غِواية











1

من اناجي في هذه الليلة الليلاء. ما الذي حلّ بوَرَعي. ألم يكن لي من طرق عبدالرحمن في التقوى من دليل؟!. ما أشقاني حين وليتُ وجهي طرف الوادي وفارقته. كان لوقع أقدامي وأنا اهبط التل ما يشبه وقع النذير. حملتني بلاد وفاضت بي أخرى، ووجهها رسمةٌ في جبين فؤادي. المدينة باردة. أيها الشيطان.. لا أناجيك. فقط اصرف عني تلاوينك الضالة. أعوذ بالله منك. ترتكس بين خيط تقواي وهالة الجبين. لتغزل شباكك، وتنخس بافتنان. أعوذ بالله منك. من اناجي وقد اقفر الطيف، وثار بنفسي التياع ملك حشاشة نبضي وهو يغرز مسلاته في أردية الهرب. نزقة..مثيرة..ولكنها مسالمة. آآه ها أنتِ.. هل تحبين الصمت ؟! و “ عليّ أن انكتم !” . في وطنٍ بعيد كانت الاشياء لا تشبه الأشياء. نزقة .. مثيرة.. كالحلم. وكانت السماء صافية تتمطط فيها أشعة صفراء. حتى خرجت سحابة، ثم هرج السيل قبل المطر.. صالحة.. أريد أن احكي لك حكاية!. من تلك الليالي حيث كانت تلتصق رائحتك بجدار الغرفة. كانت تحملني غيمة مثل هوّاس.. الشاغل الذي ينتشي كل لحظة. وبمجيئك فقط اتحول لأخر..احم..احم.. امتشق ارتباكي لتعتل معه مشيتي فتصبح فوضوية.. كمشية الغراب.. أعوذ بالله من التلاوين. وفي رحابك. ومعبدك الصامت.. وجمالك الأنيق.. المخطوف من ثنايا الإغراء.. احفظ صورة جبينك.. ويخمشني الهرْش وتلاوة عبدالرحمن المتأنية..اخشع.. القرآن طيبٌ مبارك يُملئني بالسلام والنسيان.. أشياء كثيرة لا تشبهك.. ونُدرتكِ كانت غريبة جداً.. متوفرة جداً.. سيدتي، هل ازعجتك؟.. لم اعد اتبين وحيك من لعب الشيطان في رأسي..اود البقاء معك كما يود الظل البقاء مع الشجرة.. هل تذكري “موسيقى الشجرة”؟.. آه يا صالحة..آه يا قلبي.. تستحق أكثر من الصمت.. تستحق بركان.. أو غولٌ فزاع يشل الأركان.. أعرف أعرف.. كالمُقبل بعد انتهاء الحفلة.. يقضم أصابعه.. ويحكّ فرجه.. وقد بيعت الأحاديث.. وطارت في خزنة الليل الضحكات.. ما ألذ تلاوتك يا عبدالرحمن.. هل قاطعتُ صمتكِ النبيل؟!.. تستحق الصدى الذابل أيها الأدلخ.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. أعوذ بالله من كل هامة.. تستحق الذوبان.. كان النسيم عليلاً والقمر ينير طريقي في البلاد حتى غفوتُ تحت شجرة السدر..غفوة الشارد الضال.. وكأني اُنصت لخرير ماء.. تستحق الذوبان في مستنقع الهلاك.. حيث تمتزعك البراغيث. لوجودكِ قُبلة.. ها قد أتيتِ وأطناب الصمت تلف بك.. لوجودكِ.. قُبلة.. أو انحناء..إنه مُرضي يا عزيزتي.. صالحة.. صالحة.. كيف هو حال أمك.. ووالدك؟ أحب أمك.. ولكن والدك يغش الناس بالعسل الذي يخلطه بالسكر المُذاب.. أحب أمك لحُبك.. شقيُ أنتَ..شقي.. اذهب لللامكان.. انتظر.. الانتظار مُنتهاك.. المدينة باردة.. البَاحة مدينة صغيرة غادرها الدفء وتوالى عليها السقم وثعابين غابة رغدان الغادرة.. وأنتِ يا صالحة على مرمى من هذا المقهى المحشور في زاوية يغطيها الضباب.. ماذا أقدمُ لكِ قرباناً؟.. عبدالرحمن كان يسألني هل أتحمل لذعة النار.. ونارُ جنهم سوداء.. حارقة.. كم افتقد وجهك يا شيخي.. وابتسامتك التي تقطر حباً لي.. ماذا حدث يا شيخي في القرية؟.. وماذا اصابني.. من يُجيبني.. ومن اناجي. عليّ أن اناجي الله.. ما هو القربان يا صالحة ؟.. الصمت من ذهب .. الصمت من بلاستيك.. الشيطان صامت.. أعوذ بالله منه.. صالحة .. هل تحالفتِ مع الشيطان.. مشغولة.. مشغولة.. 
- "ماذا تريد ؟.. ألا تفهم، اللون الأحمر يعني مشغولة ! “.. 
- “ صالحة.. أنتِ مشغولة الآن ؟” ..
- ” لا، ولكني لا أريدك.. صدقني لا أريدك.. كل هؤلاء المتمثلين بالبَشر ..اكرههم .. وأنت منهم.... أكرهك.. أقسمُ لك بذلك..”. نطقت صالحة .. أين شلشلة مسبحتك الزرقاء يا سيد عبدالرحمن .. تُبارك الكلام.. هاهي تكتب:
- “ اخرج.. لو سمحت.. لستَ سوى جماد..ولن أرهقني من أجل جماد “..
- “ طيب.. اهدئي.. سأكلمك غداً."..








