رحلة ابن فطومة











هذه الرواية تشبه الى حد ما أجواء روايته الاخرى ليالي ألف ليلة، تراثية ولكنها تعتمد الرمزية، والرمزية هنا واضحة وجليّة ولا يستحق الأمر تمحيصا وتدقيقا. وهذه برأيي الرمزية المحمودة. محمد قنديل العنابي، هذا الرحالة الذي انتقل من موطنه بلاد الإسلام / الشرق، عبر رحلة مرسومة في ذهنه مسبقا حيث وافقت فكرة الترحال ما آل اليه أمره في أرضه، فقد ضاعت منه حليمة التي أحبها وانقاد شيخه مغاغة الى أمه فتزوجها، فكانت المشرق وجهته الأولى ثم دار الحيرة ثم دار الحلبة ثم دار الأمان ثم دار الغروب ثم دار الجبل. ولكن الرحلة لا تمضي كما يحب ويرغب، كانت الرحلة يعترضها دفقا من الحوادث والأسئلة والمقارنة، المقارنة التي استمرت على طول هذه الرواية كانت مقارنة إسلام موطنه بإسلام كل موطن يصله، لقد وجد تحريكا غريبا في أولويات الإسلام ومقاصده وقيمه من مكان لمكان ولكنه لم يجد الإسلام الكامل. وربما كان هذا الترميز واضحا بشكل ناصع في الحوار وخاصة مع حكماء الديار التي رحل اليها والتقى بهم فيها. إذا؛ ما هو الاسلام الذي يبحث عنه؟. كان يرافق كل هذا الحديث عن الإسلام الحديث والتفتيش عن الحرية أيضاً وبنفس الاصرار ، وكيف انه يجدها كل مرة مقصوصة وقد مُثّل بها وفقا لأهواء الأسياد والملوك والآلهة، لم يجد الحرية الكاملة. ما هو الاسلام الذي يبحث عنه؟ قال له الشيخ السبكي في دار الحلبة مجيباً:
" - انظر يا قنديل إلى وطنك دار الإسلام فماذا تجد به؟... حاكم مُستبد يحكم بهواه فأين الأساس الأخلاقي؟ وشعب لا يفكر إلا في لقمته فأين الأساس الأخلاقي".

الحرب التي تنشأ بين هذه الديار يمكن للرحالة أن يكون أحد ضحاياها ويستطع بعقله المحب للمعرفة والاكتشاف استطلاع أسباب هذه الحروب الحقيقية. ويمكن لنا هنا ان نلمس جانبا من عبقرية نجيب محفوظ حينما يترك أثر عميقا في ذاكرة القارئ بعدد قليل من السطور، إن وصفه للعشرون عاما التي قضاها ابن فطومة سجينا في سجون الحيرة كانت نصاً عميقاً هادئاً وكأنه اُذيب بتراتيل ونحيب هؤلاء المظلومين.. صفحة أو أقل أو أكثر بقليل .. ولكنها باقية كأثر منير في هذه القصة. في مقاطع أخرى تشعر بمثل هذه الحكمة المُنزلة الغريبة، أحيانا يصبح للوصف مثل هذا المذاق النفسي الخالص العذب "وقبيل منتصف الليل تقدمت القافلة من الدار الجديدة. وقابلنا عند المدخل رجل عاري الجسد إلا من وزرة تستر العورة، بدا طويلا نحيلاً على ضوء المشاعل، وقال الرفاق إنه مدير الجمرك. قال الرجل بصوت جهوريّ:
-أهلاً بكم في المشرق عاصمة دار المشرق، وإنها ترحّب بالتجار والرحالة، ومن يلزم حدوده فلن يلقى إلا الطيّب والجميل.
 ودخلت القافلة بين صفين من الحراس، فمضى التجار إلى السوق، ومضى بي دليل الى فندق الغرباء. أناخ الجمل أمام سرداق كبير كأنه ثكنة، وحمل الدليل حقائبي إلى الداخل فأدركت أنه فندق الغرباء" .الحرب التي تدور راحها تُدمر الانسانية ثمناً لشهوات بعض الأسياد والتجار ورفقاء الملوك.. الحرب التي ينتاهى إلينا انها ستقوم أو انها تحدث في مكان ما الآن تقرر مصيرنا.. تجعلنا نهرب أو نُقْدم.. والرحالة ابن فطومة قاسى أثر الحروب وطمعه في البقاء مع زوجته. 

