هل كان نجيب محفوظ متزمناً بزمنه ؟











واقصد بنجيب هنا أعماله لا شخصه بالطبع. ولنجيب على هذا السؤال؛ يجب أن نطرح سؤالاً اخر يبحث في ماذا قدم نجيب في أعماله، طبيعة القصة والفكرة التي يناقشها؟. وبالنظر لأكثر أعماله شهرة وهي الثلاثية التي حصل بها على نوبل، نجد ان نجيب قدم المجتمع المصري في صور مختلفة.. قدم حالة المجتمع وتعاطيه مع الحكم الانجليزي وتباشير الثورة، وقدم طبيعة علاقة المجتمع ببعضه في تلك المرحلة. لدينا إذا صورة خارجية تاريخية عن تكون خلايا تعمل في الخفاء لتحارب الظلم والحاكم الانجليزي، حيث يصور نجيب هذه القيمة العظيمة في الكفاح والدفاع ورفض الاستعمار ومعاداته ومحاربته على كل الوجوه والطرق. لنُسجل هذه النقطة الجوهرية اذاً، فذات الاستعمار الفعلي الذي كان يعاني منه المجتمع المصري في تلك المرحلة لازال يضرب بأطنابه فعلياً في بلاد المشرق، ولا نزال مكبلين بقيوده وشدوده وهو من اعظم أسباب حالة التخلف التي تعيشها الأمة، اضف الى ذلك الاستعمار العقلي او ما سُمي في مرحلة ما بـ " الغزو الفكري"، فلا زال كثير من شبابنا المثقف لديه ولاء واهتمام مُشّكل ومعقد ومتناقض مع الثقافة الغربية مقابل ولاءه واهتمامه بثقافته العربية. العودة الى تراث الثقافة العربية حتى على مستوى القراءة الأدبية واحياءها يعيش مرحلة جدب وقفر لدى القارئ العربي.. إنما يتوجه هذا القارئ  فوراً الى همنغواي وتولستوي ودستوفيسكي حيث يفقد هويته المعرفية العربية الأدبية على الأقل،  فتلك القصص الانسانية العالمية لا تحقق لدى القارئ العربي ارتباطه العميق بجذوره الاصيلة ، انما تحقق له متعة فنية ولوحات أدبية عظيمة.. ويتوقف الامر عند هذا. وحتى لا استطرد هنا، فأقول ان نجيب مثّل في رواياته التي تتحدث في جزء منها عن الثورة عشيقها ونصيرها، الثورة التي يكررها ويقرأها كل مرة في أحداث متعددة كان يعني بها ثورة الانسان الدائمة على الظلم ..على البؤس على مصادرة حقوقه. إن أعظم ما يمكن ان نخرج به من تكرار " فكرة الثورة" في أعمال نجيب.. هو تأصيل مبدأها في الانسان العربي لا في زمن الانجليز والملك فاروق وعبدالناصر والسادات فقط بل لكل الأزمان، حيث يثور الانسان المصري والعربي  ليصرخ بشعاره العظيم: " الشعب يريد". إن اول ما خطر ببالي حينما انتصر الشعب المصري أولياً وثار في وجه الظلم واسقطه على الأقل، خطر ببالي نجيب محفوظ " عشيق الثورة".. الراحل وهو حيُّ بفكرته وقصته في تفاصيل بسيطة وخاصة تغلغلت في الذاكرة الشعبية الأدبية ( الرواية) و الفنية ( السينما والمسلسلات )، فعاش نجيب بفكرته المُحرضة داخل المثقف الشاب والكهل كما عند العاميّ والمرأة البسيطة. خلاصة هذه الفقرة أن الفكرة الرئيسية التي ناقشها نجيب في معظم رواياته لم تكن مرتبطة بفترة زمنية بل هي أبدية في هذه الحياة الدنيا حيث الظلم الكائن تقابله الثورة والتحرر منه. 