2

“لا أحد.. لا بشر”. كيف تودين مناجاتك هذه الليلة؟!.. مساء الورد. “ معليش على ازعاجك.. ولكن أنا لستُ لابشري.. أنا بشري ..دمٌ وماء جسدي”. كان مكان المقهى يلتبس عليّ كل مرة. كل ليلة انتظم في نسج أطواق من الحديث حتى تلتف حولك كالغيضة. الغرق كان يستبد بنا. . ردي التحية يا صماء..شيء غريب.. بات لديك أصدقاء.. لقد تقدمتِ خطوة..تجاوزتِ كل شيء بسهولة.. حتى بياتات البحيرة. لقد كانت فكرة اللاشيء.. فكرتك.. وهي فكرة غبية.. مثلك.. لا يمكن أن نتحول إلى لاشيء.. افتقد الهمهمة يا عبدالرحمن.. اخرجُ كل صباح في هذه المدينة الباردة.. اتخفف من أمنياتي التي حدثتك عنها في زاوية المسجد حينما حبس المطر أهل القرية تلك الليلة.. لم اتخفف منها.. لقد بلتُ عليها وأنا اصطاد المخاط المتيبس من تجاويف أنفي المكتنز بالدهون.. ما الأمنيات يا عبدالرحمن؟!. بالله قل لي. أليست دُمى من الهلوسة نخبئها في أفئدتنا حتى يختلط علينا النبض بين أفئدتنا وهذه الهلوسات؟!.. أحلام.. أليست أكاذيب الشيطان.. أعوذ بالله منه. ثم اتجاوز صيحات أصحاب التكاسي عند الموقف، وانسل مع جانب الدرج حتى ألتقي بوجه سيّد.. وافطر كبده، لا تحلم حتى عمتك آمنه أن تتباهى بمثلها بين جاراتها.. المدينة باردة. والشيطان يمشي عارياً. ها قد أتى الغد يا صديقتي العنيدة.. لا تمارسي الكذب على نفسك.. تعالي هنا.. سبحان الله.. بالأمس كان يعني لكِ أن تغيري اللون للأحمر حتى افهم أنك مشغولة.. أما اليوم فلم يعد يهم أن افهم هذا أو لا.. ما دام هذا سيُثير شكوك من تحدثيه.. ههه.. كيف هو الحديث.. جميل ومنساب.. وبه اشارات مبطنة ولطيفة من الغزل.. وهنا وهناك يتراقص رمان القلب.. ههه..أعرف هذا جيداً.. اختبرته معك.. لا ترسلي لي هذا الوجه الأصفر.. “ ما شفت من وراه خير!” ها هي تكتب.. انتظر أيها الضال.. أيها الجرو الضائع.. أين أبوك؟!.. ها هي صالحة قادمة: “ عد إلى الجبل “. تهزأ بي.. تعيث بحرفها في حرم الأمنيات الخاص بي.. أيتها النافقة.. اعترفي لنفسك.. لستِ بشرية.. تحبين القصص.. فيك ما يُشبه اللاحقيقة. “ ادعو الله أن تصيبك لعنة”.
- “ ترمي علي لعناتك “
- “ !وماذا فعلت اللعنات ؟”
- “ ماذا تريد مني ؟”
- “ وماذا فعلت اللعنات ؟!” 
-.....
-“ سؤالك ساخر.. ممجوج ورغم ذلك مضحك يا صالحة “
-.....
-“ ماذا تريدين أنتِ ؟ “
- “اضحك بعيداً عني .. أرجوك “
أريد أن أكون وحدي
بلا أحد
بلا بشر
فهمتَ الآن ؟”
 يا عالم السر مني.. لا تكشف الستر عني..” هيا لندور.. ما الذي يجبرني أن اكتب عنكِ يا صالحة..؟! هل أنتِ فعلاً صالحة؟!. كادت الذئاب أن تقطف رقبتي وأنا اهرول بعيداً عن عبدالرحمن وديكة القرية وأغنام عمتي جازية. صباح الخميس.. يعطي عبدالرحمن نفسه فُسحة.. يخرج إلى صحن المسجد.. ينظر في وجهي وقد فاض سروراً مشكوماً.. يحدثني عن توبة الفضل بن عياض، والإمام مالك بن دينار.. وهبني عبدالرحمن فيضاً من الايمان والشوق إلى الله ومحبته.. لماذا تركتك يا شيخي.. وصديقي.. هذه الضالة تنتزع مني كل ليلة شرفي.. شرف حروفي.. بات المقهى علامة على انحلالي.. وهذا الرجل الذي يقدم لي الشاي يضحك في وجهي..ماذا يقول في داخله ليسخر مني.. يعود بعد نصف ساعة ليأخذ كوب الشاي وقد برد ولم ارتشف منه رشفة واحدة. إني أريد الاتصال فقط.. أريد شبكة يا صديقي الهندي.. اتطلع لأحلامي وحياتي في هذه الشاشة.. كأننا بُهُم.. كأننا مجانين في مشفى كبير.. ألست تقول ذلك بعينيك؟.. ألست تود أن تحكي ذلك؟!. أنت تتلقط رزقك ونحن هنا قوم فارغون نتلقط عناقيد أحلامنا لتتأرجح كل مرة ثم تستحيل علينا.. أخيراً نُسلم بأننا لا نقدر على الوصول إليها.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم “ إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً* نحن خلقناهم وشددنا أسرَهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلاً* إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً* وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً* يُدخلُ من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً”. رحمتك يا رب... ها هي صالحة عادت لتكتب لي شيئا “ :” اللعنة عليك مو عليّ.. لأنك أنت تستحقها.. يا فتى الجبل والوهاد.. إلخ”.. يا رب رحمتك.







