مع كتاب ( تكوين العقل العربي )











     المفكر الدكتور محمد عابد الجابري - الله يرحمه ويغفر له ويحسن إليه -




قدم المفكر محمد عابد الجابري من خلال هذا الكتاب وسلسلة نقد العقل العربي مدخل مهم لإعادة قراءة العقل العربي. والعقل العربي هنا هو العقل المُكوِّن  للثقافة العربية لا العقل المُكوَّن في صفة المبادئ والقواعد للنظام المعرفي في الثقافة العربية، ولكنه العقل " الأداة" التي أدت إلى بناء هذه الثقافة العربية، العقل يترجمه ما نصه : " ان ترجمة كلمة "عقل" بعبارة " الفكر بوصفه أداة للتفكير". هذا المشروع العظيم والخطير هو يتلمس جزء حساس جداً حيث نعود لنقرأ تأريخ تكوّن هذا العقل والأسباب والظروف الثقافية والتأثيرات الخارجية التي ساهمت في تكوين هذا العقل. إننا بهذه الطريقة نعتلي درجة أظهر وأسرع في النظر إلى حضارتنا وحقيقة تقدمها وحقيقة تأخرها، وهذا ما سعى هذا البحث في نهايته إلى الخلوص إليه وبيانه، حين توقف العقل العربي أخيراً عن الحركة وأخذ في عملية اجترار ذاته، وأصبح عاجزاً عن التقدم. إن تكوّن الثقافة العربية كان متعلقاً بمدى اتجاه الصراع بين العقل العربي كأداة " الايبيستيمولوجي" وبين الثقافة العربية في شكلها الفكري التأسيسي"الايديولوجي"، ولأن هناك مشكلة في قياس الزمن الثقافي حيث تعتمد الحركة الثقافية على حوار زمني متداخل لا يستجيب لضوابط قياس الزمن الاعتيادية فهذا يولد لدينا شكوك بمُسببات تكوّن أجزاء هذا العقل وهذا يدفعنا من جديد للتحليل والنظر والتدقيق ومحاولة الفصل في تداخل الزمن الثقافي في بنية العقل العربي ومعرفة مدى تأثير جزء على آخر حيث يمكن أن نرصد حقيقة ظهور او اختفاء/ تجدد/ موت/ تأسس/انحراف قواعد ومبادئ ومذاهب وشرائع في بنية العقل العربي، وبذلك نستطيع أن نجتزأ من الصورة الكاملة ونقوم بالنظر الدقيق لكل جزء حيث يمكننا أن نخلخل حتى الأفكار البسيطة داخل المعتقدات والمذاهب ونربطها بنشأتها وحقيقة تكونها، وحينها يملك العقل العربي نفسه ليكن قادرا على الحكم والتمييز والتصفية. هذا  العمل العظيم وهو علامة بارزة في تحرر العقل العربي وحركة الثقافة العربية، بل اعتبره أنه حركة للأمام باتجاه فك جمود العقل العربي وصمته الطويل. 


ايضاح لمشكلة التداخل الزمني الثقافي: 

ص 46 " - التاريخ الثقافي العربي كما نقرأه اليوم في الكتب والمدارس والجامعات هو تاريخ "فِرَق" وتاريخ " طبقات" ....الخ. أنه تاريخ مجزأ، تاريخ الاختلاف في الرأي وليس تاريخ بناء الرأي. "
ص 47 " والتاريخ الثقافي العربي كما هو سائد اليوم هو تاريخ علوم وفنون من المعرفة منفصلة بعضها عن بعض: فتاريخ المذاهب الفقهية -ان وجد- معزول تماماً عن تاريخ المذاهب النحوية، وهما منفصلان، كلا على حدة عن تاريخ المذاهب الكلامية والفلسفية...الخ"

وهذه المشكلة حتمية بسبب طبيعة التكوين. حيث لا زال العقل العربي يعيش في الأزمان الثقافية الماضية، فيستحضر كل النظم المعرفية من العصور المختلفة ويسير على خطاها، بل هي ما يكوّن ويأسس له طرق ومذاهب التفكير. وهذه الظاهرة أسماها الجابري بـ " ظاهرة الاجترار الثقافي". فقد بات إشكالاً على العقل العربي أن يتغلب على موروث العصر الجاهلي من الأدب بل إنه يعيشه كجزء من ثقافة الحاضر، وهنا يعيش المثقف في زمنين ثقافين في عصر واحد، ويمكن القول بأن المثقف يعيش عصراً ثقافياً واحداً بسبب هذا التداخل والبناء الثقافي منذ العصر الجاهلي وحتى اليوم. وحين نقرأ هذا الكتاب نجد ذلك التحليل والتفكيك ثم التفسير الذي يفصل هذا التداخل، فمثلا في الفصل السادس حينما يقرر الكاتب قراءة ابو الحسن الأشعري من خلال الشافعي والعكس، مع أن الأشعري متأخر عن الشافعي بمئة عام، ولكن التداخل الغريب بين منهج الأشعري العقدي وكأنه مُوجه داخليا بالقواعد المنهجة التي قررها الشافعي، وكذلك العكس " القواعد العقدية التي قررها الأشعري هي نفسها التي وجهت - ومن الداخل كذلك- القواعد المنهجية التي قررها الشافعي"، مثل هذا القضايا كانت بحاجة لنظر واستقصاء وتحليل حتى نعلم في أي اتجاه رُسمت وبأي التأثيرات كانت ثم بهذا التفكيك نفهم بنية العقل العربي.



عصر التدوين وسيادة الاعرابي :

أُطلق لفظ " جاهلي" على العصر الجاهلي ليس لأنه كان ضداً للمعرفة والعلم، ولكن ليُميز المرحلة الإسلامية التي بُعث بها النبي الكريم عما قبلها من فوضى في الدين وقيام عادات منافية للإنسانية وللديانات السماوية. فهذا مركوز في العقل العربي، حيث يُنظر إلى العصر الجاهلي بهذه الكيفية، وهناك نظرة أخرى ترى في العصر الجاهلي زمن المعلقات والشعراء والأدب وعلم الكلام والأسواق الثقافية، وليس أدل على ذلك من مقدار المكانة الأدبية والحس الثقافي الذي واجه به القرآن عقل ذاك الإنسان ليبهره ويعجزه إلا أن يكون في درجة قريبة من فهمه وتذوقه كما يجب، كما يشير الجابري لذلك. إذاً، لدينا نظرتين للعصر الجاهلي، الأولى نُفيت ثقافيا في عصر صدر الإسلام وبات يُنظر إلى ما قبل الإسلام أنه ظلام وجهل، وأخرى لم تنس الإرث الثقافي، وهذه الأخيرة عاد إحياءها وتجديدها فيما بعد بما يناسب "الحاضر الإسلامي"، وبهذا التراضي عن العصر الجاهلي تمت إستعادته من الذاكرة وحدها وتدوينه بوصفه خاضع لوعي عقل ما بعد البعثة المحمدية لا وعي ما قبل البعثة، وهنا يرى الجابري أن في هذه العملية التي اُستعيد بها موروث الثقافية مبنياً على العقل الإسلامي قد بدأ العقل العربي في شكله المكوِّن " الايبيستيمولوجي" في بناية أداته. لقد بدأ عصر تدوين الإسلام وعلومه سنة 143هـ، فأخذ العلماء في كافة الأمصار في تدوين العلوم وتبيويبها بعدما كانت تنتقل بالمشافهة والتدريس، فدونت علوم الشريعة وكذلك اللغة والتأريخ. وهنا نخلص إلى أن هذه العلوم لم تُدون في عصرها بل رُحلت إلى هذا العصر حيث أخذ العلماء بالنظر في جمع كل علم على حدة وتصنيفه وترتيبه، وهذه خطوة هامة حيث أخذ العقل العربي يؤسس للعلوم ويُخضعها للمراجع. وفي هذه المرحلة تبادل السنة والشيعة في عملية تدوين وتبويب علومهم وفقاً لوجهة نظر كل واحد منهم، وتبادلا السكوت عن الأخر وعن إطاره الفكري، بل يرى الجابري أن هذا السكوت كان من " الشروط الموضوعية" لصحة كلٌ من هذين العلمين، فأخذ كلٌ يؤسس لعلميته ورؤيته في خط خاص به، حيث العلم السني يمثل شريعة الحُكم والدولة بينما العلم الشيعي يمثل فرقه على مستوى المعارضة الشعبية في محدوديتها.

في مرحلة التدوين تلك والتي أخذت في الازدهار مع تنامي الجمع والتبويب، كان الأعرابي ساكن الصحراء ذا الطبيعة الخشنة له الاعتبار في تدوين جزء كبير من هذا التراث. فاللغة التي هي سبب من أهم أسباب تطور الفكر بما تقدمه من مفردات ثرية تغير وتيرة التفكير، كان شرط تدوينها هو العودة والاعتماد على مفردات الاعرابي الغريبة والمعقدة ذات الطابع الخشن المطبوعة بمسكنه وحياته الصعبة. وهذا التنصيب للغة الاعرابي كأساس للغة العرب جاء لحفظ اللغة العربية بجمعها وتقعيدها خوفاً عليها "من الانحلال والذوبان بسبب تفشي اللحن"، ولكن هذا التقعيد اتخذ في طرقه مناهجاً كانت اقرب إلى الحد من تطور اللغة ووضع نهاية لها، إن هذا التقعيد جمّد اللغة في ثوب واحد يَصعب الخلوص منه، ويضرب الجابري بالقواميس مثالاً، ص 79 " ان قاموس " لسان العرب" وهو اضخم واغنى قاموس في اللغة العربية، لا ينقل الينا، على ضخامة حجمه، اسماء الأشياء الطبيعية والصناعية ولا المفاهيم النظرية وانواع المصطلحات التي عرفها عصره، القرن السابع والثامن للهجرة، وفي القاهرة احد المراكز الحضارية الرئيسية في التاريخ الإسلامي". فنحن نعود حقيقة إلى ألفاظ الأعرابي ساكن البادية ومفرداته الغريبة، وعلى الرغم من تحرر اللغة في شكل لهجات عامية خلقتها الضرورة الحياتية ووفرت وفرةً وثراءً للانسان العاميّ، الا أن هذا ساهم أيضاً في نهائية اللغة وبقاءها في قالب من الاستخدام المنفرد، وباتت اللغة تتقسم إلى عدة لغات من حيث الاستخدام وهذا نتيجة طبيعية لجمود اللغة وقواعدها، ص 80 " ان المثقف العربي سواء كان طالباً او استاذاً يعيش في عالمين كلاهما قاصر: عالم لغته العامية وعالم اللغة الفصحى. أما الأُمي العربي- وهو الذي يشكل الأغلبية- فهو مَسجون في عاميته يتعامل مع أشياء لا يُسَميِّها".  يقابل هذه السيئة بنظر الجابري أن هذا التقعيد حفظ للغة العربية طبيعتها وسليقتها وجعلها " لغة علمية مضبوطة مقننة"، وحينما أعاد الجابري قراءة تركيبة بناء القاموس مثلاً عند الخليل بن أحمد الفراهيدي، وكيف أن الخليل انطلق من منطلق رياضي صِرف للتعامل مع لغة تعتمد على طبيعة وسليقة خاصة بها، فقام بحصر الكلمات التي تتكون من حرفين إلى خمسة أحرف ثم اعتبر ما زاد عن ذلك من المشتقات ثم نظر في مالا يُستخدم من الكلمات " الغريبة جداً" واستثناها من القاموس، يصف الجابري طريقته الخليل، ص 81 " انه مبدأ لا يمكن ان يعتمده- ولو منقولاً- إلا عقل رياضي فذ، عقل لا يتناقض قط مع الحاسة الموسيقية المرهفة التي مكنت الخليل من استنباط اوزان الشعر ( من تحليل القصائد وتقطيع الأبيات ) وبالتالي تأسيس علم العروض. كيف يتناقض الحدس الرياضي مع الحاسة الموسيقية وقد كانت الموسيقى يومئذ فرعاً من الرياضيات ؟ ".




