذي تحول إلى تهمة شارع حتى، ويمكن أن نرى ثلاثة أوجهه لهذا المصطلح، الوجه الأول والأشهر وهو أنها تعبر عما تعيشه المجتمعات الغربية من الانحلال الأخلاقي ورفض الدين وهذا هو السائد الذي استقبله المجتمع عبر ردة فعل المعارض في شكل شيوخ وعلماء يقدمون أنفسهم على أنهم محافظين وهم حماة الدين من هذه الأفكار السامّة، الوجه الثاني وهو المثقف الذي رأى في الليبرالية بيئة من الأفكار التي تكفل له حريته ونشاطه وكذلك تمد له ظلها في صراعه مع وجهة النظر الأخرى، وعلى هذا ظهر أشخاص أخذوا فعلياً في وصم أنفسهم بهذا المصطلح، أما الوجه الثالث فهي النظم الاقتصادية والتشريعية والقانونية والانسانية التي يقوم عليها مفهوم الليبرالية في دول الغرب، وهي كل لا يتجزأ، وهي ليست مجرد فكر أو ثقافة أو دين يرغب أحدهم أن يعتنقه بل لقد تحولت في هذا الاطار إلى حربة صراع كما يحدث في مشهدنا المحلي، ولذا حاول البعض أسلمة الليبرالية في مشهد حزين لشحّ العالم العربي في خلق وإبداع نماذج وأفكار بشرية اجتهادية تنبع من واحة الثقافة العربية والإسلامية وتأخذ صبغتها. إن الضبط العلمي الذي يبدع اصطلاحاته هو أصدق بيئة يتنفس فيها المصطلح قوته، فهو هنا حالة من الحساب المؤكد والحالة الرياضية المثبتة، لكن اصطلاحات العلوم الطبيعية لم تعبر إلى دائرة مشاكل المصطلح الفكري الثقافي وتجاذباته، ولذا يحتاج يحتاج الخطاب الثقافي إلى مثل هذه الحالة من الضبط الممكن، فالالتزام الذي يحمله مفهوم ما خرج عبر تداول فكري ثقافي منضبط سواءً من خلال جماعات أو أفراد ينتج عنه مصطلح أكثر دقة وقوة وثبات ويصبح غير قابل لتلاعب الخطاب الثقافي المتعدد والمتغير. 






abuiyad