3

ليس للحب جزاء.. أهل الحب صحيح فاضين!.. الفراغ.. الفراغ الهاجم . هكذا هو جزاء ليل طويل من الشجر والنسيم والتربة وطقطقة الكيبورد. " تعذر تسليم الرسالة التالية لكل المستخدمين.".. الأشياء تبدلت يا صالحة. هل ترين عليّ جُبة الدجالين ؟!. “ انظر إلى يديك ملئى بالآثار.. أنا دُفنت على يديك”.. ما هذا النهيق الجنائزي في حروفك. إني ابغض البكائين الحزنى وكأنها نُحرت أرواحهم منذ ملايين السنين وتاهت في طريقها للرقاد الأبدي.. فقعدوا يتلقطون من دكاكين القلم والقرطاس نحيبهم.” يييييع” ابغضهم. لا اقدر على التخلي.. مهما كنتُ عاصياً وغشاشاً. احدودب الرجاء وهو يطوف بالدار. ‏‏"لا تكتب كلمة المرور أو رقم بطاقة الائتمان في أي رسالة محادثة فورية على الإطلاق.".. نعم.. قرأت كلامك، عرفتُ أني المقصود بها.. أنتِ شقية.. حقيبة خرساء.. وشفاه كالبيانو.. " وماذا بعد؟ "، " فقط .. كن بجواري.". " ما هو سؤالك في هذا النهار الفيروزي؟ ". اللهم طهرني من ذنبي.. وانزع من قلبي التعلق بهذه الجموع.. أن أحبك وحدك وأخشاك. حب النساء سيُولجني معهن النار. ها هو المنزل يا صاحب الذكرى.. يلف المكان همود ما بعد نزوح الضباب.. الحناديد. القرية المنزوية عن الضجيج.. لاشك أنها تنشد موتي..بلخزمر.. بلخزمر.. اشششش.. الأصوات تنتقل في وسط حساس. القوم هنا لا يعترفون بالمكيفات.. تقدم.. تأخر.. تأخر.. احمل حذائك في ابطك وامش على رؤوس أصابعك. "ماذا تفعلين بالتفاح بعد أن تأكليه.. هل ترميه..أم تحنطيه.. أم ماذا..؟". " تفاح آدم". " نعم" ." أأكلها كلها إلى أن لايتبقى منها .. سوى العظم هههههههه". هل تريدين أن استذكرك بحروف متأنقة.. مرتبة.. نميرة.. حسناء.. لا لالالا.. هذا لن يكون. "هل لي أن اشتهي؟". " لا تلوحي بالكمَان، به مواد صلبة.. وأنا وجهي رقيق.. وبعد هذا التحذير، اخبريني عن ساديتك.. وما الذي تشتهين ؟!". اشعر بخمول.. أريد أن اقوم أصلي لله ركعتين كي يرضى عليّ ويدخلني في عباده الصالحين.. لكني على جنابة.. السخان معطل والماء صقيع. اللهم اني نويت اصلي لك وأنت تعلم حالي. ما بالي فقدتُ نشاطي.. وانقلبت لأحقق رغائبي وشهواتي.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. البقاء مع الجماعة خير من العزلة. يدُ الله مع الجماعة. " كل ليلة أنا سكرانة.. تعال اسكر معي".. إنه الخنّاس يتمثل أمامي.. أعوذ بالله.. وألجأ به. " ترى اكره الرجال.. في بيني وبينهم حاجز مثل جدار الصين.. أنا والرجل أعداء..لعنة الله على الخيال". أين أنت يا عبدالرحمن.. انجدني بموعظة وقصة.. تعال خذني من هذا اللهيب. يجذبني الشيطان مرة اخرى في حديثها.. " اعشقني..أنقذني مني أرجوك.. سأنهار.. دعني انهارُ وحدي". شيطانة.. متآمرة مع الشيطان.. ساحرة.. عابثة. حضنها دافئ في هذا الوقت من السَحر. بعد دقيقة واحدة من التنهد.. تذكرت الله، ورقائق قالها لنا عبدالرحمن عن موتة السوء.. وقصة المجاهد عبدالرحيم الذي عشق النصرانية واُنسي القرآن كله إلا آية " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين". اللهم نجني.. اللهم نجني. وحين وضعت عُرفي في صدرها وشممته تلاشت اصبع عبدالرحمن المُحذرة من الانسياق مع وسوسات الشيطان واُنسيت الله. أيتها الفاجرة.. لقد انسيتي الله.. ولما تمكن العشق مني.. ها أنتِ تتبجحي بسوء الكلام وأقبحه.. 
- " عقلي به لوثة يا صاحبة الجلالة.."
- " مضطرة للخروج ".
- " في ستين داهية.."
-" أود أن أكتب.. اسمح لي".
- " مؤدبة جداً.. على الرغم من وقاحتك".
-" هل بقي هنا حب.. ما هذا.. لماذا نتبادل الشتائم كل يوم".
- " وطرٌ تعلقه الفؤاد وينقضي.. والنفسُ ماضية مع الأوطار.."

عبدالرحمن.. صديقي.. لقد فقدت حياتي، إني على هاوية لا ادري عمقها. ربما أنها سبعين ألف خريفاً. أين سألتقي بظِلالك وقد اجتاحني الظلام والبؤس واليأس. لا تيأس من رحمة الله. أين أنت يا صديقي.. ومعلمي.. آآه. لقد أحكمتُ الطوق حول عنقي أيضاً، وها هي الأغلال.. اللهم إني احسن الظن بك. 