ارساء التشريع الفقهي :


الفقه يعتبر نتاج عربي إسلامي خالص، ويُنظر إليه كحضارة انتجها هذا العقل العربي كما انتج العقل اليوياني حضارة الفلسفة، والجابري في هذا الفصل ينفي استقاء الفقه لجذور سابقة له كما توصر ذلك بعضاً من المستشرقين الذين حاولوا ايجاد جذور للفقه. في مقدمة هذا الفصل ميّز الكاتب زمنياً بين " الفقه العملي" و " الفقه النظري"، فقصد أن الفقه العملي المعايشة الشرعية للحالات والقضايا الواقعة حيث يسأل أصحابها الفقهاء ليجدوا الجواب وهي مرحلة ما قبل التدوين، أما الفقه النظري فقد بدأ في مرحلة التدوين التي حُشدت فيها العقول لحصر العلوم وتقييدها، حيث حلّ الفقه في شكل مسائل وقضايا مفترضة، يفترضها الفقهاء ليرسوا قواعد أصيلة ثابتة دائمة. وكان الفقه يحظى باعتلاء تكويني تتلاشى عند تقعيده مذاهب مُقيديه، ولا تدخله اختلافاتهم العقدية ص 97 " فان الخلافات المذهبية داخل الفقه لم تكن تخضع دوماً للخلافات الكلامية العقدية السياسية، بل بالعكس لقد كان المعتزلة والاشاعرة والماتريدية و" السلفيون" منتشرين داخل المذاهب الفقهية بشكل جعل تامذهب الفقهي يعلو على كل المذاهب الاخرى"، طبعا "باستثناء الشيعة الذين كان لهم فقه خاص يتوارثونه عن ائمتهم ".  يرى الجابري أن العقل الذي أصل للفقه ووضع لها القواعد حاز هيمنة تكوينية أدبية على العقل العربي في العموم، بل انه يسير وفقاً لهذه الاصول التي اُنشأت. وهنا نستطيع أن ننظر إلى الشافعي وكتابه " الرسالة" كأساس لعلم أصول الفقه، وفي هذه المرحلة بالذات كان العقل العربي يُبنى في صورة هذه القواعد وقواعد اللغة العربية، يوضح الجابري هذا بصورة افضل وماحدث من تكوين مُتحد للعقل العربي، ص 102 " كان الشافعي معاصراً في شبابه للخليل واضع علم العروض أي قانون الشعر العربي، وجامع اللغة على أساس نسقي... وكان الشافعي معاصراً  كذلك لتلميذ الخليل، سيبويه صاحب " الكتاب" الذي جمع قواعد اللغة العربية وأرسى أصولها في نسق محكم لا زال يحتفظ بصلابته إلى اليوم"، ولذا يمكن بلا شك أن نقرّ لهذه المرحلة  ببناء هيكل العقل العربي وقواعده الصامدة إلى اليوم. ورغم هذا الاتفاق البنائي إلا أن الكاتب يشير في هذا الفصل إلى وجود " أزمة أسس"، فمنذ عصر التدوين وحتى تبلورت قواعد واصول علم الفقه وعلم أصول الفقه، كان هناك صراع متجدد بين فريق يرى بالأخذ بالموروث الاسلامي والالتزام بالتواتر وفريق يرى بضرورة الرأي والاجتهاد، ويرى الجابري أن هذا الصراع ليس في صراع تيارات أو مذاهب مُحكمة بقدر ما هو صراع وجهات نظر فيضرب مثلاً ص 101 " فابو حنيفة وهو زعيم مدرسة الرأي في الشريعة، كان في العقيدة من أهل السنة ( = ضدا على المعتزلة ). أما النظَّام وهو أكثر زعماء المعتزلة عملا بالعقل في ميدان العقيدة فلقد كان ضد الرأي والقياس والاجماع في مجال الشريعة". علم الكلام والرأي كان يحتل دورا هاماً في ارساء التشريع الفقهي، ويثري الكاتب هذه النقطة في فصول متقدمة حيث يفكك ورود علم الكلام عبر نشاط ترجمة الفلسفة وموروث المانوية  الى بعض الفرق كالمعتزلة واتخاذه مبدأً. ولكنه في هذا الفصل تعرض للكلام في مسألة الكتابة عن تشريع " الخلافة"، حيث يرى بأن الشيعة قد سبقت أهل السنة إلى الكتابة عن "تشريع الخلافة"، واستعملت الرأي وتأويل الكلام لاثبات ما تراه في شكل " النص" أو " الوصية" التي اوصى بها النبي -عليه الصلاة والسلام- لاختيار الخليفة او الامام، بينما اختار أهل السنة " الأثر" = الحديث، لاثبات ما تراه من " اختيار" للخليفة، وهنا يرى الجابري مفارقة عجيبة حيث ركن كل فريق إلى أداة الاخر واستعملها في الاثبات. تكلم السنة في قضية الامامة بدءً بابن قتيبة وكتابه " الإمامة والسياسة" ثم ابو الحسن الأشعري الذي استعمل " الكلام" :" بوصفه خطابا مبنياً على أصول ومقدمات تُوضع وضعاً او تستمد من الشريعة بكيفية من الكيفيات". إذاً يمكن ان نقول ختاما أن الشافعي قد وضع قواعد "المنهج السني" مستعيناً باللغة العربية التي كانت تُقْعَد في تلك المرحلة حيث استفتح كتابه " الرسالة" بالحديث عن البيان، وهذا يعني أنه  اسهم بشكل اساسي وكبير في تكوين العقل العربي.


يحلل الكاتب في الجزء الأخير من الفصل مسألة " الاستدلال بالشاهد على الغائب" أو كما يسى اصطلاحاً "القياس"، وهنا نستطيع أن ندلف على عقلية هذا الرجل العجيبة حيث استطاع تفكيك عهد طويل من البناء والاختلاف للمذاهب واعاد قراءتها في تقارب خلّاق. والاستدلال هنا هو رد الفرع الى الأصل وهو مذهب عقلي يقوم على ذهنية آلية، فالخلاف في هذه القضية هو من اختلاف المذاهب في استعمال هذا المنطق العقلي في التشبيه. وعلى الرغم من اهتمام المعتزلة بالقياس كثيرا الا أن الجابري يرى ان الاستدلال كمنهج عقلي اُستعمل من قبل بعض الحنابلة والأشاعرة لبيان العلة وكأداة اساسية في "الكلام". يتضح من خلال التفصيل أن المذهب الأشعري مع التقدم اخذ في الاقتراب من المعتزلة وامتص هذا المنهج، بل واخذ في التقدم كثيرا حتى " افصحوا صراحة عن المبدأ الايبيستيمولوجي الذي يؤسسه، مبدأ "بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول" وقد وصل الأشاعرة بهذا التقدم لمرحلة التناقض بين المذهب والمنهج حيث انكروا السببية كمبدأ عقلي وتمسكوا بعمل العقل.





المعقول واللامعقول  :

يستمر الجابري في استرساله الجميل في بيان المكونات الرئيسة للعقل العربي، وهو بذلك إنما يبني القاعدة التي سينطلق منها الى مزيد من التفكيك والربط والبيان في العقل العربي سواءً كان التناول كأداة كما في هذا الكتاب أو كبنية /مادة نصية / موروثاً، كما في الكتاب التالي من السلسلة. ومن أهم محاورهذا البيان التأسيسي، ايضاح مشكلة المعقول واللامعقول، أو اذا أردنا الايضاح قلنا  " المعقول" الديني واللامعقول " العقلي. فالمعقول هو تلك الفترة التي يُبعث فيها الرُسل والأنبياء فتعيش تلك الأمم المعاصرة في بيان من الله يهديهم الى الحق والى "التوحيد"، وهذا هو المعقول الديني حيث الكتب التي انزلها الله وما يتبع ذلك مما يسنّه الرسل والأنبياء، وحين يموت الرسل والأنبياء تأخذ الأمم في تحريف دينها فتنحرف عن طريق المعقول الديني، وتنتقل لمرحلة من الاعتماد على الروايات الضالة مثل القول بتعدد الالهة والخرافات كالسحر والشعوذة  والمذاهب المتأثرة بالعلوم كالتجنيم والسحر فيظهر الشرك بالله في صورة اللامعقول "العقلي". ويضع الجابري مقياسا للفصل في العقل العربي بين المعقول واللامعقول ص 136 " ومن هنا كان " المعقول" في القرآن يتحدد بـ " اللامعقول"."، ولذا كان خطاب " العقل" هو دائما مُوحّد يُقصد به توحيد الله والايمان به، وكان تجدده بارسال الأنبياء والرسل في قوالب مختلفة ولكنه لهدف واحد، ص 138: " ولا تختلف طبيعة خطاب "العقل" في الماضي مع قوم إبراهيم عن طبيعة خطابه في " الحاضر" مع قوم محمد: إنه خطاب يواجه " اللاعقل" بمنطق التجربة والعقل". وكان هذا الخطاب مُنصفا وموافقا كل مرة لما يناسب الأمة التي ضلت واتخذت من " اللامعقول" العقلي منهاجاً لها. ولنلقي نظرة فاحصة وأكثر وضوحاً على طبيعة أقوام "اللامعقول" العقلي في العقل العربي، فأثناء بعثة النبي محمد -عليه الصلاة والسلام- كانت لدينا وفقا للخطاب القرآني هذه الديانات : اليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة، وكانت جميعها مُحرّفة، وكذلك الوثنية= مشركي مكة، ص 137 " على ان عودة " اللامعقول" كانت أعمق واشمل في صفوف حفدة ابراهيم شيخ الأنبياء" والتي جادلهم القرآن مراراً وكان جل خطابه اليهم، وكانت هناك طوائف اخرى استخلصت من الديانات الاخرى ديانتها ومذهبها، أو كانت محض أراء وأقوال وأهواء تبحث في كل شيء دون الاعتماد على دين ما، فهناك " المانوية" العائدة الى "ماني" والصابئة ممثلة في " البراهمة والفلاسفة" كما صنفهما الشهرستاني في كتابه " الملل والنحل"، اذاً، فهي أديان محرّفة مستوحى بعضها من بعض مع الحذف والزيادة اضافة إلى الأهواء والأقوال. هناك أيضا " الاسرائيليات" وهي تُصنف في " اللامعقول" النقلي، وسنرى لاحقا كيف حاربها العقل العربي ولكنه لم يقدر على التخلص منها وبقيت حتى يومنا هذا ذات تأثير عظيم على العقل العربي والعقل الديني العاميّ بالخصوص، ص 147 " ومن هنا ستقدم الاسرائيليات للفكر الديني العربي تاريخ ما قبل وما بعد تاريخه: تاريخ الحياة الدنيا، وتاريخ الحياة الاخرى". اذاً، نستطيع أن نلخص إلى أن " اللامعقول" العقلي كان ضمن هذه الطوائف والديانات الباقية المُحرفة والوثنيون أو عبدة الاصنام ممثلين في مشركي مكة و" الاسرائيليات". وحين يتتبع الجابري التقاطعات بين هذه الطوائف نجد " اللامعقول" يطوف بها جميعا على وجوه متعددة. وهنا نخلص الى المشكلة الطبيعية التي سيواجهها العقل العربي هي في  حضور اللامعقول "العقلي" في تركيبة أداته ما يؤدي إلى حضوره في العقل العربي كأداة وكبُنية وهذا يؤثر على سلامة الاتجاه الصحيح الذي ساهم " المعقول" الديني في نشأته أولاً. إن بداية هذا الاحتدام كان حينما جهر النبي محمد -عليه الصلاة والسلام- بتوحيد الله، "المعقول" الديني، وكانت قريش تهيم في " لامعقوها"، في عبادة الصور والتماثيل مشركيهم في عبادة الله ومتخذيهم شفعاء عند الله، فيأتي القرآن ليوجه اليهم ذات الخطاب الأول الذي وُجه الى عبدة الأصنام في زمن ابراهيم، لأنها مشكلة واحدة، ص 137 :" يرد عليهم القرآن بمنطق البيان العربي الذي يعتمد القياس والتشبيه والتمثيل، ...، : " اولو كان آبائهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون، ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، صم بكم عمي فهم لا يعقلون". ان القرآن يستخدم كثيراً من الأمثلة القديمة المشابهة ليؤسس لخطاب نهائي "للمعقول" الديني، ان آخر خطاب للمعقول الديني كان بختام بعثة آخر الأنبياء وسيد المرسلين محمد - عليه الصلاة والسلام-، لأن " اللامعقول" يتجدد كل مرة في غياب أو انحسار تطور " المعقول" ليؤسس لديانات محرّفة وأهواء، ولذا فقد كانت قريش تعتمد اللامعقول " العقلي" في ردودها، فهم يطلبون المعجزات والأحداث الخارقة، يوّجههم الحس الماروائي في بنية " اللامعقول"، وكان القرآن يرد عليهم كل مرة بأمثلة سابقة كـقصة قوم موسى - عليه السلام- حين قالوا " أرنا الله جهرة "، لأن المعجزة كانت معجزة بيان لا صور وخوارق. والكاتب يستدل بالكثير من الآيات التي جاءت لتكن صالحة وقادرة على مواجهة " اللامعقول" في كل فتراته وتطوراته حتى اليوم، لقد خاطب القرآن الجميع وبأدوات قوية ثابتة يمكن بها الصمود.