الصورة الاخرى والتي جمّد فيها صورة المجتمع المصري في تلك المرحلة - لازلنا في مثال الثلاثية، واوغل فيها بادواته الفنية واستطاع ببراعة يشهد بها العالم وأدباء مصر العظام ان يقدم التفاصيل الخاصة لحياة مختلفة ومتصادمة ومتناغمة في ذات الوقت بصورتها الواقعية تحيى جنباً لجنب مع الصورة الاولى، وهذا ما يناقشه فكر الثورة ويبحث في حالة المجتمع والأسرة التي تعيش تحت ظلم الاحتلال او الاستعمار، فأحمد عبدالجواد شخصية " سي السيد" المشهورة آنذاك يمثل شخصية الأب الصارم المحافظ ومع ذلك فهو في الحقيقة يحيى حياة اخرى متمثلة في حياة الليل المتخفية في شقق وعزب " المعلمات" وما فيها من متع النساء والشراب والمزاج والرقص. ان هذا التوغل هو من أسباب نجاح وانتشار العمل، لأنه حقيقي، ولأنه ينقل صورة فعلية عن طبيعة الشخصية المحافظة تحت قهر الاحتلال وعن متنفسها، هل كانت هذه الشخصية المعطوبة قد ساهمت في الدفع بالثورة الى الامام إذا ما قورنت بالابن فهمي الذي قُتل في أحداث الثورة..؟؟ هنا سؤال حكيم، لم يطرحه نجيب نصاً ولكنه ابطنه ايحاءً. ان مثل هذا التجميد والتصوير لواقع المجتمع هو ينتقل بنا الى فضاءات مُرّة من طرح الاسئلة، حيث نطرح على أنفسنا اسئلة تخص طبيعتنا الحياتية ودورنا الحقيقي في مجتمعنا الصغير والكبير، هل نواجه الواقع أم ندس رؤوسنا وأنفسنا في وكر اللهث خلف تحقيق شهواتنا ورغائبنا. نجيب في امتداد رواياته التي تصور الواقع المصري الخاص في مراحل مختلفة لم يهدف الى بث المتعة والتسلية في القراءة لوحدها، انما يورث العمل بكُليته أسئلة أو أمثلة تدفعنا الى البحث عن الحكمة. ان كل ما وجدته من لغة بسيطة تحكي الحدث والقصة واخرى تصاحبها تبث السؤال والتفتيش عن السبب كانت تقود الى طلب الحكمة والدراية بالعلة.. أيسر الطرق لتتشرب الحكمة من خلال قراءة القصص والاحداث هو أن تقرأ لنجيب محفوظ، وانا هنا ابعد من ان انتصر لنجيب ولكني اشرح الحالة واحلل الموقف. ما الفرق بين الروائيين المحليين وبين نجيب، كل منهما صوّر حالة وحدث وتمعن فنياً في رسم واقع المجتمع وطبيعة تكوينه، وخصائص حياته التي تلامس الدين والجنس والسياسية.. باستثناء السياسة التي ابتعد عنها المحليين، لا يوجد فرق سوى ان نجيب طوّع الفكرة في اللغة باخلاص دائم وفنية واحدة لم تفقد بتنوعها مذاق عجينتها الأصيل او تشذ عن هيئة تمثالها دقيق النحت، وهذا هو سبب ان اللغة عنده بسيطة ولكنها عميقة وصادقة ولا نعرف سبب ملامستها لأنفسنا. 


الولوج الى بوابة النفس عبر الغوص في بحورها المظلمة كان من المُحَببات الفنية البنائية في سرد نجيب محفوظ، الخواطر وأحاديث النفس وقراءة هذه الخواطر وأحاديث النفس يُلخص المتعة في قراءة نجيب، وعلى طول الشخصيات التي اجتثها من الواقع ورسمها في أعماله كان يشرّحها تشريحاً نفسياً مثيراً، بلغ قمة هذا التشريح النفسي في رواية " السراب" وشخصية كامل رؤبة الذي يعاني من عقد نفسية يستشعرها جيدا القارئ وتنطبع فيه مئالاتها وأحكامها، وهذا التشريح والتشخيص الأدبي الفني يتقاطع مع انسان هذا العصر، الذي قوّمته التربية او عوّجته.. وفتح له المجتمع أذرعه او لفظه وصدّه.. وتحققت له آماله وأمنياته او ضاعت منه وضاع عنها.. الى اخر تلك القائمة التي احدثت تلك المقومات النفسية والمراكز الشعورية التي هي انطباع لما في الخارج.. انطباع للمعاناة. اني انظر الى هذا العمل وكأنه محادثة طويلة هادئة مع منبض النفس ومنبع الشعور لدى الانسان ومعاناته مع مجتمعه وقوانينه الخارجية التي تتصادم مع قوانينه الداخلية. مثل هذه القصة وهذه الفكرة اشعر اني بحاجة لاستلهامها دوماً لادرك جيداً معنى قصة حياتي الانسانية منذ ولادتي وحتى موتي بموت أعظم وأهم طموحات حياتي التي حققتها. الخلاصة الادراكية لهذه الرواية وأثناء قراءتها هي فهم الطابع الترابي الوهني للانسان.. النهايات في مجتمع الانسان ليست كل العدل ولا تُفضي بالضرورة الى الأهداف المنطقية للالتزام الشخصي الفردي. أليست هذه الحكمة .. أليست الحكمة ضالة المؤمن في كل الزمان وكل المكان ؟؟. اذاً؛ لنستنتج أن المعالجة النفسية الشعورية عند نجيب تترجم حالة الانسان الملتصقة به، وهنا تخدم القصة الفكرة في ترحاب فني أكبر.. ومهما تقادمت القصة فإن الفكرة تنقذها وتحييها. 


