زينب : رائعة هيكل









ما هو الأدب، وما هي اللغة، إلم تأخذ بنفسي هياما، وتسرح بي في ملكوت الله، حيث اتأمل واتفكر. صنعة الأدب ما هي إلم تخلق أدباً في نفس متعاطيه فيشمخ في ذاته ويحيط دراية بمبادئه التي تُسيّر حياته. وهذا ما أخذ بعقلي ونفسي وأنا أقرأ هذا العمل العظيم. فعلمت أن للأدب وللرواية هدفاً عظيماً في نفوسنا، وحين يُجيد الكاتب الأديب هذه الصنعة فهو في مكانة أمّة مجتمعة، أما حين تندثر حقيقة الأدب وأهدافه بمعامل وأمزجة كتّاب أخذوا من الأدب القشور، وزهدوا في الإحسان للقارئ المتعطش لتهذيب وتأديب والشموخ بنفسه إلى ما يجدوا من لذة الظهور والشهرة، حينها قل على الأدب السلام.  

"زينب" هي أول رواية عربية مستوفية كافة شروط العمل الروائي. إنها باكورة هذا الغيث الذي نشهده اليوم. ولأنها التجربة الأولى التي خلقت بعداً واضحاً ورسمت إطارا لمسير ومقومات الرواية، فإن ارشيف الرواية العربية يدين فنياً لهذا العمل، وهو ينحو تجاه "زينب" مهما تباينت الشخبطات داخل هذا الإطار، إذا لم يكن كله فالآكد أفضله وأعظمه، ولازال من الصعب الخروج من هذا الإطار. "زينب" - مناظر وأخلاق ريفية- اُضيفت هذه العبارة تلطفاً واحترماً للقارئ، فإسم الفتاة لا يكفي لمعرفة عما تدور حوله الرواية، وهذا ما تحرر الرواية العربية بعد ذلك منه، فبات الاسم الغريب لا يدل على مكنون العمل، وعلينا أن نصرف المال والوقت حتى نعرف عما يدور حوله العمل. هذا الإحسان الذي سنّه الأديب محمد حسين هيكل وجد عصياناً من الأدباء بعد ذلك إلا نادراً. كُتب هذا العمل في مطلع القرن العشرون، ونُشر في 1914م تحت اسم "مصري فلاح" حفاظا على لفظة المحامي التي يُعرف بها وهو يمتهن مهنتها الكاتب، وهذا الرجل الذي درس المحاماة والقانون في باريس، ترك المحاماة فيما بعد واشتغل بالكتابة. هذه الطبيعة لا يمكن التغلب عليها، وخاصة إذا وافقت قيما ومبادئ عظيمة يبذل فيها الأديب نفسه. 