اعتمد العقل " الديني" في القرآن "الكون ونظامه والقرآن وبيانه" ليكوّنا له الاطار المرجعي والقاعدة التي ينطلق منها في صراعه مع " اللامعقول" الذي قام على عقائد شركية، وتنوع مختلط من الميتافيزيا= الماورائيات لـ " يُؤسس عبادتهم للكواكب والأصنام" ويستند كل دين له على رأي وفكرة خاصة بشأن المعبود والكون والخالق وكل هذا هو مستقاء من الموروث القديم المشوّه بما يتضمن الشرك بالله، فمثلا، الغنوص الذي تقوم عليه المانوية يمثل مرجعية خاصة به. أما في عصر التدوين وما بعده فقد تحول الصراع الى صراع تدويني فكري مؤسَس، حيث تحول من مرحلته الاولى الميدانية والعملية في عهد النبي محمد - عليه الصلاة والسلام- والصحابة الكرام بالفتوحات ودعوة الأمم الى الإسلام، الى مرحلة استقرار الدولة  وانبثاق مذاهب جديدة في العقل العربي الاسلامي وكذلك بقاء واستمرار الاديان التي يحفظ لها الدين الاسلام البقاء ويشرّع للتعاطي معها، ويُشير الكاتب الى التأثر الذي حصل في حقل العقل العربي عندما اخذ بالانطلاق في الفتوحات الاسلامية، فقد كان الفتح ليس مجرد فتح في " اتجاه واحد" بل كان فتحا لثقافات أمم وملل قديمة، وهذا ادى الى التأثير قطعا على تعاطي العقل العربي مع ثقافات هذه البلدان سواءً بالرد أو القبول أو التصحيح، وصف الجابري هذا الفتح في حقل العقل العربي بأنه توسيع لدائرته بما يعني تقليصا لسلطته أيضا، ونستطيع أن نشهد هذا تماما فيما بعد في العصور التي يتم فيها ترجمة كتب الفلسفة والمنطق في عصر خالد بن يزيد والخليفة المأمون. أما التأثر الاخر والأخطر هو تسرب الموروث القديم الى العقل العربي من خلال استقاء بعض الفرق وتأثرها بمذاهب الموروث القديم، فمثلا كفاح المعتزلة ضد المانوية جعلها تعتمد المدرسة الكلامية، والذي انطلقت منه فيما بعد في خلافات مشهورة مع الطوائف الاسلامية الاخرى، ولكن يُحفظ للمعتزلة انها ساهمت في تكوين العقل العربي في هذا المرحلة حيث طوّرت من ذاتها في صراعاتها مع المانوية، أما الدور الاخر الهام انها أحدثت " من خلال مشاداتهم الكلامية مع أهل السنة .. تطوراً مهما وأسياسيا داخل الفكر السني. فكانت الماتريدية وكانت الاشعرية"، وكان انحطاط المعتزل حينما استبعدوا المعقول العقلي = الفلسفة. أما مذاهب وديانات الموروث القديم فقد كانت حاضرة في عصر التدوين ولكنها واجهت صداً ورفضاً من قبل العلماء والدولة فعلى سبيل المثال؛ في زمن المهدي حيث كان مذهب المعتزلة هو العقل الايديولوجي للدولة، لقيت المانوية حربا شرسة فقد أمر المهدي أولاً بالرد على المتكلمين والملحدين،  ثم قتل ونكل بالمعاندين.


التأثير الاكبر في العقل العربي لم يكن من نصيب المانوية كما حدث مع المعتزلة، بل كان للصابئة والفلاسفة، وحين يبسط الكاتب تاريخ الصابئة وحقيقة ديانتهم من خلال الشهرستاني وابن النديم والبيروني فهو يمارس ما يشبه كشف حقيقتها وديانتها، فقد ذُكرت في القرآن ولم تحظى بمزيد من البيان الديني لطبيعتها. والصابئة مارست تأثيرها في العقل العربي عبر ارائها الفلسفية وتاريخها التراثي العلمي كذلك، وتعتمد الصابئة على مقولات لهرمس في التوحيد، " ويلخص البيروني رأيهم في "التوحيد" في عبارة مركزة قال فيها : " ونحن لا نعرف عنهم إلا انهم اناس يوحدون الله وينزهونه عن القبائح ويصفونه بالسلب لا بالايجاب كقولهم لا يحد ولا يرى ولا يظلم ولا يجور ويسمونه بالاسماء الحسنى مجازاً، أي ليس عندهم صفة للحقيقة وينسبون التدبير الى الفلك واجرامه ويقولون بحياتها ونطقها وسمعها وبصرها ويعظمون الأنوار". كانت الصابئة منتشرة لقرون قبل الاسلام " في كل من مصر وسورية وفلسطين والعراق... فارس وخراسان". لقد كان للهوية الفكرية للصابئية والاراء الفلسفية اعظم التأثير على العقل العربي والولوج اليه عبر بوابات مختلفة، تهتم الفصول القادمة بتشريحها. أما الفلسفة=" المعقول" العقلي، وخاصة اليونانية فنعلم جيدا أثرها الباقي الى اليوم كنظم معرفية خالصة ولكن حينما نمعن النظر في تكوين العقل العربي فأين سنجد الفلسفة؟.  ص156 "يصنف الشهرستاني فلاسفة اليونان الى ثلاثة أقسام: 1- الحكماء السبعة وهم : تاليس الملطي وأناكساغوراس وانكسيماس وانبادوقليس وفيتاغورس وسقراط وأفلاطون. 2- الحكماء الاصول... ولم يكن لهم رأي في الإلهيات... ومنهم الشعراء والنساك. 3- متأخرو حكماء اليونان وهم الذين تلوهم في الرأي وخالفوهم مثل ارسطوطاليس.. وافلوطين."، لقد كانت الفلسفة تغذي بمعقوليتها نظام المعرفة العربي كنظام عريق ناقش المُسلمات الأُول واعاد تفسيرها، وهو بثراءه وعمقه اخرج لنا فلاسفة مسلمين جادين كالفارابي والكندي وابن سينا. لقد كان لها أعظم الاثر في تكوين العقل العربي وبنيته، أما تأثيرها " في تغذية اللامعقول "العقلي" في الثقافة العربية والاسلامية" فكان عبر انبادقليس، حيث يقول الكاتب أن "الفلسفات الباطنية والاشراقية" وخاصة الفلسفة الاسماعيلية تأثرت به وبمقولاته في تكوينها.



العقل المستقيل :

1- في الموروث القديم :


مصطلح " العقل المستقيل" هو من أهم نجاحات الجابري في هذا الكتاب، حيث استطاع تجميع الحالة المعرفية التي كان يعمل فيها العقل و"لا يعمل"، قبل البعثة المحمدية في سياق توقف العقل الاغريقي واليوناني وتحول مساره الى فلسفة تبحث وتقوم على معرفة الاله والقوى الخفية والهوس الديني وخلاص الانسان بتلك المعرفة الدينية الخالصة، وبعد تشخيصه اطلق عليه هذا المصطلح. في هذا الفصل يعود الكاتب الى الفترة التي سبقت نشوء المعقول الديني، ويقرأ ممحصا انطلاقات وجذور الحالة العقلية الفكرية والفلسفية لتلك المرحلة. وهو هنا انما يتعمق في تشريح العصر الهيلينستي ومقوماته الفلسفية. التقسيم المكاني يعتمد على ثلاثة مدن كانت مركز لتلك الآراء وهي حران وافامية وانطاكية والاسكندرية، حيث افامية وانطاكية تحتل مميزات متقاربة في نظري. حرّان التي كانت مقراً للصابئة وفلسفتها الدينية الهرمسية قامت "بدور كبير في حركة النقل والترجمة الى الاسلام .... فنقلوا كثيرا من تراث مدرستهم العلمي والفلسفي الى العربية بما في ذلك بعض المؤلفات الهرمسية". اما افامية فكانت مصدرا لـ " تكوين ونشر الفلسفة الهيلينيستية" - والتي هي رد فعل على العقلانية الاغريقية- بما في ذلك اثراء التيار الغنوصي بالذات، واشتهرت بفيلسوفها " نومنيوس" مؤسس الأفلاطونية الحديثة، والأفلاطونية الحديثة أو الجديدة يوجزها الكاتب بأنها قراءة أفلاطون عبر فيثاغورس، والتي تدعو الى التدين والعبادة وتُجنب العقل والخوض في العقلانيات، وهي تنحو منحى اللاعقلانية الاغريقية، لقد توجه العقل الاغريقي المنحول الى الشرق حيث امكن له تحقيق "لاعقلانيته" في اندماجه بالفسلفة الشرقية ( الهرمسية - وتيارات الغنوص والعرفان- وفلسفات الصابئة ) والتي تعتمد الغنوص والعرفان في فلسفتها، وهنا يشير الجابري الى مشكلة تفكيك " الفلسفة المنحولة" والتي استقى من فلاسفة الاسلام ارائهم، كما ان هناك تشابه بين الفلسفة الهيلينيستية الشرقية وتوجه فلاسفة اللاعقلانية الاغريقية واليونانية، مشكلة يصعب فك ارتباطها، وقد اشار الى ان هناك " ارتباط بنيوي" حين نجري مقارنة بين هذه الأفكار والاراء، ورغم ذلك امكن للكاتب في صفحات اخرى ان يربط بين الفلسفة الشرقية والاغريقية، ص 175 " أما الهرمسية كعلوم وفلسفة دينية فترجع الى مجموعة من الكتب والرسائل تنسب الى هرمس المثلث بالحكمة الناطق باسم الاله وأحيانا يقدم على انه هو نفسه اله.... غير ان البحث العلمي الحديث اثبت ان تلك المؤلفات ترجع الى القرنين الثاني والثالث للميلاد، وانها كتبت في الاسكندرية من طرف اساتذة يونانين،.... وانها مستمدة في جانبها الفلسفي الديني من الفيثاغورية الجديدة والافلاطونية المحدثة ..". إذاً فافامية هي " مسقط رأس الافلاطونية المحدثة" عبر نومنيوس". يمكن لنا ان اضع الفلسفة الهيلينيسية في دائرة ليصب فيها ثلاثة فلاسفة وهم: 1- بوزيدنيوس، ولد في افامية وصبغ الفلسفة الهيلينيستية بالطابع الشرقي. 2- نومنيوس، والذي "شرح إلهيات أفلاطون بواسطة معتقدات شرقية". 3- يامبليخوس، والذي حوّل الافلاطونية الحديثة الى عرفان شرقي.  اما انطاكية شمال افامية فكانت مركزا أيضا للغنوصية وفلسفة الاله المتعالي، إله الغنوص، وسأوضح فكرة الاله عند هذه التيارات في الفقرة القادمة. اما الاسكندرية فكانت مركزا رئيسيا للهرمسية ومؤلفاتها المتنوعة، فقد كان للفلسفة الهرمسية جانبها العلمي كالتنجيم، ومن العلوم التي كانت تهتم بها الهرمسية الكيمياء والتي هي " مزيج من الكيمياء النظرية اليونانية وفن صناعة الذهب المصرية"، وترتكز هذه الكيمياء على ما يؤكد ارائها الفلسفية، فالفلاحة التنجيمية الهرمسية تقوم على اساس القوى الخفية في الكون، "قوة النجوم وقوة الكواكب الالهة".


ما هو العرفان ؟ ما هو الغنوص ؟ ما هذه الفلسفة التي تقوم عليها الهرمسية والتي هي فلسفة الصابئة وكذلك تأثرت بها المانوية، والتي هي فلسفة منحولة من بعض الاراء الفلسفية القديمة للحكماء السبعة، كما يبين هذا الشهرستاني. يمكن ان نختصر هذه المسميات الدينية الفلسفية الى المقصد الرئيس الذي تنشره تعاليم هذه الفلسفة بـ" تطهير الانسان"، ان الادبيات الهرمسية تشير الى ضرورة ان يتعلم الانسان " المعرفة" كي يحوز النجاة ويعود الى اصله الالهي، " وهذه المعرفة لا تعني "العلم"، اي اكتساب معارف، بل بذل مجهود متواصل قصد التطهير والتخلص من المادة والاندماج من جديد في العالم الالهي، لا بل الفناء في الله.". ان النصوص الهرمسية تؤكد على ان " النفوس البشرية كائنات الهية، كانت تعيش في الأصل في العالم الإلهي، ثم ارتكبت ذنبا فكان عقابها هبوطها الى الابدان وسجنها". هذا باختصار الفكرة العامة لمفهوم العرفان والغنوص، وداخل هذه الفكرة نجد المزيد من التيارات المختلقة القائلة بطرق الخلاص والمُفسرة لأصل النفس وكيف تتحصل على خلاصها. إذاً فالعرفان هو "معرفة النفس ومعرفة أصلها. ولكن المعرفة هنا ليست تلك التي تحصل بالاستقراء والاستدلال واستعمال الرموز والاشارات بل المقصود هو المعرفة التي قوامها الانفصال عن كل شيء والتحرر من كل شيء، المعرفة التي هي عبارة عن رؤية مباشرة يتحد فيها الرائي والمرئي اتحاداً تاماً". هنا يمكن ان ننظر الى صورة الاله في فلسفة هذا العقل المستقيل في الموروث القديم، الهرمسية تقول "بإلهين اثنين احدهما مسخر للآخر"، "الاله المتعالي وهو الذي لا يصدق عليه وصف ولا تدركه العقول ولا الأبصار... لا يهتم بشؤون الكون، ولا يدخل في علمه أي شيء منه لأن الكون ومافيه محفوف بالنقص، وهذا الاله منزه عن الدخول في أية علاقة مع ماهو ناقص... ان الكون لا يدل عليه ولا يرشد إليه لانه لا علاقة له به."، الاله الاخر هو " الإله الخالق الصانع، هو الذي خلق العالم ولذلك هو يتجلى فيه، يمكن ادراكه والتعرف عليه بتأمل الكون ونظامه..."، ومن هنا يمكن فلسفة الفوضى والشر في هذا العالم على أنها ليست من اله الخير والجمال " الاله المتعالي"، وكذلك فلسفة اتخاذ الاله الخالق الصانع كوسيط الى الاله الحق المتعالي. وفلسفة "نومنيوس" الغنوصية قريبة من هذا، فهناك ترابط كما اسلف الكاتب، مع ادارج "المادة" كطرف اخر مقابل للاله "وهي مصدر النقص والشر بل هي الشر ذاته، وهي لابد ان تكون قديمة لأنه لا يمكن ان تكون صادرة عن الواحد المتعالي. وكيف يصدر الشر عن الخير والنقص عن الكمال؟ - ومن هنا ضرورة مبدأ ثالث هو الاله الخالق الصانع يكون كالواسطة بين الاله المتعالي والمادة القديمة". بينما كان عند العامة تصور اخر عن الاله، يقوم على التجسيم والتشبيه، يقول فيستوجير " ... لقد كانت الجماهير تتصور آلهتها على شكل كائنات قوية جداً تمد الانسان بالعون، تشفيه وتنقذه، كائنات على هيئة بشر ذات أجسام كبيرة بما لا يقاس".