الفوضى التي رسمها نجيب أراد منها اسقاطا على الواقع. فوضى الديانات الغريبة التي سمحت لأبي عروسة أن يبتسم لابن فطومة وهو يدخل خيمته لينال نصيبه من ابنته دون زواج ولا ميثاق.. فوضى الشيخ السبكي امام المسجد وهو يقدم الخمر على مائدته.. فوضى معرفة الاله والايمان به.. الفوضى في صرامة دار الأمان في حياتهم حيث تخلو شوارع المدينة من الناس فالرجال والنساء في أعمالهم فلا يعودوا لمنازلهم الا ليناموا..فوضى تقديس العمل والكدح.. وهكذا.. فوضى مُؤسسة.. فوضى نؤمن بها.. فوضى نحارب من أجلها.. ولذا يمكن أن تأتي فكرة الترحال فكرة مقبولة في ظل هذه الفوضى التي تعم كل الأشياء وكل الأماكن، مهما بدت في رقييها. 

ما الذي جعل من دار الجبل مسعاً بعيداً لم يجد عنه جواب أو قول؟. هل كان ابن فطومة يرتحل خلف الاستكشاف أم خلف عروسة .. بعد أن فرقتهم الحروب والسجن والقدر؟. كيف اختفى وطنه الأول، أمه والوالي والشيخ مغاغة الجبلي؟. أين ستقودنا رحلة الدنيا هذه أخيراً؟ متى وأين سنحقق الدولة الكاملة العادلة ..؟ وهل هذا يمكن في دنيا الدور المزدحمة بالفوضى. يترك فيّ نجيب مايشبه الاجابة في تأمل دائم، تتجمع به الأفكار والمعلومات في اناء الحكمة العجيب.. تلك اللغة المعجونة من اعتلاء نوراني يسكن نجيب ووصول متقدم لفهم عِلل الأشياء قيض له هذه القدرة العجيبة على رصف كلمات بسيطة هادئة لتطير منها عصافير التأمل وتحط بسكون وايمان في أفئدتنا .. وأرواحنا.. لا بالضرورة  في عقولنا الجافة، لنُدرك الحكمة بالقلب. التساؤل الرمزي في هذه الرواية يمكن أن يتحول لسؤال الاشياء عن وظائفها.. هل يؤدي الدين دوره؟ هل يؤدي المُلك دوره؟ هل يؤدي الانسان دوره؟ ، وبذلك يتحول السؤال من الالتباس الرمزي الى الالتماس الواقعي. السؤال الرمزي هنا يحتمل أن يكون بسيطاً عن الاشياء التي نقررها، وكبيراً عن الأشياء التي تُقررنا. 