في الريف المصري وبين الغيطان ومزارع القطن وحياة الفلاحة التي يشتغل بها جميع أهالي الريف كانت تدور أحداث هذه الحكاية. ورغم أن اللغة ليست لغة بسيطة بمنظور قارئ اليوم، وربما يجد القارئ من الكلفة في القراءة لأنه اعتاد المُسطح من الكلام، الذي لا يخلق المعاني، ويُجسدها فكأنك تراها وتتلمسها لتشعر بها، رغم تلك اللغة إلا أني وجدتني انسل من هذا الكون الذي اعيشه، لأجدني في طرقات هذا الريف وفي صدور أهاليه وشخصيات الرواية وبين المزارع وعند التِرع، اتأمل الليل كيف يقضي على النهار، وكيف النهار ينفض الليل. وصفَ هيكل في هذا العمل دخول الليل والنهار كثيراً، وكل مرة وجدت أنه يكرر عليّ تأمل هذه المعجزة اليومية التي اعتدها فكأنها لا تعنيني، ثم وكأن هاتف يهتف بي أن موتى القرون ما عادوا يشهدون معجزة انتشار خيوط الفجر وانشطار الظلمة . هذه القصة ليست قصة زينب وحدها، إنها قصة الريف، أيام الشتاء وليالي الصيف، قصة الأفئدة والأنفس التي عُجنت من الطبيعة والسكون وباتت لا تتآلف بغيرها. قصة الحب الذي يهرب من نفس إلى أخرى، يهرب من زينب إلى إبراهيم إلى حامد إلى عزيزة، قصة العدوان على خوافي الشعور، هؤلاء الآباء الذين يظلمون بنياتهم بالزواج من شباب لا تتطلع أعينهم صباحاً لأن يروه وهن في طريقهن لملي جرات الماء. هذه هي القصة. وقد أجاد هيكل في نسجها وإبداعها. كأن أيام السنة في الريف متشابهة ولكن كل يوم تجربة جديدة، إنه يخبأ مفاجأت دائمة، فهذه الأعين والأرواح تفتش عن شبيهاتها، وتُرسل أحلامها ورغباتها بمرسال العين، النظرات والأحاديث التي تقول كل شيء، وتتلقى الردود والاجابات. وهذا الريف الذي لا زال يحفظ دين السلام، دين الإسلام، يرعى بعين راصدة شبهات الغزل، ويضع من العادات ما يحفظ شرف الدين وبقاءه فعالاً، ولذا فعلى المحبين أن تكون لقاءاتهم سريعة وخاطفة، وعليهم أن يحرصوا أعينهم من زلاتها فتفضحهم لتثور العداوت. ولكن الريف ظالمٌ أيضا، فمهما سرق المحبين من اللحظات قبلات وأحضان مرتعشة عجِلة تصرخ ببراءة عما تكنّه الأنفس فإن الأمل والحلم من المحرمات، الأمل بالسعادة التي تأتي باللقاء الدائم والرباط المقدس قد تكون مُهلك وخطير، وهذا عناء زنيب حتى نهاية القصة. 

يصح في نظري أن نسمي العمل أيضاً بـ " حامد"، إذا اعتبرنا أن العمل يُسمى بالشخصية الأعظم فعالية وتأثيراً وإثارة، ولكنه تلطُفْ أدبي وفني من الكاتب أن يزاوج بين جمالية الحياة في الريف وبين شخصية زينب النسائية العاطفية. يصح أن نسمي العمل بـ "حامد"، فقد شغلتْ أفكاره ومشكلاته وحياته الليلية والنهارية وبحثه عن الحب مرة عند زينب ومرة عند عزيزة ومرة في النساء الرائحات في سُبل الريف حتى ظهر الحب عنده في شكل العبث وكأنه نتيجة نفسية ومهرب لحيرته وضياعه بين البلدة أو المدينة التي يدرس بها وبين الريف، أخذ حامد جزءاً كبيراً من العمل. ولأن جزء النهاية واهتمامه بزينب وتردي حالتها الصحية تبعاً لما كان يشغلها من تعلقها بإبراهيم وكرهها لزوجها حسن، واصابتها بالسل بعد سفر إبراهيم إلى السودان للمساعدة في الحرب وقد اختاره نظام الانجليز وكان يحكم مصر تلك الفترة، لأن هذا الجزء الأخير كان يحكي زينب إلا أنه كان يحكي بُعداً أخر حيث يختفي حامد من القصة وكأنه بَعد معاناته استحق الطرد من القصة ليرافقها كالظل المتألم الذي يراقب هذه الحياة التي لم توافقه ولم تطيع رغبته. لقد توقفتُ أكرر هذا المقطع مرات، وقد كوّن هيكل خميرة ثرية من التصاوير والمعاني في رأسي تجعلني أتلذذ بالذروة الفنية التي تصل إليها بعض المقاطع، كررت هذا المقطع وقرأته حتى تنزلت عليّ نسائم الاطمئنان والسلام، صفحة 189 " ويل لك يا حامد!.. أي قضاء رمى بك تلك الرمية العمياء؟ وَما كان خيراً لك إن بقيت سعيداً بحياتك الهادئة الأولى ؟! وموت في الصغر وموت في الكبر متساويان.. حقاً.. خير لي لو بقيت في صومعتي ويقدر الوجود أني لم أولد.". الحرمان شعورٌ يسحق الانسان، وما يُصيب الانسان بعد أن يرتجي الحياة أن تلبي له رغائبه ولا تستجيب فإنه يُغادر إلى داخله يتجرع كل حين ما لم يحققه، والأسف هو حيرة وعزلة وندم وليل طويل بلا مؤنس، هكذا كان التشابه بين زينب وحامد. إبراهيم الذي هو حُب زينب كان وجوده أقل من ذلك ولكنه مثّل الصورة الحالمة اليائسة التي تشبت بها زينب، وهي بعد الزواج من حسن بين معالجتها لشؤون زوجها وما يقدمه لها من حب ترفضه وبين نفسها التي تدفعها للعودة إلى أحضان إبراهيم. هذا التشابك أعجبني على الرغم من كلاسيكيته، إلا أنه حقيقي وخاصة في تلك البيئة المفتوحة على بعضها، حيث الأنداد يتحاربون.