انتقال الفلسفة الهرمسية الى العقل العربي والاسلامية كان بمثابة تأسيس لبذرة العقل المستقيل في الثقافة العربية والاسلامية، وكان هذا الانتقال في رأي الجابري على مرحلتين، الأولى عبر الاسكندرية والثانية عبر حرّان وذلك من خلال " مجلس التعليم" والذي هو مركزية تأليف الكتب وجود الأساتذة، حيث كانت هاتين المدينتين كما اسلف الكاتب مركزا رئيسيا للفسلفة الهرمسية والتي تتبناها الصابئة والفرق الاخرى. يوضح الجابري أيضا ان الفلسفة المنحولة للحكماء السبعة وجدت لها "رواجا كبيرا في الثقافة العربية الاسلامية"، حيث استمر هذا الرواج منذ بداية عصر التدوين وحتى عصر الانحطاط  و" بكيفية خاصة لدى الاتجاهات الباطنية من اسماعيلية ومتصوفة". ويتضح لنا ونحن نقرأ عن التيارات الصوفية الاسلامية المدى الذي تأثرت به، والتلقي الذي تضمنته أفكارها ومعتقداتها، ان اصول التصوف الاسلامي هو عقيدة من عقائد الفلسفة الهرمسية، يقتبس الجابري عن فيستوجير العالم المتخصص في الفلسفة الهرمسية حيث جمع نصوصها في أربع مجلدات وقام بقراءتها وتحليلها وربطها في أربع مجلدات اخرى، يقتبس حديث له يقسم فيه التصوف الهرمسي الى قسمين، وهما " التصوف بالإنتشار" و " التصوف بالإنكفاء" وهدفها معا الاتصال بالاله المتعالي، ص 179" النوع الاول يخرج الانسان عن ذاته ليتحد بالله ... فالإنسان هنا يذوب في الله (= الفناء بالتعبير العربي الاسلامي) اما النوع الثاني فالله نفسه هو الذي يغزو النفس الانسانية فيحل فيها ويتحول الانسان حينئذ الى كائن جديد، " كائن تم بعثه من جديد" ( وهذا يقابل الحلول في التصوف العربي الاسلامي). اذا لقد كانت مبادئ التصوف الهرمسية بشكليها أساساً للتوصف العربي الاسلامي، التصوف بالانتشار كان يقابله التصوف بالفناء او الاتحاد بالله، بينما التوصف بالانكفاء كان يقابله توصف الحلاج، التصوف بالحلول، حلول الله في ذات الانسان بعد ان ينقطع عن الناس ويخلو الى نفسه ويمسك عن الكلام ويتوقف عن ممارسة أي نشاط جسماني الى ان يحلّ الله فيه، ويشير الكاتب الى مصطلحات "اتحاد" النفس بالاله عند المتصوفة الباطنين، أو " زواج" كما عند الغزالي.





2- في الثقافة العربية الاسلامية:

يحاول الجابري في هذا الفصل تفكيك حالة العقل العربي عصر التدوين وما بعده، وكيف ولج الموروث القديم الى عمق الثقافة العربية الاسلامية، حيث يبين هذا على جانبين، جانب العلوم وجانب العقائد. وهو إذ يختار عصر التدوين كنقطة بداية لتفكيك دخول الموروث القديم الى الثقافة العربية الاسلامية انما يحاول التحرر من النظرة التاريخية التقليدية لكتابة تاريخ الثقافة ونشأتها، فتحديد هذه النقطة يساهم  في اثبات ما يمكن اثباته من الاستنتاجات والروابط، حيث ان اختيار نقطة مجهولة في العصر الجاهلي لتفكيك دخول الموروث القديم كان سيُعقد من جدية وقطعية هذه الاثباتات. ولأن عصر التدوين بالذات أخذ يتعامل مع الموروث القديم على مستواه " العالِم" لا " العامي"، فالعرب التي كانت تسكن الصحراء لم تكن أهل كتاب ولم تكن تتعلم سوى ذلك المستوى " العامي" من الموروث القديم من خلال اليهود (وعبرهم دخلت الاسرائيليات للثقافة العربية الاسلامية) الذين يسكنون الصحراء أيضا ويملكون مستوى مشابه من تعاليم الموروث القديم، وقد ادى بهم هذا المستوى العامي من فهم الموروث القديم الى عبادة الأصنام كوسطاء وشركاء لله، بينما كان المستويات " العالِمة" من اصحاب الديانات القديمة المحرفة والفلاسفة والفرق التي يقوم قوامها الفكري على " اللامعقول" العقلي من الموروث القديم، كان هؤلاء يسكنوا مدنا ذات حِراك مركزي كما اسلف الكاتب في الفصل السابق، مثل حران وافامية وانطاكية والاسكندرية. وكانت الرحلات التجارية تساهم في ايصال اراء ورؤى المستوى " العالِم" الى مناطق المستوى " العامي" على شكل موجات زمنية ثقافية تأخذ في التكثف مرة ومرة في الضعف. وهذا التوضيح يضعه الكاتب كشرط ضروري لتفكيك المبادئ الرئيسية للمذاهب التي ظهرت في عصر التدوين وما بعده، فيقول  ص190 " ان جميع من اعتمدوا هذا التمييز وخصوصا منهم الشيعة والمتصوفة والاتجاهات الباطنية والاشراقية قد ربطوا بين القول بـ " الظاهر" والفهم " العامي" من جهة، وبين القول بـ الباطن" والفهم " العالِم" من جهة أخرى"، يقصد اعتماد " " الظاهر" و " الباطن" في الخطاب القرآني، حيث اعتماد " التنزيل" هو النتيجة النهائية للفهم العامي للخطاب القرآني، بينما " التأويل" يصبح النتيجة النهائية للفهم العالِم للخطاب القرآني.


 إن دخول الموروث القديم في جانبه العلمي كان في شكل تركيب رسمي سياسي حينما بدأ خالد بين يزيد بن معاوية في نقل العلوم القديمة من الكيمياء والتنجيم والطب من لغاتها القديمة الى اللغة العربية، وفيما بعد في شكله التطبيقي السياسي حينما اهتم الخليفة المنصور بهذه العلوم " وقرّب المنجمين وكان لا يعمل في شأن من شؤونه الا بعد استشارتهم"، وهذه العلوم كانت هي العلوم المساندة والمفسرة للفلسفة الهرمسية، وكان لنقلها من الاسكندرية حيث الموطن الرئيس للهرمسية إلى مركز المعقول الديني البياني أثراً حيث لقيت عداءً من قِبل علماء أهل السنة لأنها برأيهم تبطن عقائد الهرمسية الدينية وتتعارض مع البيان العربي المعرفي. وبعد نقل هذه العلوم ظهر علماء الطبيعة في الثقافة العربية الاسلامية ولكنهم تأثروا بالتفسير العقائدي والديني الذي تحمله هذه العلوم الطبيعية، حيث اشتغلوا ورأوا بأراء الفلسفة الهرمسية، ومن هؤلاء جابر بن حيان والطبيب الرازي، فالكيمياء التي تعلمها الرازي من ابن حيان هي ذاتها التي تعلم صنعتها ابن حيان من "اصطفن الراهب" والتي تقوم طريقته في صنعة الكيمياء على التدبير والتي هي كما يشرحا اصطفن لابن حيان " طريقة هرمس مثلث الحكمة". ويحلل الجابري المضمون اللاعقلاني الهرمسي عند ابن حيان في عدة أمثلة، فالمثال الأول يتلخص في عبارة ابن حيان " إن في الأشياء كلها وجوداً للأشياء كلها"، ويعني بذلك ان استخراج الأشياء من بعضها " فإن النار كانت في الحجر لا تظهر، وهي له بالقوة، فإذا زند وأورى ظهرت"، وهذا تطابق لمبدأ مؤسس الكيمياء الهرمسية القائل بأن " ما من طبيعة إلا وهي معشوقة من طبيعة أخرى، وما من طبيعة إلا وهي مقهورة لطبيعة أخرى ". المثال الثاني وهو قوله بإلهية النفس :" على رأينا فانها جوهر الهي مُحيي للأجسام التي لابستها...". المثال الثالث وهو رؤيته لتصنيف العلوم، لعلوم دين وعلوم دنيا، حيث يخضع هذا التنصيف لمخالفة التنصيف الأرسطي العقلي، فتصنيف ابن حيان  يعتقد بدمج الدين بالعلم والعلم بالدين، أخيرا يقودنا الجابري الى رفض ابن حيان للعقل ووسائله لمعرفة الله وان الطريقة الوحيدة هي " المشاهدة" أو " الكشف" " التي لا تحتاج الى إعمال فكر في دليل ولا استعمال لفظ وتمثيل. أما عند الرازي والذي ينبه الكاتب الى ضرورة التمييز بين الرازي اكبر طبيب في الاسلام، الطبيب الماهر وبين الفليسوف اللاعقلاني، حيث يستحضر الكاتب بعضاً من التفكيك السابق لصاعد الأندلسي للأراء الفلسفية  عند الرازي فيقول صاعد ص 197 " انه كان شديد الانحراف عن ارسطاليس وعاتباً له في مفارقة معلمه أفلاطون.....، وكان يزعم انه ( =أرسطو ) أفسد الفلسفة وغير كثيراً من أحوالها" هذا يعني أن الرازي كان يرفض الفلسفة العقلانية التي أسس لها أرسطو، وتبين كاتباته نزعته الى فكرة الغنوص والفلسفة الهرمسية اللاعقلانية، فقد ألف كتاباً في الطلسمات وهي العلوم " السرية " السحرية الهرمسية، ص 197 " بل ان البيروني يذكر انه طالع كتاب " العلم الالهي" للرازي فوجده " يبادي فيه بالدلالة على كتب ماني وخاصة كتابه الموسوم سفر الاسفار"، فهذا إذاً الوجه الاخر للرازي ولابن حيان، الوجه المُؤسس لعلوم تقوم على الجانب العلمي للهرمسية.


