الذين هدموا المسجد القديم














في قريتي تحصل العجائب.. مات جدي وترك من بعده أناس يشبهون الحجل. يحكّون فروجهم ويمصمصون أصابعهم بعد كل وليمة قد تدمدمت رؤوسهم كتدمدم البِغال.. يتناقرون كالديكة الشاذة، يتقاسمون الصحفة وأضلاع التيس وخشومهم تتنشق روائح أنفسهم القذرة. لهم صفات لامرئية وكأنها تعيش في الظل، ولكن هذا الظل يقطن مساحة ساطعة جداً فيما بينهم. اذكرُ مرة أنهم كانوا أطفالاً يتناقرون على مزارع وأراض لم يعملوا من أجلها ما يجعلهم يستحقونها، ولكنه القدر أعطاهم هبة ليكونوا بشراً كأبوهم.. وأمنّا بالله ولم يؤمنوا بالله.. هل تعرفون أنهم إلى اليوم يتشاركون ذات المسجد ويتباكون في ذات زاوية الخشوع ثم يثورون كالثيران عندما تشمّ خشومهم القذرة رائحة التراب. في قريتي أجساد مسكونة بالخواء.. وكأن الكون يدور حتى تلد حياتهم خبر نجاتهم من الطوفان الذي يهدد صمودهم في وجوه بعضهم على الرغم أنهم يرفعون أصواتهم في المسجد كأنهم كلاب خطمة الشاردة، مع أني أحب نباح كلاب خطمة لأنه نباح كلاب صادقة.. يذهبون إلى مدارسهم أو أعمالهم في الصباح كالغنم التي ترعى، يعودون في دوامة اليوم، أكثر هؤلاء الغنم لا ينظرون حتى إلى وجوه الأطفال.. وحينما كنتُ طفلاً لم ينظروا إلى وجهي.. كانوا تماماً يمشون كمشية البغال.. ينظرون ببلاهة كالخِراف إلى الطريق الذي يأخذهم إلى أبواب منازلهم.. ومن عهد تلك الذكرى التي كانوا فيها أطفالاً يتضاربون على التراب سأدون ملاحظة أنهم لا زالوا في تلك الحالة من النمو البطيء.. لديهم تركيبة غرائبية تشبه حياة البهائم الصامتة.. يصدق عليهم وصف الخراف جدا فهم في صمت مطبق تلوج في أنفسهم المكائد وخواطر المناوشات والدفاعات والهجومات وفجأة يتناطحون ثم يتداعون في المسجد إلى جنازة رجل مات من أهل الريش فيجتمعون في سيارة واحد منهم في مشهد ملكي فخم مبهر للأنظار كما يظهر لبعضهم ثم يذهبوا القادة الخِراف. كنتُ يوماً اشتاق أن ادعس وجوههم.. ومن صفات الخروف أنه يختار الحشيشة القريبة وينأى بنفسه عن محاربة فحل آخر على حشيشة بعيدة فالموت عادةً أسهل الطرق إلى عقدة الحل.. اجتمعوا هؤلاء الحمقى ربما في سيارة أحدهم اليوكن وتنازلوا لوهلة عن وجه الموظف الخاشع المُتعب الهائم في ذات الله الباحث عن الحلال في كل صفقة وتضاحكوا على شيء لا يُضحك بالمرة ثم فكروا كالخِراف.. ثم ناموا سنة.. ثم قالوا أن المصريين أغبياء حينما زجوا برئيسهم المبارك في السجن.. ثم سكتوا سنة ثم تناقشوا في قضية مايكفرونات المسجد وأنها لا توقظهم لصلاة الفجر ثم أصابتهم السكتة لسنة حجرية أخرى حضروا فيها خمس جنائز لامرأتين ورجلين من أهل الريش ثم تحدثوا عن المروحة التي تصدر صوتاً زقزقياً يُلهيهم عن اتمام حالة الحضرة والخشوع.. ثم ماتوا زمناً وبُعثوا حينما صاح أحدهم فجأة وقال أن هذه الأرض الخالية من الحدود له.. وتلاعنوا وتراموا بالحجارة والحصى والتراب.. وبقيت الأرض بحجارتها الحمراء والغبراء في سلام.. ثم بنى كل واحد منهم بيتا... ثم تناقشوا في عمق وصدق عن اللمبة التي تضيء يوماً وتُظلم يوماً فوق باب الحمامات.. ثم ماتوا دهراً.. ثم سمعوا أن كلاباً نهشت المَجنّة التي يرقد فيها أبوهم وأعمامهم وأبناء عائلتهم الكريمة المتصلة بالنبي أو الصحابة الكرام وتباكوا على الجدار الذي يكتنفه الغموض الذي تكتنفه المعاملة في وزارة الشؤون الإسلامية لبناء سور حول المقبرة.. ثم تحدثوا أن الأمير نزل وأن شيخ القبيلة بيّضها وجمعوا 300 ألف لتنصيب الشيخ الجديد.. ثم ناموا على وجوههم ونسائهم ترقص في الأعراس.. ثم بالأمس قرروا وخططوا فهدموا المسجد القديم.. لعنهم الله.




abuiyad