4

أين كنا ؟ وأين أصبحنا ؟. ضاعت أنفسنا في بحر من الفراغ. تجاذبتنا الدنيا، ورقصنا لها في فجور. أين كنا؟ ما بالها الليالي حزانى. الأمس لا يتركك ..أيضا. يلحق بك..ويلتحق. لايهم.. مرتع الأحلام والألم هذا الركن العجيب. “ ابمشي معك ..لا تكوني وحيدة..مو زين”.. “لاتخاف عليّ.. أنا سعيدة لأني وحيدة.. تعلقت بالمستحيل بما فيه الكفاية”. لم أشأ أن اتورط في النزيف. كنتُ اخشى الحديث مع الفتيات. كنتُ اشعر أنهن كائنات غريبة لا يمكن التبصر بحقيقتهن. هن منّا ولكنهن مخيفات. ومضى الحديث على المنوال حتى تعرفت على فايز. كان ناقماً عليهن. كان يردد كل العبارات التي تثير اشمئزازي وتهرب بي بعيدا في الخيالات. لكني أحب أمي وهي ليست غريبة.” بس همَّ البنات ذولا.. حريم أول غير.. لهم ريحة غييير”. فايز المحارب الذي فاز في عراكه القاسي مع عبدالرحمن في القرية. عبدالرحمن يربينا صغاراً على القرآن والحديث الجميل والآداب داخل المسجد، وفايز يقلب لنا الصفحة في ليالي الخميس السامرة في الملعب، ويفسر لنا الغوامض على طريقته الفاسقة المتذمرة. أين كنا؟ وأين نحن الآن؟. 
- “ ولكني سأكون معك”.
-” أنت حر، ولكن داخلي.. داخلي مملوءٌ بالفراغ !”.
ما الفراغ. أليس الفراغ يملء الفراغ. أليس شيئاً. “ اخرج من هذه القرية الظالمُ أهلها.. اخرج وأنت فتى ولا زال في عقلك فسحة.. ستعرف أن هناك حدوداً غير هذا الجبل التي تشرق منه الصفراء”. الشامة السواد في وجه فايز الابهق كانت اشارة دفينة توحي لي بخبثه، وأن الشامة لا تخرج إلا للخبثاء والعصاة. الحمد لله. تصافحت الأنهار في مخي. زال الهذيان هذه الليلة. اشعر بتحسن جيد وانسياب فيما اكتبه.كأني اعيه. استطيع أن اسرد بعض ما حدث. ليس مهم ولكنه حدث. تلك الليلة الأولى.. وتلك السكرة التي تذهب وتعود. وجهك.. الصفاء والعطر اللذان كانا يصاحبانك وأنتِ تلجي وتخرجي.. الكوب الخشبي الأسود الذي شربنا منه معاً. مقدمات الإثم.. إنه إثم.. وأنا رجل افحلتُ اثماً بك. وهكذا كل حين، وحين تكوني طاهرة و”مزاجك عالي”، احملُ حذائي في ابطي واسرق الخطوات، وحين ارى وجهك يتقلص توتره ويكاد ترتخي أعلام التشجيع فيه حتى اكمل بقية سيري وألتقط أنفاسي من مثار الشهوة في جِيدك وارتعاشة صدرك. “اسرِ أيها الساري.. ما لك وللوحوش”. ودْعني فايز وعاد يُفسد فتيان القرية. “ لم جئت ؟” .”