أما دخول الموروث القديم الى الثقافة العربية الاسلامية فكان عبر البوابة الثانية وهي العقائد، ويمكن أن نبدأ بالنتيجة النهائية لهذا الدخول وهي أن الانحرافات التي أسست لمذاهب اسلامية ذات اتجاهات مختلفة ومتصارعة هي الصورة النهائية والتأثير الأعظم لولوج الموروث القديم الى حظيرة العقيدة الاسلامية وتقسميها، فالشيعة والجهمية والروافض والمتصوفة الغلاة والاسماعيلية وكذلك التوصف السني هو الوليد الحقيقي والطبيعي للموروث القديم في الثقافة العربية الاسلامية. ووفقاً لتمركز الهرمسية في العراق والكوفة بالذات في عصر ما قبل التدوين، والتي هي أيضا مقر " الصابئة" فيمكن احتواء مسألة بزوغ الشخصيات والمذاهب المتأثرة بالهرمسية من العراق والكوفة بالذات حيث كانت تتصل بالاسكندرية. يفكك الجابري هرمسية هذه المذاهب بما يؤكد النتيجة النهائية التي ذكرتها في السطور السابقة، فيقول ص 199 " يبدو، كما يقول ماسينيون : ان " الغلاة الاوائل من شيعة الكوفة قد اطلعوا على نصوص هرمسية"، ولذلك " فليس من الغريب ان تكون الشيعة اول من تهرمس في الاسلام"، ويتضح الطابع الهرمسي لهؤلاء الغلاة الاوائل، ص 200 " ان ما وصلنا من آراء الفرقة "البيانية" هو عبارة عن "شظايا" هرمسية". من ذلك قولهم " ان الله عز وجل على صورة الانسان"،.... أما آراء المغيرة البجلي... والذي" كان يقول انه نبي وانه يعلم اسم الله الأكبر" وان الله " رجل من نور على رأسه تاج وله من الأعضاء والخلق مثل ما للرجل وله جوف وقلب تنبع منه الحكمة" ... أما هذه الآراء فطابعها الهرمسي واضح تماماً". وعند الشيعة فإنها ترفض " امكانية التوصل الى معرفة الله بطريقة النظر والقياس"، " وهذا من مقتضيات "التوحيد" الهرمسي"، وعند الجهمية نلامس التصور الهرمسي أيضا في نظرتها للإله المتعالي حيث يقولون " ان الله لاشيء وما من شيء ولا في شيء ولا يقع عليه صفة شيء ولا معرفة شيء ولا توهم شيء"، ".." انكروا ان يكون الله سبحانه في السماء وانكروا الكرسي وانكروا العرش وان يكون الله فوقه وفوق السماوات من قبل هذا وقالوا ان الله في كل مكان"، ان هذه الأقوال تكاد تكون ترجمة حرفية لنصوص هرمسية". وعند المتصوفة تواجهنا عدة شخصيات الأولية أهمها أبي هاشم الكوفي ويعتبر أول شخصية صوفية وكان يقول بـ" الاتحاد" و " الحلول"، ثم معروف الكرخي " والذي نجد عنده أول تعريف للتصوف في معناه الغنوصي"، الشخصية الثالثة هي ذو النون المصري " أحق رجال الصوفية بأن يطلق عليه اسم واضع التصوف"، ثم يتبع ذلك الحلاج القائل بالحلول والذي اشتهر بقوله " أنا الحق"، ص 208 " فهو يرى أن الرياضة والمجاهدات الصوفية تكشف للإنسان عن الصورة الإلهية فيه"، ويشير الكاتب اشارة يعود لاستكمالها في الفصول القادمة عن الطابع التصوفي عن الغزالي فيصنف اثنين من مؤلفاته وهما "احياء علوم القرآن" ويصفه بالخطاب الاسلامي السني أما الاخر فهو "معارج القدس" ويصفه بأنه خطاب فلسفي هرمسي اضافة الى مؤلفه " مشكاة الأنوار". أما في التصوف السني فتقابلنا شخصية الجنيد كمؤسس فعلي له بعد استاذه الحارث المحاسبي الذي فصل بين توحيد العوام وتوحيد الخواص، " وتتلخص نظرية "توحيد الخواص" في ان المتصوف اذا بلغ مرتبة الفناء او الاتحاد يصير "شبحا قائما بين يدي الله، ليس بينهما ثالث...". هذه الاشارات والدلائل تؤكد على الأصول الهرمسية لهذه المذاهب وهذه الشخصيات. وينظر الجابري الى كتاب " رسائل اخوان الصفا " على انه تطور الهرمسية في الثقافة العربية الاسلامية، فعلى الرغم من زعم مؤلفيها على تبني اراء مختلفة تضاد اللامعقول إلا انها ضمت وصدّقت بأبرز واعظم آراء الهرمسية كقولها بالإله المتعالي والطبيعة الإلهية للنفس البشرية ونظرية العقل الكلي المكلف بتدبير الكون ودفاعها عن العلوم " السرية" الهرمسية وهكذا من الآراء والأقوال الثابتة والقائلة بالعرفان والغنوص.




تنصيب العقل في الاسلام :

يتنقل بنا الجابري الى المرحلة التي استفاق فيها العقل ويقصد به المعقول العقلي = الفلسفة بشكل خاص، وطبيعة محاولات تنصيبه داخل الثقافة العربية الاسلامية بعد ان احتل اللامعقول العقلي مكانه عبر المذاهب والفرق التي اعتمدت على ما وصلها من العقائد الهرمسية وعلومها، إذا فالفكر العربي الاسلامي تعرف أولاً على فلسفة القدماء من خلال " لاعقلانيتها " عبر الفلسفة المنحولة من القدماء والصور الجديدة لتلك الفلسفات القديمة كالأفلاطونية المحدثة والفيثاغورية الجديدة التي تخلت عن المنطق والعقل، كان هذا أولاً ثم تعرف الفكر والعقل الاسلامي على العقل أو المعقول العقلي حين استنجد بأرسطو والعقلانية الاغريقية. وفي سياق تاريخي يفصل ويحلل الكاتب ما حدث، فاللامعقول دخل أولاً منذ عصر التدوين وما قبله بقليل في القرن الثاني، بينما لم يتم استعادة أرسطو كما يجب الا في القرن الرابع الهجري. وهنا يبرز اسم الخليفة المأمون كعقلية سياسية اهتمت كثيرا بمسألة ترجمة كتب الفلسفة العقلانية القديمة ليدعم بها العقل العربي الاسلامي " نظام البيان العربي الاسلامي" في حربه ومواجهته لتيارات ومذاهب اعتمدت " اللامعقول " العقلي منهاجا لها وتأثرت به جدا، ص 223 " الثابت تاريخيا هو أن المأمون استقدم الكتب القديمة وعلى رأسها كتب ارسطو، استقدمها من "بلاد الروم" وأمر بترجمتها وانفق على ذلك بسخاء.."، لقد كان الهدف الرئيسي من هذه الترجمة هو مقاومة الغنوص والعرفان الشيعي والمذاهب المشابهة الاخرى، ولكن مقاومة سلمية عقلية تقوم على الحجة والبيان، لقد اعتمد المأمون " أسلوب المناظر العقلية والفكرية"، وهذه هي المحاولة الرسمية السياسية الاولى التي قاومت بهذه الكيفية، فقبل المأمون كان المهدي يقمع بشدة كل المذاهب والتيارات القائمة على اللامعقول العقلي، فقمع المانوية وطاردها وتصدى لها وانشأ " ديوان الزنادقة" لتتبع هؤلاء والقضاء عليهم، ولكن الامر لم يؤتي ثماره كما يجب، فرأى المأمون أن الطريقة المثلى هي ارخاء الخنق على الشيعة وافساح المجال لها لتظهر وتتحدث عن أفكارها الخاصة والسرية وجذبهم لهذه المواجهات العقلية الحججية، لقد كان المأمون يواجه تحالفاً من عدة فرق ومذاهب وهم القرامطة والباطنية والاسماعيلية والشيعة، ومارس المأمون معهم الحيل العظيمة وداراهم ليكشفوا ما لديهم ثم يفضحهم وينكل بهم، ومضى في حيله حتى أبعد ما نتصور، مضى أن اسند ولاية العهد الى الامام الثامن للشيعة ( علي الرضا ) هذا كله لتخرج الشيعة من مرابضها وتعتقد ان المواجهة بالسيف والقمع قد ولت. إذاً؛ فالمأمون اعتمد الترجمة لكتب الفلسفة والاخذ بمبادئها للرد على الشيعة ومذاهب اللامعقول العقلي، وكذلك استعمل المناورة السياسية مع زعماء وأئمة الشيعة، ولكن ( علي الرضا ) مات مسموما في الاخير واسند المأمون ولاية العهد الى أخيه للمعتصم. لقد كان هناك جدلا مستمراً بين غلاة الشيعة والدولة العباسية حاول المأمون ان يهدأ من تصاعده، فقد كان يقابل غلاة الشيعة غلاة الدولة العباسية وهي الفرقة الراوندية  " التي غالى اصحابها في حق الخلفاء العباسيين فرفعوهم إلى درجة الالوهية". يعود الكاتب ليثبت في عدة صفحات متى نُصّب العقل في الاسلام  ومتى استعيد أرسطو تماما في العقل الاسلامي، كان الفليسوف الكندي أول من بدأ في استعادة ارسط، ولكنه استعاد التفسير الطبيعي عند أرسطو ولم يهتم بالجانب المنطقي والعقلي، اكمل الفارابي هذه المرحلة الهامة واستعاد أرسطو كاملاً، بل وشرح وبين ما كان مبهم من فلسفة أرسطو ومضى علي طريقته، حتى انه يستحق ان يسمى بـ " أرسطو العرب" والمعلم الثاني بعد أرسطو، فالكاتب يؤكد انه لم تتم استعادة أرسطو كاملاً ودون نحل أو تأويل يُخرج مبادئ فلسفة أرسطو عن اطارها مثل ما فعله الفارابي المتوفي سنة 339هـ. اذاً ص 236 " نخلص مما تقدم الى النتيجة النهائية، وهي ان حضور الموروث القديم في الثقافة العربية الاسلامية كان إلى عهد المأمون امتداداً لما قبل أي استمراراً للعصر الهيلينستي : ثقافته وعلومه ونظامه المعرفي. اما المأمون ، وبفعل الظروف والملابسات التي شرحناها قبل، فقد تم تدشين حركة " احياء" و "تنوير" قوامها الرجوع إلى "الأصول" إلى " العقل الكوني" وبالذات إلى ارسطو، فلسفته وعلومه ومنطقه.".


لقد كان الإسلام ثورة على الموروث القديم والهرمسية في صورتها العامية، حيث كانت تُعبد الأصنام في جزيرة العرب، بينما كان استحضار ارسطو في عصر المأمون هو ثورة على الهرمسية في صورتها العالِمة، ومن هنا حصل " اللقاء التاريخي بين المعقول الديني العربي وبين المعقول العقلي اليوناني - الأرسطي". وكانت هذه الاستعادة عبر اثنين من فلاسفة الإسلام العظماء وهما أولا الكندي وثانياً الفارابي.

الكندي 185 - 252 هـ .
أول فيلسوف عربي مسلم، وكان دوره كبير في مناهضة " العقل المستقيل" والموروث القديم بدئاً من ولاية المأمون ومروراً بالمعتصم والواثق " كما عاصر المتوكل وتعرض في عهده لبعض الاضطهاد في اطار " الانقلاب السني" الذي قاده الخليفة ضداً على المعتزلة"، فساهم مساهمة عظيمة في تنصيب العقل في الاسلام وداخل النظام المعرفي البياني العربي. فتصدى للرد على فرق ومذاهب العقل المستقيل ببيان فساد اطروحاتها، كما ألف في بيان بطلان الكيمياء في كتابه " كتاب التنبيه على خده الكيميائيين" وغيره، وعارض فكرة الاله المتعالي التي تقول بها الهرمسية. قام الكندي باستعادة ارسطو عن طريق العلوم الطبيعية التي قال بها ارسطو، وكذلك جانبا من العقل عند ارسطو. وخاض في مسائل معرفة الله وطبيعة النبوة، فأخذ في تفسيير جديد لهذه المسائل الشائكة والحرجة، فالله سبحانه عند الكندي هو " الواحد الحق ليس هو شيء من المعقولات ولا هو عنصر ولا جنس ولا نوع ... ولا نفس ولا عقل .. ولا واحد بالإضافة الى غيره، بل هو واحد مرسل"، ومعنى واحد مرسل : " ليس هناك الى جانب الله أي كائن الهي آخر مثل " العقل الكلي" او " العقل العاشر". فهو يعارض فكرة " الفيض" والتي تقول بالعقول السماوية والتي "هي الأساس الذي يقوم عليه تأويل الفارابي وابن سينا لنظرية ارسطو في العقل". وهو كذلك يؤكد عبر فلسفته الى أنه لا يوجد تناقض بين الحقيقة الدينية مع الحقيقة العقلية. لقد قام الكندي من خلال كثير من هذه التفسيرات والتحليلات وبما استعان به من منطق وعلم ارسطو في تنصيب العقل في الاسلام والتصدي للعرفان الشيعي والغنوص المانوي.


