الشاعر - المنفلوطي












حين اخبرت أخي اني سأقرأ الشاعر قال لي: ااه ذو الأنف. لم افهم، قال: فقط تذكر الأنف!. هذه الملحمة الصغيرة بما حوته من معاني وقيم عظيمة تشترك فيها الانسانية على وجه الأرض هذه الملحمة هي تنوير باتجاه قضية الفضيلة التي يؤسس لها خطاب المنفلوطي الأدبي. وهو هنا استطاع أن يُنعش القصة بالتركيز على احياء المكان وتحريك أجزاءه، فمشهد البداية في الحانة يمتد ويراوح في صفحات كثيرة نستشعر فيه حتى رائحة المكان وضجيج السكارى وصراخ المتنازعين، وكذلك مشهد استقبال سيرانو لروسكان في مطعم راجنو، وكذلك مشهد المعركة،ومشهد النهاية،إنها مشاهد في الأصل ولم يبخصها المنفلوطي طبيعتها الفنية. يعتمد المنفلوطي على التركيز على الموقف والفكرة وتحليلها قيمياً وانسانياً، وهو حين يتعمق في هذا التحليل الأدبي إنما يستخدم قيمه الفاضلة في بثها باتجاه نفس وعقل القارئ، وعلى الرغم ان البعض يرى أن هذه المباشرة ضارة فنياً، إلا اني موافقٌ لها بالمرة، وبتُ انظر الى العمل إذا لم يحوي رسالة مفهومة يعيها القارئ العادي/ البسيط، وتحوي هذه الرسالة تحقيقاً لمبادئ الانسانية فإن العمل يتجه الى الناحية الأصعب، حيث يمكث الكاتب في تفسير المواقف والأحداث وفقاً للفكرة الشعورية التي تستوطنه وهنا تؤدي الرواية والعمل مفعولاً نفسياً شائكاً لا عقلياً متنوراً لتحقيق وتركيز القيم الانسانية. اني بحاجة لقراءة مثل هذه الأعمال التي تعزز فيّ هذه القيم الانسانية. لنعود الى الشاعر.. وشخصية البطل الشاعر والشجاع الشهم سيرانو برجراك، شخصية الناقد الناقم الذي لا يضرب بالاً لكبار القوم وقواد الجيش الفرنسي وهو يوجّه إليهم انتقاداته اللاذعة، الناقد الذي لا يخاف أحداً، الناقد الذي يمثل شخصية الصعلوك تماما كما في العصر الجاهلي، الشاعر والشجاع القوي ولكنه الساخر المغرق في سخريته أيضا، الساخر من هذه الحياة التي سنّت قوانيناً كاذبة ورفعت أقوام ليسوا أهلاً للرفع وخفضت اخرين مكانهم في الأعلى، لدى سيرانو قانون واحد انه قانونه هو، وسيقوم به على طريقته، ولكن هذا لا يعني أنه يفقد أصدقائه الطيبين القريبين منه المحبين له، إنه يعتز بأصدقاءه ويخلص لهم، إنما المواجهة مع هذا المجتمع الذي بعث أصنامه وخلق لها هيبة مصطنعة. 

لاحظت في بداية القراءة تلخيص من المنفلوطي لشخصيات الرواية والقصة، وكذلك أهم أحداثها وكيف ستكون النهاية، لماذا يفعل هذا؟؟. إن كل روائي يحتفظ بأفضل ما لديه في النهاية حيث يخرج القارئ كسيراً أسيراً لهذه الحروف الذهبية الأخيرة، ولكني فطنت للمعنى الذي يريد المنفلوطي ابداعه، إننا حين نقرأ قصة ولا نعرف نهايتها ثم نتفاجأ بها لا يعني هذا اننا سنتذكرها دوماً أو سيكون لها بالغ الاثر فينا، إنما المقياس هو مدى جودة المعنى العام من العمل، الفكرة التي يبثها كل هذا الالتحام النصي، لقد كانت هذه القصة: قصة شاعر وقصة حب وقصة فضائل وقصة البطولة في الحياة، إن جمل مختصرة من هذا العمل تكشف المعنى الذي أراد المنفلوطي بثه باستخدام لغته العربية العظيمة وبالالتزام بقصة صاحب النص الأصلي، إن جملة قريبة من " اني الآن لا اموت الموتة التي أحببتها" تشرح المقاصد النهائية التي يوصلها العمل الى القارئ، وتعني البطولة في أسمى ما تكون. وهذا هو رسالة الكتاب.. أيّ كتاب. 

رحل المنفلوطي وعمره 48 عاماً وله نفس مرصّعة بالفضيلة وقد مُلءَ بهمّ نشرها في الأنفس والعقول، كان مشروعه واضحاً مباشراً وهذا الوضوح المباشر لا يعيبه أبداً بل خير ما يقدمه في عتمة من الفوضى الأدبية الفنية والتي أسست للعمل " العجيني" أو " المخلوط" ان صح التعبير، كم نحن بحاجة الى مشاريع متعددة ومتنوعة عن المنفلوطي، عن احترامه للغة العربية واحياءها دون تكليف أو تعقيد او اشكال. هذه رسالة اقدمها بين يدي الروائيين والكتّاب: حددوا الهدف واجعلوه واضحاً حتى لا تختلط عليكم الطرق والأوراق ولا تعرفوا ماذا كنتم تكتبون. رحم الله المنفلوطي وغفر له.. وتجاوز عنه.



abuiyad