لأني لم انساكِ”. هاهو الكتاب.. كنتُ ابكي. لا ادري كيف يبدو وجهي وأنا اتشنج من البكاء. ولكني كنتُ ابكي بكاءً تتنفس معه روحي. اُقبل الثرى.. ارجو الله ألا يُدخلني النار. “ يُرسل عليكما شواظٌ من نارٍ ونحاسٌ فلا تنتصران”. “ تلك التي لم يضحك ميكائيل لوجودها منذ خُلقت.. تلك النار. هذه النار التي في الدنيا تستجير من النار التي هناك. يا ربي.. ادخلني في رضوانك. ما لي من دونك حيلة. وليس إلى غيرك مفر. انظر إليّ نظرة واحدة فاغفر لي يا كريم ورضاك هو الجنة.. ابكي قليلاً.. واقرأ “ الباب الرابع: في أن البكاء من خشية النار ينجي منها وأن التعوذ بالله من النار يوجب الإعاذة منها”. بكيت كثيرا يا عبدالرحمن. ولكني في حضن صالحة كنتُ اغني معها أغاني أبو نورة وأبو وديع وأنا امتصُ لسانها. “ عينان لا تمسهما النار: عينٌ بكت في جوف الليل من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله”. انتظار يخنق الحواس.. تداعب انفي رائحة دخان فاترة. الليل يسكن الموجودات.. ويحضن الأرواح الهائمة.. ويستر العشاق. أين أنتِ؟.. الليل ينتهي فور احتضانك.
-” لا تمشي وحيدة.. يؤلمني هذا كثيرا”
- “ ولكني لا استحق كل هذا التهميش.. منك أنت بالذات.. لا ادري. حسناً.. كيف هي الباحة؟”
-” الباحة الليلة جميلة”
-” ههه منافق”
-” قبْلتُ رأس اللاب توب ثلاث مرات”
-” أخبار غرفتك.. ؟”
- “ تركتها وهي مزدحمة بالغبار.. ودعت قطتي وصغارها”
- “ وذكراياتنا”
-” كل شيء احمله في صدري يا صلوحه”
-...
-...
- “ لنمارس الصمت”
-...
-...” أنا متلخطبه.. لا تغريني بكلامك هذا.. أنا فعلاً شبه نسيتك تماما”.
- “ شبه وتماما.. وش كمان؟”
-” اسمح لي .. جاء موعد خروجي”
-” طيب.. كنزعة الروح..اخرجي”
ماذا تبقى من الحداء أيها الراعي. ضاعت الغنم.