الفارابي 260 - 339 هـ.
اكمل الفارابي على اكمل صورة استعادة العقل والمنطق عند ارسطو، ولكن الفارابي اقام فلسفته على وحدة المجتمع ووحدة الفكر، لأنه لم ينشأ في ظل دولة مركزية كالكندي، بل نشأ في عصر اخذت فيه الامبراطورية الاسلامية بالتفكك والتحول الى دول ودويلات مستقلة متناحرة في ذات الوقت، فكلٌ منها يقوم على مذهب معين وفكر خاص. وكانت دعوته تقوم على تجاوز الخطاب الكلامي الجدلي والأخذ بخطاب " العقل الكوني " الخطاب البرهاني أي الفلسفة والمنطق، ولذا فقد نحى الفارابي الى الفلسفة السياسية أيضا ورأى حلمه في المدينة الفاضلة حيث يتوحد المجتمع والفكر، وألّف " آراء أهل المدينة الفاضلة" في هذا الشأن، لقد استعاد حلم أفلاطون الأول، أفلاطون القديم لا أفلاطون المنحول في الفلسفة المشرقية. ان الجابري يرى ان الفارابي كان الوحيد والأكثر تفكيراً بحلم المدينة الفاضلة، فحتى ابن خلدون على رغم دراسته للعمران البشري وأنظمة الحكم الا أن الفارابي كان مهتما وحالماً في ظل تمزق الدولة الاسلامية بالمدينة الفاضلة التي تجمع الفكر والمجتمع. لقد حاول الفاربي الجمع بين أفلاطون وارسطو لاقرار وحدة العقل، وجمع بين الملة والحكمة لاقرار وحدة المجتمع، وفي هذه الفكرة يورد الكاتب في نهاية الفصل تحليلاً يبين اعتماد الفارابي على مبدأ اساسي في الهرمسية لضرورة الجمع بين الفكرتين . فلسفة الفارابي للعقل البشري انه يكفي نفسه بنفسه أي مستغنٍ بنفسه لأن فيه " مقدمات عقلية بها قوام وجوده"، ولذا كان الفارابي يدعو الى تحكيم العقل الكوني الذي يفيد العلم اليقين حيث يفرض نفسه على الجميع، إنه يرى في هذا البرهان قوام وحدة المجتمع لكون هذا العقل يقوم على " براهين مؤلفة من مقدمات صادقة ضرورية كلية أوائل تيقن بها -الانسان- وحصلت معلومة للعقل بالطبع"، وهذا المبدأ الذي أكده الفارابي في استعادة ارسطو هو المنطق والبرهان، فأكد السببية " ومن هنا كانت المعرفة اليقينية هي المعرفة بالأسباب حيث الوصول الى الحكمة. وفي تعليله لوجود الموجودات فانه يرى بـ "فيض" وجود الشيء عن وجود اخر ص 245 " وجود ما يوجد عنه إنما هو على فيض وجوده لوجود شيء آخر، وعلى ان وجود غيره فائض عن وجوده"، فيرى بالعقول السماوية والعقل العاشر = العقل الفعال الذي يضفي على المخلوقات صورتها، مثلاً " فجسم الجنين في رحم المرأة مثلاً يُفيض عليه العقل الفعال النفسَ البشرية عندما يصبح ذلك الجسم مستعداً لتقبل النفس، وهكذا يتكون الكائن البشري، ومثل ذلك الكائنات الاخرى". يمكن القول هنا بأن الفارابي هنا قبل بـ " العرفان" كنتيجة نهائية للقول بالعقل الفعال - فكرة الفيض بالعموم-. أخيراً، فإن الفارابي جمع بين الدين والفلسفة وهذا صورة توضح ما قام به هذا الفيلسوف لتنصيب العقل في الاسلام مع خلال هذا المزج بين النظام الديني المعرفي العربي الاسلامي وبين النظام العقلي البرهاني اليوناني أو المعقول الديني و المعقول العقلي، فيقول في كتابه " السياسة المدنية" : " والذين يؤمون السعادة متصورة ويتقبلون المبادئ وهي متصورة هم الحكماء، والذين توجد هذه الاشياء في نفوسهم متخيلة ويتقبلونها ويَؤُمُّونها على أنها كذلك هم المؤمنون"، ويقتبس الجابري هذا النص وهذا الاخر المشابه له ليؤكد هذا المزج، في كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة " : " الحكماء يتصورون الحقائق كما هي، والمؤمنون ترتسم في نفوسهم خيالاتها ومثالاتها، فَيَكُون ما يقرره الدين محاكياً لما تبرهن عليه الفلسفة تماماً".



أزمة الأسس .. وتأسيس الأزمة :

بعد حلل الجابري مكونات العقل العربي وكيفيات تكونه اخذ خطوة الى الامام باتجاه تفكيك مظاهر ودواخل أزمة العقل العربي ثم تجمده فيما بعد، حيث ان العقل العربي حوى منذ بداية عصر التدوين مشكلات تكوينية ادت الى نشوء أزمة في الأسس ومعها تم تأسيس الأزمة. هناك مشكلة على شكل ثغرات في كتابة تاريخ انطلاقة العقل ومضيه بالسكوت عن ازمته، اذاً فيجب العودة الى عصر التدوين وعصر ازمة العقل العربي والتنقل بين هذه العصور ضمن الزمن الثقافي العربي وتحديد هذه الأزمة. من اول مظاهر هذه الأزمة هو الاصطدام بين النظم المعرفية في عدد ثنائي، فحدث الاصطدام بين " البرهان" و " البيان" في بغداد وكان من ابرز حوادثها المناظرة التي جرت في مجلس الفضل بن جعفر وزير الخليفة المقتدر ص 257 " بين ابي بشر بن متى الذي انتهت اليه رئاسة المنطقيين في بغداد...، وبين أبي سعيد السيرافي اللغوي الفقيه والمتكلم". في هذه المناظرة تصدى السيرافي لـ " يعارض دعوى متى مؤكداً استغناء اللغة العربية عن المنطق اليوناني لان لها منطقها الخاص هو نحوها، تماماً مثلما ان منطق اليونان هو نحو لغتهم "، وقد قدم الوزير المناظرة برأي متّى القائل انه " لا سبيل الى معرفة الحق من الباطل والصدق من الكذب والخير من الشر والحجة من الشبهة والشك من اليقين الا بما حويناه من المنطق...".  ويعلق الكاتب على هذه المناظرة بقوله " ليست المسألة اختلاف وجهات النظر..... انها مسألة اختلاف ما يؤسس النظر ذاته". هنا تأسست ازمة العلاقة بين المنطق والنحو، واخذ العقل العربي في قراءة هذه المشكلة والبحث في حلها، نجد هذه المشكلة عند الكندي والفارابي الذي حاول السير بهذه الكيفية في تأسيس البيان على البرهان والجمع بينهما حيث جعل ص262 " ما في الدين مثالات لما في الفلسفة"، وبالعودة الى الشافعي ووفقاً للنظامه البياني المعرفي فقد رُوي عنه قوله في هذه الازمة " ما جهل الناس ولا اختلفوا الا لتركهم لسان العرب وميلهم الى لسان ارسطاليس"، وكذلك ابو حيان التوحيدي الذي توصل الى ان " النحو منطق عربي والمنطق نحو عقلي". كان هذا الاصطدام يتعمق في تكوين العقل العربي ويؤسس لأزمته على شكل موجات فكرية ثقافية منذ البداية. ان من محاولات تفادي هذا الاصطدام في ان يقوم العقل العربي عبر مفكريه وفلاسفته بتأسيس نظام على اخر والجمع بينهما، وهذا ما اراده الكندي حينما اتجه الى " نصرة " المعقول الديني" بمنتجات العقل الكوني" اليوناني" = بما يعني تأسيس " البيان" على " البرهان"، وهذا ما شرع فيه المأمون تماماً، اراد تأسيس البيان على البرهان ضداً على العرفان. اما الصورة الاخرى لهذه الظاهرة من الاصطدام والازمة هي اكتمال هذين النظامين في العقل العربي، حيث " اكتمل حضور المنطق الارسطي في الثقافة العربية" والنظام البياني المعرفي كان قد تبلور وتم تقنينه، وبعد هذا الاكتمال بات من المستحيل تأسيس احدهما على الاخر، وهذه أزمة أيضا. الأزمة الاخرى تندرج تحت هذا الاصطدام في صورة اخرى يفككها الجابري في محاولة ضم الفلسفة الى الشريعة والعكس، وظهرت هذه المحاولة في هيئة " رسائل اخوان الصفا" التي حاول مؤلفوها الجمع بين الشريعة والفلسفة متضمنة اللامعقول من الفلسفة الهرمسية الصوفية وادبياتها، يقول ابو سليمان المنطقي عن هذه الرسائل ص 260 " ظنوا انهم يمكنهم ان يدسوا الفلسفة في الشريعة وان يضموا الشريعة الى الفلسفة، وهذا مرام دونه حَدَدٌ"، هذا الرأي من ابو سليمان السجستاني - المنطقي- والذي يكرر الجابري وصفه بـ " الذي انتهت اليه رئاسة مدرسة بغداد المنطقية في عصره"، هذا الرأي كان يرى الحل في الفصل بين الدين والفلسفة حيث يحل نوع من المصالحة بين النظامين وهو ما يخدم قضيتهما المشتركة - وفقاً لرأي الجابري- ضداً على النظام العرفاني المتثمل الايديولوجية الاسماعيلية.



ابن سينا :
اخرج ابن سينا نفسه من هذا الصراع، المواجهة بين الدين والفلسفة بين فلاسفة المغربيين الذين ترعاهم الدولة والمشرقيين المتمثلين في رسائل الخوان الصفا وخلان الوفا، فدخوله في هذا الصراع ايديولوجيا سيُظهره " بمظهر المدافع عن الاسماعيلية وفلسفتها، ولذلك نقل الصراع إلى ما يؤسسه ايبيستيمولوجيا". ولذا اخذ ابن سينا في مهاجمة المغربيين في تبلدهم في فهم حقيقة النفس والعقل، فشروح الاسكندر و ثامسطيوس للنفس والعقل و " العقل الفعال" لم ترض الشيخ الرئيس، فتبنى الفلسفة الهرمسية القائلة بأن النفس إلهية الأصل، تبنى ابن سينا هذه النظرية ودافع عنها وبرهن عليها كثيراً بالبحث والنظر في كتبه، اذاً فابن سينا اراد ان يعمل بالمنطق والعقل في تحقيق هذه الفلسفة الهرمسية للنفس، القائلة انها ذات جوهر إلهي وانها حين تتعرض للتطهير تعود الى موقعها الأرفع واصلها الالهي، وهذا يعني توجه ابن سينا لتأسيس العرفان على البرهان، فيدلل الجابري على هذا من خلال كتاب ابن سينا " الاشارات والتنبيهات" وهو يعنون لأحد الانماط بـ ص 266"  البهجة والسعادة ويقصد بها " اللذة العليا" التي يحصل عليها، كما يقول " العارفون المتنزهون إذا وضع عنهم درنُ مقارنة البدن وانفكوا عن الشواغل - و - خلصوا الى عالم القدس والسعادة وانتقشوا بالكمال الأعلى"، بل الجابري يرى ان ابن سينا تبنى الهرمسية بكاملها. وهنا يدرج الكاتب كتاب " تهافت الفلاسفة" كـرد فعل متأخر من الغزالي على فلسفة ابن سينا الذي ناقض نفسه أخيرا، فهذا الكتاب هو تصوير لتناقض الفلاسفة واصطدامهم بأنفسهم ثم تحطمهم الداخلي الذاتي، فابن سينا بتبنيه الفلسفة الهرمسية هو يقدم فعلياً استقالة العقل الديني. ص 268 " ابن سينا لم يكن نتاج نفسه، بل لقد كان نتاج الثقافة العربية الاسلامية كلها منذ انطلاقتها مع عصر التدوين الى زمنه. ومن هنا فهو بكل تناقضاته، يسجل لحظة انفجار العقل العربي مع نفسه، مع طموحه وخط سيره". يسترسل الكاتب في صفحات متقدمة في تفكيك مشكلة ابن سينا وأزمته ويرى انها أيضا كانت سبباً لفشل الحركة الفكرية الإسماعيلية في خراسان وفارس حيث انتهت إليه زعامتها.



الاسماعيلية:
التي كانت تنجح سياسياً مقابل فشل فكري ايديولوجي وكذلك العكس، فبعد نجاحها في تأسيس دولتها في افريقيا باعمال الجانب السياسي الديني من خلال الفكر الشيعي المتضمن فكرة " المهدي" الى غير ذلك من الاسباب مما انجح الجانب السياسي حيث نشأت دولتين اسماعيليتين في افريقيا " العبيدية و الفاطمية "، ولكن هذا النجاح كان على حساب فشلها في تحقيق الفلسفة والايديولوجيا الاسماعيلية على مستوى الشعوب المسلمة هناك. اما في انتشار الاسماعيلية في ايران فكانت الصورة الاخرى على العكس، امكن تحقيق نجاح للفلسفة والايديولجيا الاسماعيلية بينما قُهر الجانب السياسي الاسماعيلي ومر بنكبات عظيمة، منها محنة النسفي الفيلسوف الاسماعيلي -صحاب كتاب " المحصول" أول كتاب عقائدي نقاشي اسماعيلي- كان قد خل معترك الحركة السياسية في ايران ثم اصبح الامر الناهي في الدولة، لكن اانقلابات السنيين لم تحفظه له موقعه فناظروه وقتلوه. والفلسفة الاسماعيلية تقوم على الفلسفة الهرمسية وادبياتها ومن اشهر فلاسفتها ومنظريها ابو حاتم الرازي وكان من أوائل من نظروا للاسماعيلية ومن اشهر كتبه " اعلام النبوة" ورد فيه على الطبيب ابوبكر الرازي في مسألة النبوة، والجابري يرى ان الفرق الوحيد بين الطبيب الرازي وبين الاسماعيلية انه ينكر النبوة. في ايران تحولت الفلسفة الاسماعيلية الى فلسفة حرة علنية حيث تداول فلاسفة الاسماعيلية النقاش والرد على بعضهم من خلال الكتب بحرية، ومن هؤلاء الفيلسوف البلخي الذي انخرط في الفلسفة الاسماعيلية دون الدخول في الصراع السياسي الاسماعيلي، وهكذا تبلورت الفلسفة الاسماعيلية في ايران الى عدم الالتزام بالصراع السياسي. اذا فهذه مدرسة فلسفية اسماعيلية تكونت في خراسان وفارس انتهت زعامتها الى ابن سينا، بينما انتهت في ذات العصر رئاسة مدرسة بغداد المنطقية الى أبي سليمان المنطقي.