هناك دوما شروط للوصول أو التقدم، هناك دوما قوانين للبقاء والاستمرار، حتى في تلك الأزمان البدائية المتخلفة و المتحضرة. وخارج هذه الاطارات الرسمية التي تمثلها الصور والقوالب وهذا الصلصال، هناك قصة داخلية، اشياء عميقة جداً لا يعرفها سوانا، نحملها معنا في كل رحلة في حياتنا، رحلتنا الممتدة أو المتكررة في الزمان والمكان ، انها ليست رحلة، ولكنها غربة وضياع الانسان في حياته بين مطامع رغائبه وبين مطامع الديار ورؤوسائها. " وانتقلت من مكان الى مكان، لا أرى جديداً، أكابد فتوراً يتزايد، وقلبي ينسحق تحت الأسى والشجن، وخيالي يبحث عن حليمة المشرق. في الغربة أتخلّق من جديد في صورة جديدة". هذه هي الغربة حين تأكل روح البشري.. ثم فجأة تُجدده، فيصبح للمكان الغريب حنيناً وفقداً، وتبقى الغربة غولاً أو شيطانا يسكننا ومن حولَنا لا المكان ولا الزمان. أما الشروط والقوانين فإنها ترسم المنظر الخارجي الذي يميز حقيقتنا الظاهرية لا أكثر، أما "الكنوز المطمورة" في كل بشري فهي في حياته الحقة التي يحياها. حين اقترب الرحالة من هدفه في الوصول الى دار الجبل حيث لم يكتب عنها رحالة من قبل ولم يلتق بأحد زارها من قبل، وهناك في المرحلة قبل الأخيرة في دار الغروب كانت الشروط غريبة للارتحال الى دار الجبل، قال له الشيخ الذي يغني في وسط الغابة ويعد المرتحلين الى دار الجبل:
"- كل شيء يتوقف عليهم، إني أدربهم بالغناء لتمهيد الطريق، ولكن عليهم أن يستخرجوا من ذواتهم القوى الكامنة فيها.
فقلت بحيرة :
- لم أسمع مثل هذا الكلام من قبل.
- هذا شأن جديد.
فسألته بضراعة:
- ما معنى أن أستخرج من ذاتي القوى الكامنة فيها ؟
- معنا أنّ في كل إنسان كنوزاً مطمورة عليه أن يكتشفها خاصة إذا أراد أن يزور دار الجبل.
- وما العلاقة بين هذا ودار الجبل؟
فصمت مليّا ثم قال:
- إنهم هناك يعتمدون في حياتهم على هذه الكنوز فلا يستعملون الحواسّ ولا الأطراف!
فقلت برجاء:
- هلاّ وهبتني فكرة عن هذه الكنوز؟!
- لا تتعجل.
- ومتى أعرف أني وُفقت؟
فقال بهدوء:
-عندما يتأتى لك أن تطير بلا أجنحة!
فأمعنت النظر فيه بذهول، ثم قلت متأثرا بجدّه وصدقه:
- لعلك تحدثني على سبيل المجاز.
- بل هي الحقيقة دون زيادة... الدار هناك تقوم على هذه القوى، وبها شارفت الكمال.."
 لقد قرأت الشروط هنا وفي أجزاء أخرى أكثر سطوعاً من القصة مرة في طور حوار كهذا ومرة في طور حديث النفس. شروط الشروط، لكل شيء شروط، للفعل الطبيعي شروط، لتفقس بيضة أو تنبت بذرة شروط، ولكن الشروط التي كبل الانسان بها الانسان فيها نظر، الشروط التي كبل الانسان بها نفسه فيها احتمالات كثيرة، الشعوب التي تطبل لملوكها كسرت حواجز القوانين التي وُضعت لها، وتمردت تطرفاً في الذل والخضوع، والشعوب التي رأت خِلاف ما يرى أسيادها أعادت صياغة الشروط، لقد كان شرطا غريبا على ابن فطومة أن يرافقه في دار الأمان رجلاً ستينياً في كل مكان يمضي اليه حتى في الحمام. ولكنها هذه علّة الشروط فما نحن فاعلون بها.

كيف يمكن أن نكتب خاتمة لهذه القصة، والتي اترك نهايتها للقارئ، وحيث النهاية عُنون لها بـ " بداية"، وهي كذلك في التركيب الرمزي للقصة، وحيث أن النهاية ليست دوماً النهاية. النهاية هي ان نُنهي قصة الهروب، أن نتسيد أنفسنا في الرحلة الممتدة لأنفسنا، أن نختصر الشروط والقوانين في تأكيد شروط وقوانين داخلية لنا حيث إنه لا دين صحيح ولا حرية كاملة، سوى الدين الكامل الذي اعطانا الله ولا زلنا نفتش عنه في هيئة تطبيقه التام الصحيح، والحرية الحلم الناقص التي ننشدها. . يمكن أن ننهي هذه الرمزية الحكيمة بقول شيخ دار الغروب لابن فطومة " إنك من الهاربين، تعللت بالرحلة فراراً من الواجب".


ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كان مجرد رأي على goodreads ثم امتد.


abuiyad