5

أنا أنا ولكني ما عدتُ امتلكك. اخشى أنه لم تعد لي حروف تجول ببابك.. ولا أغنيات. يُكشف لي الطريق، رأيت فيه أرضٌ جرداء. الهارب تجتاحه التهاويل والأساطير التي تحكيها نساء القرية، ونساء القرية كذابات محترفات له. امعنتُ في المسير.. الأرض تميد بي. شلل في مخامصي. طائرٌ عملاق مستقر فوق شجرة السدر الكبيرة تلك.. يرقبني.. يتشاور مع الجن كيف يصطادني. قال لي فايز “ امش على الزُبر ..خلك من بطن البلاد والمزارع.. الكلاب ترصدك وتنبهك.. الذيابة تبطشبك بغتة في البطون”. قلبي ينغزه خوف، ولكن رغبتي تطوّح به. “ إذا تجردتِ مني.. كيف سأتجرد منك؟!” اجبني.. لماذا خرجت من القرية يا قلبي؟!. وهذا الليل لا ينتهي. كيف سأنجو من هذا الحفرة. اقترفت الخذلان.. ابحرتُ بعيداً عن الطهارة.. إني افتقد الوضوء.. الماء الذي يتساقط في جلال. همهمة التسابيح بعد الصلاة.. والخشوع. وخفتَ نداء النذير بداخلي.. كم ابغض البشر.. ليتي كنتُ نبتة في حلق كهف.. أو حصى في يد حاج. يتفجر السحاب في السماء.. يتوالد. تثور بي نفسي.. تأكلني الوساوس.. اشقى واشقى. أول مرة شربت فيها المُسكر كنت متردداً.. كأني سأخوض المحيط وحدي.. لكن جرأتكِ وأنتِ تدلقيه وتبتسمي اغراني بالتجربة.. يا صالحة.. يا عدوة الحياة والزهور التي تتنسم نسيم الفجر في فناءك الصغير. ها هي تكتب.. استمع أيها الشاكي نادب الحظ والدنيا : 
- “ وقلبي ملّ من النداء من الرجاء من الصبر
انتهى كل شيء
ولم يعد لك مكانا بي
صدقني أرجوك
اذهب عني دون إلتفات وانسى “
- “ صالحة ..”
- “ اسمي يخرج كقطعة ثلج من بين شفتيك
لا شيء فيه من اثارة الماضي
خسرتني “
- “ هسيلبشتيبلريرلبشيامؤبىشسيؤبش ي “
- “ هذا كل شيء.. ابتعد عني “
- “ سأستعيدك “
- “ الموتى لا يعودون “
حُرقة تقبض قلبي. وقعدت انشج. فقدتُ نفسي، لم يعد يهمني استعادة صالحة. ولكنه الضياع استشرت نيرانه. وتراكبت في رأسي الصور. “ اااااااااااااع.. اششششش..لالالالالالا” .عبدالرحمن يبتسم لوجهي.. صالحة تشهق من الشهوة.. أصدقاء الملعب يختصمون.. ظِلال الأحراج خلف الصنادق يثير باغتصاب صامت .. نساء القرية يتزاورن.. طفلة تغتسل عريانة.. جدتي تحكي عن الغول.. مراجم المزارع معلقة على الألواح.. الرجل الذي جُلد لأنه اذنب.. والكلاب تعوي.. الكلاب تعوي. صدقت يا فايز الكلاب تعوي.. تعوي.. تعوي في رأسي.. متى ينتهي الليل.. الحكمة في القرآن . عليّ أن اعود إلى كلام ربي.. سيهديني إلى الطريق. “ الصمت يداويكِ “ .” وأكثر مما تتخيل”. قلتُ لها : “ اسهري معي”. “ لا.. اسهر مع الجبل”. سأترك هذه المدينة الباردة للشرطة والثعابين.. سأعود لعبدالرحمن. سأعود إلى ربي..” وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات”. اشعر برحمته تتنزل عليّ. كيف اكفر عن آثامي؟!. “ لا زال اللاشيء من مقتنياتكِ”. “ نعم”. لن اشتاق إليكِ أبداً.. وسأعود إلى القرية واخلصها من فايز ومن يشبهه.. إنهم حزب الشيطان.. لن اتزوج بالمرة. لتكن حياتي في صومعتي. وسأعيد الابتسامة لوجه عبدالرحمن مرة أخرى. اللهم استجب.. اللهم آمين. " يُدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً".