ان مقومات نجاح أعمال نجيب محفوظ في الفترة الزمنية التي كتبت فيها لا يعني بحال فشلها في فترة زمنية اخرى متقدمة بعلة اختلاف العصر وتقدمه او تطوره، فالقصة متى ما بُنيت فنياً حتى استكملت شروط قوتها وثباتها فهي لا تقبل ان تفقد اثارتها وتشويقها مع اختلاف الزمن، فها هو الأدب الروائي العالمي لا زال يحتل الصدارة وقد كُتب في زمن اخر مختلف، زمن نجيب وقبل نجيب، القصة يجب ان تحوي خصوصيتها التي تُخرجها للعالمية وقبل هذا يجب أن تكون مُبدَعة في بنائها وحبكتها.. وقراءة قليلة لنجيب يكفي أن تنبأ باجابة هذا السؤال. أما المقوّم الأهم فهو الفكرة، وفكرة الثورة .. وتثبيتها في وجدان القارئ والمثقف المصري والعربي بمناقشتها فنياً يكفي لتبقى صامدة وقوية في وجه الافكار الاخرى التي يقوم عليها الانتاج الروائي الجديد.


ان قيمة الأدب والفن لا تتغير بتغير الزمان انما تتغير بتغير الأذواق، وهذا مشكلتنا في هذا العصر حيث يطول الحديث فيها. الأفلام السينمائية والمسلسلات التمثيلية التي استُوحيت من أعمال نجيب كانت ولا تزال أعمال حية تخاطب مشكلات حياتنا وضميرنا ووجداننا وانسانيتنا، المشكلة ليست في جودة العمل او مدى إتمامه الفني، بل المشكلة في الذائقة التي تغيرت وتعطلت ربما، وخضوع "الانسان اليوم" الى حاضره دون التفتيش في الماضي الذي جاء عليه هذا الحاضر.. من منكم من شاهد الفيلم المكسيكي " زقاق المدق " المأخوذ من رواية نجيب زقاق المدق، والذي مثلّت بطولته سلمى حايك.  لقد تُرجمت أعمال نجيب الى لغات عدة.. واحبه القراء على هذه الأرض.. وهو أحد عظماء مبدعي الرواية في العالم.. واعتقد ان أعماله متخمة فنياً وفكرياً ونفسياً بما يحفظ لها بقاءها على رفوف مكتبة القارئ الجاد أبداً.



ــــــــــــــــ
* سبب هذه التدوينة رأي الأخت خلود في زمنية أدب نجيب محفوظ وهذا نصه :
"..
بخصوص نجيب محفوظ..عندي رأي اخاف لوقلته ياكلوني أنصار نجيب محفوظ هنا وهم كثر ..
أولا أظن أني قرأت "جميع" رواياته..في مراهقتي وأيام الثانوي..فمكتبة والدي فيها كل رواياته ..
لكن مع ذلك اظن إن رواياته كانت لزمن معين..زمن بدء أو قبل انتشار الأفلام والمسلسلات المصرية..مع انتشارها..اغنت عن القراءة له تماما.
ما أعرف كيف اوصل الفكرة لكن رواياته كانت مرتبطة بزمن معين..وما اظنها تصلح لكل زمان ..
أغلب الروائيين الآخرين رواياتهم تناقش النفس البشرية أكثر عمقا..لذلك تخلد مع مرور السنوات مو العكس!

تحديث : أرجو أن لايفهم من كلامي عن نجيب محفوظ إني من الجيل اللي قبل المسلسلات والأفلام أو من جيل نجلاء فتحي ومرفت أمين
abuiyad