اليوم عيد ميلاك ؟









نزلت درجات الدور الثالث وانا البس ثوبي لأصلي المغرب، توقفت حتى اطل محمد أخي من العطفة التي تخفيه، سألته بوجهي النحاسي الأسمر وقد نكش شعري وتشبع من الغبار، وأنا انظر اليه، وهو حين شاهدني تمهل قليلاً في مشيته المنحدرة، " اليوم عيد ميلادك؟ "، قلّب الورقة التي بين يديه وابتسم وجهه وقد ورّمته ساعات النوم التي رقدها، اشار برأسه مجيباً، وقال " ايوه"، ثم همهم بكلمات لم اسمعها جيداً، بينما زرقت أنا مع الباب الى الدور الثاني. لقد رأيت اشارة اليوم لما فتحت الفيسبوك تشير الى أن عيد ميلاد محمد اليوم. وأنا اعرف محمد في مسألة التواريخ والتقويم، حيث يمثل له الالتزام بكتابة التاريخ الصحيح قضية هامة للغاية. كان الشك طبيعياً، لأن عقلي مزدحم بمجالس خاصة لشيطان الشك، الشك الذي يُفضي بي الى الخوف من امامة رجل واحد في الصلاة خوفا من الخطأ في قراءة الفاتحة أو قصار السور. تبادلنا أنا ومحمد فيما يشبه الكلام الخفي شيئاً من السخرية من هذه المحادثة بشأن عيد ميلاده، لأنه صورة حديثة في حياتنا لم نعتادها، ولم نتعامل معها بما يجعلها تركيبة اعتيادية ومناسبة طبيعية في تقويم السنة، بل حدث يتكفل من يعتزم احياءه مشواراً شائكاً من تلافي السخرية المُبطنة في أعين الاخرين. في قريتنا لم احتفل بالمرة بعيد ميلاد أحد، في حياتي لم احتفل بعيد ميلاد أحد، يمكن ان احتفل بنجاحي او نجاح أحد اخر ولا يمكن ان نحتفل بعيد ميلاد أحد. كان الاحتفال بالنجاح في المدرسة مذهل، في الابتدائية بالذات، " كرتون بيبسي"، ولك حق توزيع بعضه على الاقران والعائلة ثم الاحتفاظ بالبقية. في قريتي يحتفلوا الناس بكل شيء، في الزواجات التي تكون في قصور الأفراح يتصارع أهل الزواج لإحضار " الشّعْار"، يأتون بابن عزيز او ابن هضبان بمبلغ وقدره، ثم يستأجرون قناة السيوف أو قناة الصحراء لتصور الحفل، حتى يتفرجوا على أنفسهم نهاية الاسبوع على التلفاز، يحتفلوا بكل هذا بجنون وبجمال خاص بهم. لكنهم لا يحتفلون بعيد ميلاد أحدهم. أحيانا اتصور وفي شكل مشهد ساخر صامت ما يحدث في بيت من بيوت قريتنا، مشهد رجل محترم معه زوجته المحترمة المؤدبة ولديهما طفل او طفلة، وتسيطر عليهم رغبة الحضارة ومسابقة القرية المتخلفة بأناسها واطيافها وعاداتها ولغتها الغبية البدائية الفاضحة، ليحتفلوا بعيد ميلاد طفلهما، وكأنهم يمارسوا شذوذا حضارياً استقراطيا مشبعاً بالزهو الذي يطفر داخلهم، وربما يواصلان هذا الاحتفال بمعزل عن علاقاتهم القريبة، بل ويحاولا قدر الاستطاعة ان يخبئاه عن الخروج والتسرب الى من حولهم، فإن هذا سيُعد فضيحة وشماتة للشامتين وخاصة نساء القرية الكبار والخبلان الصعاليك من أمثالي. السنة التي مضت قررت ان احتفل بعيد ميلادي، وقلت هذا شرط من شروط الحضارة التي نريد ان نمشي في طريقها والثقافة التي تؤكدها العولمة، تأكدت من يوم تاريخ ولادتي بالضبط، وجلست انتظر شهرين حتى يأتي اليوم، ولكني تشغالت عنه باشياء كثيرة حتى نسيته تماما، لم اجد أحدهم، ما شاء الله يتذكرني ويذكّرني به، ويقدم لي هدية في يوم عيد ميلادي، مثل الذي كنت اشاهده في مسلسل فريندز الكوميدي، ليس لدي قائمة خفية اقدمها، وارغب الا تخرج الهدايا عنها، كنت فقط اريد أن اتذكر يوم عيد ميلادي، وحينها طرئت في ذهني مسألة غريبة اتعبتني، وهي هل يكون الاحتفال وفقا للتاريخ الهجري أم الميلادي، قلت: لابد ان يكون بالميلادي، لأنه عيد ميلادي، وليس عيد هجري!!