6

بسم الله الرحمن الرحيم. توقفت بي المركبة في محطة ناوان الثانية كانت الساعة تشير إلى الثانية والنصف صباحاً. لا أحد ينتظر. الصمت والسكون يعم الموقف. كانت أفكاري شاردة، ويسري فيّ تيار من التوتر يتكرر دون توقف، حتى أنه صدّ السائق من معاودة الحديث معي. أريد أن اتطهر.. لم أنم لأكثر من يوم. لكني لا اشعر إلا بخدر يسير في قدمي اليسرى. كانت صورة صالحة وهي تضحك تفتك بروحي، والوجه الاصفر يتعاظم بابتسامته المستفزة.. إنه تمثيل منحوتٌ منها. ترتد لطائف نفسي إلى ما يُشبه الانتحاب .اتملق طيور الصبر العاثرة في صدري، اقبض على يديّ، لينز منها العرق البارد. وكأنه الليل سيبقى سرمداً. امسح على وجهي وصدري وصالحة تضحك. غادرني البرد.. ومررت على شوارع المدينة كأني حُلم طيّاف. هاأنا والإثم والشيطان ونفسي في زاوية معتمة نتحاور.. يتمدُ الحوار.. وحين حلّ هاتفٌ ليلة البارحة هلك الحوار بغتة. قال لي طه البارحة : “ عندك علم ؟” . “ علم ايش ؟”. “ شيخك عبدالرحمن اصطاده البرق في برحة المسجد ومات على تكوته !”. اصابتني السكتة. إنها اشارة ربانية. كم سأعيش يا صالحة؟!.. وكم سأسكنُ بعد هذه الحياة يا صالحة؟! لم يعد حضنك يعني سوى درب الضياع المستديم.. ولم يعد لمذاق خمرتك سوى حشرجة باكية في حلقي.. قلتُ لها في وقت متأخر من ليلة البارحة :” لمَ لم تحذفيني من قائمتك إن كنتِ لا تريديني ؟.. لستِ صادقة.. تحبينُ لعبة الهجر والحب أكثر من كل شيء ؟؟”. لم تُجب عليّ.. ولم أكن انتظر جواباً. سألتقي فايز بوجهٍ صلب.. وسأصم أذنيَّ عن سخريته. وسأخلف عبدالرحمن في زاوية المسجد.. سأُحييه.. عبدالرحمن لم يمتُ.. سيبقى حياً في حجرات قلبي..وفي روحي. موتك يا عبدالرحمن أعظم الوعظ.. واصدق القصص إلى نفسي. سأكون كالجريح يعالج نفسه.. ولكني سأتطهر.. وسأغرق في التطهر.. ثم سأحلّق.. وسأسجد ساعة الضحى وساعات الليل لربي.. وستكون صالحة ذكرى تليدة.. لا لن تكون حتى ذكرى.. شيءٌ غابرٌ من الحكايا.. شيءٌ مبتعدٌ كأني لا اعرفه.. مغرقٌ في الابتعاد.. كالنجوم الهاربة باتجاه ظلمة الكون.. ولن يكون رحيلي الأبدي هذا انتقاماً.. بل ندماً أكثر. ها هي مشارفُ القرية.. هاهو النور.. الحياة والطل.. " الضحى من نور من؟ والندى من فيض من؟، سبحت لله في العش الطيور، تُرسل الأنغام عطراً في الزهور.."



ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
# من أدب الهَذي 


abuiyad