المحاسبي:
الحارث المحاسبي - ت 243هـ، كان احد الذين واجهوا هذه الأزمة، حيث اصطدام عنده البيان بالعرفان - في صورته الصوفية، ولكنه وعى هذا التصادم وقدم له نوع من المصالحة، فأخذ من الهرمسية منهجها وطريقتها لا مضمونها ولم يخرج من دائرة البيان. اسس المحاسبي لـ " علم  المعاملة" و " علم المكاشفة" والمقصود بالأول معاملة النفس لما يصلح حالها من الزهد والتوبة والخشوع، اما الثاني فالمقصود به فهم النفس والعقل حيث يكاشف الانسان نفسه بغريزته الدالة في عقله على الله ويأخذ منه.. كشف الأشياء وما تخفيها. وهو بطريقته هذه التي تؤسس المعقولية على الله قد عادى الجميع المعتزلة والشيعة والفقهاء " لأنهم انصرفوا عن "علوم القلب" إلى الجدل والانشغال بالفتيا"، والصوفية تحفظوا عليه لأنه لم يترك علم الكلام، والامام احمد بن حنبل صده وهجره بسبب طريقته في فهم البيان، ص 277 " وعندما توفي هذا الاخير ( احمد بن حنبل )  نال المحاسبي من الحنابلة بعد " الانقلاب السني" في عهد المتوكل ما لم ينله من المضايقة في عهد سيطرة المعتزلة الذين اقتصروا على تجاهله. لقد اشتدت مضايقات الحنابلة على حتى اضطر الى الاختفاء في داره الى أن " مات فيها ولم يُصلّ ِ عليه إلا أربعة نفر".

المتصوفة والشيعة:
من مظاهر الأزمة أيضا الحملة التي شنها الفقهاء على المتصوفة، والتي اخذت في استجلاب التنظيم الهرمي الشيعي، فبات لكل مجموعة شيخ وطريقة، وهكذا توغلت المتصوفة في النظام الشيعي، بل ومنافستها في مبادئها " فقالوا بالولاية في مقابل الامامة". هذا السلوك عند المتصوفة في مضايقة الشيعة ومداهنة الدولة هو الذي اخذ في " تقديم جديد للتصوف من جانب اهل السنة الأشاعرة والعمل بالتالي على كتابة تاريخه بالشكل الذي يضفي عليه المشروعية " السنية". وفي هذه الحظيرة خرجت محاولات عمل مصالحة بين البيان والعرفان باضفاء هذه المشروعية السنية عليه، " ولعل اقدم واهم هذه المحاولات تلك التي قام بها ابوبكر محمد الكلاباذي المتوفى سنة 380هـ بكتابه الشهير " التعرف لمذهب اهل التصوف"، وكذلك كتاب " اللمع " لابي نصر السراج الطوسي المعاصر للكلاباذي، ص 279 " وعمل مثله على التماس المشروعية " السنية" للتصوف برد مسائله الى القرآن والسنة وتاسيس أقاويل المتصوفة على آيات وأحاديث مرويات عن الصحابة"، وهذا جعل من التصوف مؤسسة دينية رسمية في عهد الدولتين السنيتين الغزوينية والسلجوقية.

الغزالي:
ما وقع للغزالي يشبه ما وقع للمحاسبي من قبله وابن سينا من تصادم المذاهب والتيارات داخله، مما جعله يبحر في معرفة حقائق هذه المذاهب والتيارات واصولها منذ عنفوان شبابه، يحكي هو فيقول عن تلك الازمة الروحية والتجربة الفكرية " لا اغادر باطنيا الا واحب ان اطلع على باطنيته ولا ظاهريا الا واريد ان اعلم حاصل ظاهريته ولا فلسفيا الا واقصد الوقوف على كنه فلسفته ولا متكلما الا واجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته ولا صوفيا الا واحرص على العثور على سر صوفيته ولا متعبدا الا واترصد ما يرجع اليه حاصل عبادته ولا زنديقا معطلاً الا واتجسس وراءه للتنبه لاسباب جرأته وتعطيله ". لقد عايش الغزالي كثيراً من مشكلات المذاهب وتصادمها على مستواها الفكري وكذلك على مستوى الصد السياسي لها، واُستخدم الغزالي في تلك المعركة حينما عينه نظّام الملك وزير الخليفة في الدولة السلجوقية استاذاً في المدرسة النظامية لتدريس المذهب الشافعي الاشعري الذي قامت عليه الدولة السلجوقية، وكذلك للرد على الباطنية ( الاسماعيلية ) وهذا يعني الرد على الفلسفة الاسماعيلية التي آمن ونظر لها ابن سينا وهذا يعني أيضا على الرد على فلاسفة اليونان حيث استقت الفلسفة الاسماعيلية منها بعض ارائها، اذاً فكتاب الغزالي " تهافت الفلاسفة" والكتب الاخرى " مقاصد الفلاسفة" و" فضائح الباطنية" هي اشبه بما يكون بالرد على ابن سينا وفلسفته الاسماعيلية، لقد عاشت الدولة السنية السلجوقية أزمات وشدائد في صراعها مع الباطنية والاسماعيلية فتحول الغزالي الى شن حملاته على أسس تلك الفلسفة وفلاسفتها وابن سينا بالذات، ورد الفعل هذا من الغزالي هو في اطار الزمن الثقافي العربي فهو متأخر عن ابن سينا بستين سنة، ويرى الجابري ان تأليف الغزالي لهذه الكتب كان كمواجهة فكرية سياسية بعد اغتيال الوزير نظّام الملك من قبل احد فدائي الباطنية. اما الفلسفة عند الغزالي فقد اتجه فيها ناحية المنطق وحاول تبيئته شرعياً وألّف فيه " معيار العلم" و " محك النظر" وحاول ان يضفي على المنطق الطابع الشرعي القرآني، فهو يرى  ص283"ان المنطق ليس يونانيا الا بالاسم، اما مضمونه فهو عبارة عن قواعد التفكير التي يشترك فيها البشر جميعاً"، وكان يرى ان المنطق هو " القسطاس المستقيم" و " ان اشكال القياس الارسطي هي نفسها " موازين القرآن". لقد اخذ الغزالي من هذا الفلسفة أيضا " المنطق" في هيئة الجدل لا البرهان.. الجدل ليمارسه في ردوده ضد الفلاسفة وخاصة من الاسماعيلية والباطنية. ولكن أين الأزمة الاسس عند الغزالي، ان الازمة أولا في ارتباطه بالدولة وقد كان اراد التحرر منها حين كان عاكفا على قراءة الباطنية والاسماعيلية والفلاسفة للرد عليها، ويطرح الكاتب تساؤلاً حول موافقة بعض اراء الغزالي لما كان عند أعداءه، واضطراره لابطال هذه الاراء، وانه تحايل للخروج من بغداد الى مكة للحج وكان يريد الذهاب للشام، وقد لاحظ القدماء تأثر الغزالي بآراء الباطنية  والفلاسفة ص 286 " يقول ابوبكر بن العربي الفقيه السني الذي كان معاصراً للغزالي : " شيخنا ابو حامد بلع الفلاسفة واراد أن يتقيأهم فما استطاع"، وكذلك لاحظ ابن تيمية اقوالاً للغزالي فيما يسميه بـ "أسرار الحقائق" في القرآن هي أقوال الصابئة المتفلسفة ولكن الغزالي " اظهرها في قالب التصوف والعبارات الاسلامية". اما الجابري فيقول : " والحق ان الغزالي قد تبنى في " تصوفه" الفلسفة الدينية الهرمسية بجميع أطروحاتها الاساسية". وسرد بعض الأمثلة التي تمثل الأزمة عند الغزالي وهو يؤسس لأزمة العقل العربي، فهو يقول بالعقول العشرة والعقل الفعال، انها الفلسفة الدينية الهرمسية التي حاربها الغزالي في " تهافت الفلاسفة" تبناها واخذ يؤسس لها،  ص 286 " وصارت مراتب الوجود عشرة : " فالواحد الكلمة والثاني العقل والثالث النفس والرابع الهيولى والخامس الطبيعة والسادس الجسم والسابع الافلاك والثامن الاركان الاربعة والتاسع المولدات والعاشر الانسان". أفلا يقول الغزالي هنا بقدم العالم على النحو الذي قال به الفلاسفة الذين كفّرهم ؟ ". ويتبنى الغزالي فلسفة الهرمسية عن الإله الصانع والإله المتعالي، وهو يقسم البشر في معرفتهم بالله، فيقول عن ص 287 " الواصلون" الذين يمكن ان يرون " المطاع" الاله الذي يدبر الكون، فيرونه " لا على انه هو الرب ذاته، بل على انه كائن الهي آخر متميز عن " الاول الاعلى" المنزه عن كل وصف. هؤلاء " الواصلون... تجلى ايضا لهم ان هذا المطاع موصوف بصفة تنافي الوحدانية المحضة والكمال البالغ". المثال الثالث وهو مسألة انكار حشر الأجساد والتصوف الهرمسي ينكر الاجساد في الدنيا والاخرة. اضافة الى قراءته الهرمسية الكيميائية للقرآن في كتابه " جواهر القرآن "، فيقسم القرآن إلى علم القشور وعلم اللباب، فعلم القشور للعامة أما علم اللباب فهو للخاصة وخاصة الخاصة. لقد حاول الغزالي المزج بين مضمون " البيان" و شكل " البرهان" وقدمه للعوام، ومزج بين " شكل" البيان ومضمون " العرفان" وقدمه الى الخاصة، " أما ما أَلغاه الغزالي بإصرار فهو مضمون " البرهان"، هو السببية، وبالتالي العلوم العقلية الرياضية والطبيعية".



بداية جديدة .. ولكن :


بعد أن وصلنا إلى هذه الأزمات التي تمثل جمود تكوّن العقل العربي يأخذنا الجابري الى المرحلة التالية التي مثّل لها بعنوان هذا الفصل "بداية جديدة .. ولكن"، وهي بداية أخذت في التحرر من هذه القيود التي جمّدته واتجه باتجاهات اخرى، ولكن هذه البداية لم يُهيأ لها الاستمرار في خلق نظام جديد في العقل العربي وصبغه بصبغته. وهذه البداية كان لها مكان وزمان، فالمكان هو المغرب العربي والأندلس، والزمان هو عصر الدولة الأموية في الأندلس وما تلاها من دولة الموحدين في المغرب، إنها تلك الفترة الزمنية التي شهدت تواصل تمزق وتشرذم الأمة وقيام الدول والدويلات التي عاشت برأي الجابري زمناً ايديولوجياً سياسياً واحداً له عدوه الدائم الواحد وهو : الشيعة. إذاً، فتأسس الدولة الأموية في الأندلس على يد عبدالرحمن الداخل كانت تلك هي بداية البداية،  فتُبنيَّ المذهب المالكي كمذهب فقهي للدولة وهو المذهب الوحيد الذي لم يجد تبنيا سياسيا له من قبل فاستعانت به الدولة الأموية في الأندلس، واُستخدم المذهب سياسياً للتضيق على المذاهب الفقهية الاخرى، لقد كان الاتجاه في الأندلس للخروج عن النظم المعرفية الثلاث ومحاولة خلق نظام رابع عبر خلق نظام جديد ومزاوجته مع أحد الأنظمة الثلاث. ومن هنا ظهر مذهب " الظاهرية" لابن حزم الأندلسي الذي يقوم على الأخذ بظاهر النصوص كما جاءت دون تأويلها تأويلاً يذهب بما دل عليها ظاهرها كما فعلت المذاهب الاخرى، وهو هنا إنما يؤسس للظاهر الذي هو ضد الباطن الذي تقوم عليه مذاهب الباطنية والشيعة. اخذ خلفاء الأندلس برفقة العلماء في تكوين مشروع تقدمي ايديولوجي لتواجه خصميها الدولة الفاطمية - الشيعية - في مصر والدولة العباسية - السنية - في بغداد، وكان عبدالرحمن الداخل يؤسس لمشروع ثقافي يعمل على " ابراز الشخصية الثقافية المتميزة للأندلس فشجع العلم والثقافة واقتناء الكتب"، ويلاحظ الجابري أنه كانت هناك ظاهرتين لهذا المشروع أولاً : " ظهور ابن حزم ومذهبه الظاهري، العقلاني النقدي من جهة،...، والثانية نشاط اليهود في الأندلس ثقافياً وفلسفياً ودينياً"، ووجد هذا المشروع توهجه في عصر الخليفة الناصر وابنه المستنصر والذي يمثل " مأمون" الدولة الأموية في الأندلس. عوداً إلى ايضاح مذهب الظاهرية في الفقه الذي يرجع إلى داوود الاصفهاني، لكن ابن حزم تجاوز المذهب الشافعي، ص 303 " انها تريد فعلاً تجاوز مذهب الشافعي بإعادة تأسيس " البيان" ككل، في الشريعة والعقيدة واللغة. ومن هنا، فإبطال ابن حزم للقياس الذي قننه الشافعي ورَسَّمه اتباعه ليس مجرد موقف فقهي بل هو موقف ايبيستيمولوجي عام يطمح إلى تأسيس " البيان" على أسس جديدة". إن حقيقة ما يؤسس له مذهب ابن حزم الظاهري هو "رفض العرفان الشيعي والعرفان الصوفي،..، ورفض القياس، قياس الفرع على الأصل او الغائب على الشاهد كما مارسه الفقهاء، حنفية ومالكية وشافعية وحنبلية كذلك، وكرسه المتكلمون معتزلة واشاعرة..". لقد رتب ابن حزم مصادر تشريع مذهبه على النحو التالي: القرآن والسنة والاجماع والعقل، لا مكان للقياس. مشروع ابن حزم كان تأسيس "البيان" على العقل والمنطق، فهو يعتمد العقل في الأخذ بالدليل ولا يقيسه على العلة الفقهية بل على اعتبارات منطقية أسس لها. إن ابن حزم يرفض " التعليل" في الفقه وهو يمتد بهذه الأداة العقلانية النقدية حتى العلل النحوية فهو يرفضها أيضا ص305 " ان العلل النحوية كلها فاسدة لا يرجع منها شيء الى الحقيقة البتَّة، وانما الحق من ذلك ان هذا سمع من أهل اللغة الذين يرجع اليهم ضبطها ونقلها، وما عدا هذا، مع انه تحكم فاسد متناقض، فهو أيضاَ كذب لم يكن قط ولا كانت العرب عليه مدة ثم انتقلت الى ما سمع منها بعد ذلك". ولذا فهو ينصح بالاكتفاء في النحو بما هو ضروري للإلمام بقواعد اللغة العربية أما التعمق فهو يذمه جداً. ها هو يتضح مشروع ابن جزم الظاهري، إنه تأسيس " البيان" على العقل والمنطق، فألّف في تعريب المنطق وتقريب لغته إلى القارئ البسيط، وقال بضرورة تعلم المنطق للمتفقه وأن من لا يعرفه "لم يجز أن يفتي بين اثنين"، وقام أيضاً بتجريد العلوم الطبيعية من الشوائب الهرمسية وهو هنا يرد على ابن سينا والحلاج الذين تبنوا الهرمسية والأفلاطونية المحدثة، وفي ذات الطريق رد على المنجمين وعلى القائلين بالخوارق والكرامات عن الأولياء ومنهم الأشاعرة. نستخلص أن ابن حزم أسس البيان على البرهان الذي اخذ منه العقل والمنطق، واقصى العرفان، فرفض التقليد وفتح المجال للاجتهاد واضفى على هذا المشروع الطابع النقدي العقلاني.