المشكلة أو الفكرة التي تعالجها الرواية، هي القيم والمبادئ ومدى سلامتها في بيئة الريف. حيث يصبح الشرف والأخلاق الجميلة الأخرى قابلة للانحلال والتحور والتلبس بغيرها. وحيث أني فهمت أن بدايات واشارات الحب مقبولة بشكل لارسمي في مجتمع الريف ،ولذا نظام هذا المجتمع الاجتماعي لا يوليها اعتراف ورعاية تنظم عملية القِران لتكن طبيعية وصحيحة وكما يريدها المحبين، وهذا يُحدث نوع من التناقض. الشرف القضية الأهم.. إنه المشكلة، فهو قيمة دينية أخلاقية تتعرض في مجتمع الريف لإغراء بهتكها وتجاوزها في الخفاء، حيث يستطيع الانسان أن يستعمل الكثير من مهاراته ليموّه على مجتمعه، ويظهر بمظهر الشريف وهو يمارس خياناته سراً. ومجتمع الريف أو القرية على الرغم أنه يُعيد اكتشاف أفراده ولا يمكن الاستمرار في لعبة التخفي حتى تُكشف من قبل البعض إلا أنها ثُلمٌ عظيم إذا وُجد حيث يقضي على بنية مجتمع الريف ومجتمع القرية وهي الأسرة وتماسكها. كانت زينب ترغب بإبراهيم كثيراً حتى بعد زواجها، وبات هاجسها الأوحد، إلا أني انظر للمشكلة والفكرة هنا أنه ليست قضية انتهاك للشرف، فالقلب له سلطة لا يمكن بها للمحب أن يختار حبيبه - إلا في عصرنا هذا !، فالقلب له بوصلة غريبة خاصة به تميل به حيث يتقلب،- ولكنه اصطبار وحفظ للشرف ومراعاة للقيم وتقديم مصلحة الأسرة على بكاء القلب ونحيبه،  إن ما حدث من حل للمشكلة في هذه القصة هو أن إيراد الحل بصورة ناضجة لا تشوّه العمل، حيث طرح هيكل العفاف على الرغم من جوى المحب وعذاباته وقاءً من الوقوع في التمرد على قيم الدين والأخلاق التي يقدسها أهالي الريف كثيراً.

رَحمَ الله محمد حسين هيكل، وأحسن إليه فقد أحسن إلى الأدب أن بدأ مسيرة فن عظيم من الأدب بهذه اللغة وهذا السرد المُشبع بالصورة والمعنى، فجاء من بعده من سار سيره، فقرأنا " دعاء الكروان" لـطه حسين وقرأنا " عصفور من الشرق لـ" توفيق الحكيم".. وقرأنا العقاد ونجيب والكثير من أدباء اللغة العظيمة، التي باتت عويصة اليوم على من يقرأ لهؤلاء، بل وباتت قرائتهم تثير على الملل وفقد الصبر والهرب. 

________________________

زينب، مناظر وأخلاق ريفية.
الدكتور محمد حسين هيكل.
عدد الصفحات : 311
نسخة الكترونية. 




abuiyad