، ولما اخذت في تحويل التاريخ من هجري الى ميلادي، وجدت اختلافا، وكانت بعض المواقع صادقة وتقول بأن هناك احتمالا ان يكون يوم كذا أو يوم كذا، لذا تنازلت عن الاحتفال وفقا للتاريخ الميلادي وقلت التاريخ الهجري كويس وهو يوم معروف " ولا راح نختلف"، ولكن للأسف كانت الاشارة التي ذكرتني بيوم عيد ميلادي قد وردتني بعد  اكثر من اسبوع أو اسبوعين من مُضي اليوم، وتملكني غضب وحنق على نفسي، وتفكرت، الان سأنتظر سنة اخرى لاحتفل بعيد ميلادي، طيب واذا لم اتذكر، وأنا اصلا بالكاد انظر الى التقويم او اعرف ترتيب الاشهر الهجرية، كم ستمر سنة حتى استطيع ان احتفل، اني اريد ان احتفل، ويضحك الصعلوك ويتقلب على الكنبات الصفراء الداخلية. قريتي لا يمكن ان تفهم هذا الاحتفال، كان الناس أولاً يكفْرون من يحتفل بأعياد الكفار، ثم استمعوا لأراء تقول بالجواز، وتردد الناس، لكنهم لم يحتفلوا، وحين تكرر حديث الجواز من بعض الشيوخ المعتبرين تشجع الناس، ولكنهم لم يحتفلوا. ومرة سمعت ان احدى بنات اختي ستحتفل بعيد ميلادها ولكني لم احضر ولم ارسل هدية، لأن قرارها هذا يشبه قرار أحدهم انه يريد الخروج للتنزه، فيمكن لك مرافقته ويمكن الا تذهب، وهذا لا يعني ان عليك ان تقدم الاعتذار، أنت بالخيار،المهم، كان أحد اخوتي قرر الحضور وقدم لها هدية معتَبرة بـ 300 ريال،  شكرته عليها، بعد فترة ليست بالطويلة، قلت لها " ترى عيد ميلاد .. خالش.. راعي الثلاثمئة قرّب.. جهزي هديتك!". طبعا، لم يحتفل اخي بعيد ميلاده، ولم يفكر في الهدية، كانت هدية تشبه هدية القادمين من الحج أو العمرة، تُرد حينما يسافر الشخص ويعود ولديه رغبة برد الهدية. ماذا يعني ان احتفل بعيد ميلادي؟، انه يعني تقديرك لنفسك، يعني تذكريك بمضي الزمن والسنين، يعني تحقيق معنى الهدية، والمحبة والتقارب، لكني وقريتي نعيش في ظُلل الظلام والسخرية والضحك، لقد سمعت احدهم مرةً يحتفل بعيد ميلاده، واحدهم هذا احد ابناء القرية الطيبين، سمعته من خلال مقطع فيديو، يقول لنفسه وهو بين زملائه قبل ان يطفئ الشموع المتراصة على الكعكة " هابي بيبي تو يو "!!. في المدينة ستجد من يحتفلون بعيد الميلاد وهم يعنون ذاك المعنى اللطيف من الاحتفال، المحبة، القرب، ومصافحة القلوب، ولكن هذا أيضا سيُثير الصعلوك  ويتقلّب من جديد على الكنبات الصُفر وربما يشير ويفعل حركات قبيحة مستهجنة، المهم ان قريتي لا يمكن ان تحتفل بعيد ميلادي، وانا لا يمكن ان احتفل بعيد ميلاد احدهم فيها، كل ما استطيع ان افعله، وهو اقل الايمان، ان اسخر في داخلي من احتفال احدهم، رغما عني والله. اسأل الله الا يجعلني سخرية لأحد. 

؛ 
محمد.. اليك هذا المقطع الجميل، صورته يوما ما وانا انتظر في صف المركبات وجبة العشاء المتأخرة.
ليل طويل كان يحضني في جدة.. ليل طويل.. 
هو اجمل بكثير من تهنأتك بعيد ميلادك المنسي..المزيف.



video

                                                 


abuiyad