المِهدي بن تومرت وابن باجه وابن حزم صاغوا معاً هذا المشروع الجديد للدفع بالعقل العربي إلى الامام حيث يتحرر من جموده وقيوده، لقد أسس المهدي بن تومرت للدولة الموحدية حينما قاد حركة ثورية سياسية ضد دولة المرابطين في المغرب، وقد كان شعاره الفقهي في هذه الحركة الثورية هو " ترك التقليد والعودة إلى الأصول" وكان أيضاً يرفض الخطاب الفلسفي الفقهي " قياس الشاهد على الغائب"، وكان تأسيسه لدولة الموحدين على مشروع ابن حزم الظاهري المذهبي. فاستخدام للسياسية في الدين كان لخدمة مشروع ابن حزم، أما ابن باجه فقد استخدم الفلسفة لإنشاء واقع نظري جديد يخدم مشروع ابن حزم، لقد اتخذ من "أرسطو" العنصر الاساسي في مرجعيته، وكذلك استعاد الجزء الصالح من الفلاسفة المسلمين، ورد على الغزالي والتصوف العرفاني الذي انتهى إليه الأخير، ص315 " ويعقب ابن باجة في مكان آخرعلى ما ذكره الغزالي من أنه " شاهد عند اعتزاله أموراً الهية والتذ التذاذاً عظيماً" يعقب على ذلك قائلاً : وهذه كلها ظنون وأشياء يقيمها ( =الغزالي) مثالات الحق، وهذا الرجل بين أمره ( ... ) إنه غالط أو مغالط بخيالات الحق"، وابن باجة يرفض الصوفية من خلال المشاهدة العلمية لا بواسطة البيان، وهذا يعني أنه اعتمد جدا على المنطق والعقل والفلسفة في خطابه. وهنا نحن نصل إلى الحلقة الأخيرة في هذا المشروع الذي شارك فيه وجدده وهو ابن رشد.


ابن رشد 520 - 595 هـ
خطاب ابن رشد هو ذاته خطاب ابن حزم وابن تومرت وابن باجة، إنه تأسيس البيان على البرهان بكيفية خاصة واقصاء العرفان، ولكنه كان لدى ابن رشد " على مستوى آخر أغنى وأعمق". لقد أراد خليفة دولة الموحدين يوسف بن عبدالمؤمن -و الذي يصفه الجابري بأنه مأمون دولة الموحدين- من يبسّط منطق فلسفة ارسطو والمترجمين عنه لأنه كان غامضاً ولا يفهم الغرض من عبارته، وقد استدعى الخليفة أبوبكر بن طفيل صديق ابن رشد وصاحب رسالة " حي بن يقظان" وطلب منه أو ممن يراه ابن طفيل أهلاً لذلك حتى " يلخصها ويقرب أغراضها بعد أن يفهمها فهماً جيداً " ليفهمها الناس، فانتدب ابن طفيل صديقه ابن رشد لهذه المهمة، وبهذا فقد عاد ابن رشد إلى ارسطو الحقيقي لا المنحول وبسّط الفلسفة وعبارتها وخلّصها من شروح وتأويلات الفارابي وابن سينا. لقد استعاد ابن رشد مشروع ابن حزم بل وتجاوزه وأعاد تنظيم العلاقة بين البيان والبرهان، لقد بنى ابن رشد "استراتيجية خطابه على أربع واجهات" : أولاً : شرح أرسطو وازالة الغموض عن عبارته وألّف في هذا "المطول" و " الوسيط" و " الوجيز". ثانياً: " الكشف عن " انحرافات" ابن سينا في كتابه " تهافت التهافت".  ثالثاً: " الرد على الغزالي في كتابه " تهافت التهافت"، ....، الرد عليه وعلى عموم الأشاعرة ... في تكفيرهم للفلاسفة وتحريمهم للمنطق والفلسفة". رابعاً: " تنظير منهج " الأخذ بالظاهر" وابطال منهجية المتكلمين وطريقة المتصوفة". نحن إذاً لا زلنا في هذا البداية الجديدة، ص 323 " نعم، كانت الرشدية قادرة على طرق آفاق جديدة تماماً، وهذا ما حدث بالفعل، ولكن في اوروبا حيث انتقلت وليس في العالم العربي حيث اختفت في مهدها ولم يتردد لصيحتها الأولى، صيحة الميلاد، اي صدى إلى اليوم"، الجابري هنا يرى أن مذهب ابن حزم الذي جدده وأغناه ابن رشد كان بداية جديدة للعقل العربي ولكنها لم يُمكّن لها ان تستمر فانتقلت إلى اوروبا حيث كُفل لها الاستمرار والتطور، وهذه النقطة التاريخية الهامة التي أخذ الغرب فيها حضارة العرب والمسلمين وأسس عليها حضارته. إن الجابري يرى السبب في" " الحقيقة العربية المزدوجة" التي تحكم الحياة الفكرية العربية منذ عصر التدوين إلى اليوم والمتمثلة في التداخل بين العصور الثقافية في الفكر العربي من جهة وانفصال الزمان عن المكان في التاريخ الثقافي العربي وبالتالي غياب التزامن الثقافي العربي على صعيد الوطن العربي من جهة أخرى". وهنا قدم العقل استقالته مرة اخرى .. إنها " ولكن" التي في العنوان أعلاه. لقد عاد التيار الباطني إلى الأندلس وأسس للعقل المستقيل هناك عن طريق محمد بن عبدالله بن مسرة الباطني الجبلي، وتم احياء التصوف السني في الأندلس من خلال الاستعانة بمؤلفات الغزالي، وظهر الشيخ أبو مدين ( الغوث ) الأب الروحي للمتصوفة في المغرب " الذين لعبوا دوراً اساسياً في اسقاط دولة الموحدين". ص 325 " لقد انتصر " العقل المستقيل" في المشرق والمغرب واصبحت " الكلمة - المعرفة " لأتباع وتلامذة ابن عربي والسهروردي وتصوفهما الإشراقي الموغل في أعماق الهرمسية.."، وكانت مع هذه الاستقالة للعقل ظهور عصور الانحطاط الاسلامية، العصور الوسطى.. عصور الظلام. وعلى الرغم من المحاولات التي قام بها ابن تيمية فيما بعد في الرد على الفلاسفة والأشاعرة والمتوصفة والشيعة مستلهماً ظاهرية ابن حزم وتقنية ابن رشد في " منهاج الأدلة" .. " فقد بقيت السيادة في الفكر العربي للتقليد والشكلانية"، حيث انحصر الفقه في المذاهب الاربعة، واصبح مجرد مَلَكة، ص 326 " اي آلية ذهنية لاشعورية قوامها " تنظير المسائل في الالحاق وتفريقها عند الاشتباه"، وكذلك كان الحال في علم الكلام والمنطق. لقد كانت بداية جديدة .. ولكن.






العلم والسياسة في الثقافة العربية : خاتمة


يعيد الجابري في هذا الجزء الأخير من الكتاب بعض الأفكار التي كان قد ناقشها في أجزاء منه، فهو يؤكد على الحاجة إلى إعادة كتابة تأريخ الثقافة العربية الإسلامية لأنه قد شابها ما شابها من المعضلات فقصّرت عن الخلوص لطبيعتها، فقد اُرّخ للثقافة العربية الإسلامية باعتبار اختلاف الرأي ولا باعتبار بناء الرأي. وعاد مرة أخرى لما بدأ به الكتاب وهي مشكلة الزمن الثقافي العربي، لكن هذه المشكلة لم تكن عائقاً كما لاحظنا في تحليل "البنية الداخلية للمعرفة في الثقافة العربية" ولم يكن تحليل للمظاهر الخارجية فقط. وهو يستنتج من خلال هذا التحليل أن الزمن الثقافي العربي كان يعتمد في حركته داخل الثقافة العربية على " الاعتماد و الاهتزاز" = " اصطدام وتداخل بين النظم المعرفية الثلاثة المؤسسة لها، ولكنها لم تكن حركة " انتقال " ص 334 " ( أي حركة يتم الانتقال بها من مرحلة إلى أخرى ويتجاوز بفضلها اللاّحِقُ السَّابِقَ : يَنْفِيه ويُلغيه بعد أن يحتفظ منه بما يقبل الحياة والتجدد ). ثم يطرح سؤال : لماذا الركود الذي وقع للعقل العربي؟. إن التجربة العربية بكاملها وخاصة ازدهارها في عصر ابن رشد كانت هي بداية البداية للحضارة الأوروبية. وقد كان هذا السؤال اشتغال كبير من الفكر العربي الإسلامي الحديث وهو يناقش ( لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم ؟ ) وكتب أخرى، وهذه الكتب تناقش المشكلة في النص والبنية بينما ما قام به الجابري هنا كان ايبيستيمولوجياً يعني العقل العربي كأداة تفكير. ثم يدخل من خلال هذه المناقشة إلى العلم والسياسة في الثقافة العربية الإسلامية بذات أداة التفكيك وينظر إلى أثرها في تكوّن العقل العربي. فالعلم في الفلسفة اليونانية كان علة ضرورية لتقدمها " فإذا كان طاليس قد دشن الخطاب الفلسفي عند اليونان بالتساؤل عن العنصر الذي يمكن أن ترد اليه، عقلياً، جميع أجزاء الطبيعة ومظاهر الكون المختلفة... فإن خطابه الفلسفي إنما جاء تتويجاً لملاحظاته العلمية". لقد كان الدافع لتقدم الحضارة اليونانية هو اهتمامها بالإجابة على السؤال العلمي وتأسيس الخطاب الفلسفي عليه. لكن العقل اليوناني والحضارة اليونانية كانت تحكمها السياسة في شكل طبقات السادة والعبيد، الطبقة الارستقراطية التي تنظّر وتذهب إلى المعاهد وندوات الفلسفة، والطبقة الكادحة المفرغة من هذه الأفكار، وهذه المشكلة أدت إلى انتفاء التجربة والمعرفة الحسية في الحضارة اليونانية وكان هذا من أهم أسباب ضعفها. أما التجربة العربية فقد اشتغلت وارتكزت على ( موضوعها ) – النص " النص اللغوي بالنسبة للنحو واللغة والنص الديني بالنسبة للفقه والكلام" -، فطبيعة هذه العلوم العربية هو النص الذي بقسريته جعل العقل سجيناً له وفي دائرته، كان العلم الطبيعي وعلماء الظواهر الطبيعية مهمشين في تأريخ الثقافة العربية وتكوين العقل، وكان من أهم أسباب جمود وركود العقل العربي هو انعدام التجربة العلمية والمعرفة الحسية في تكوينه، نعم كانت حاضره بتقطع ولكنها لم تجد تبنياً واهتماماً يُسهم في بناء حضارتها كما فعلت الحضارة الأوروبية. إن الجابري يرى أن السياسة كانت تحل محل العلم في التجربة العربية، لقد كان الصراع ايديولوجيا سياسياً، فالدين ينتظم تحت الدولة والصراع يجري بهذه الطريقة. لقد كانت العلاقة بين الفكر والسياسة تتحدد بسياسات الماضي سواءً الدولة أو المعارضة، ص 346 " لم تكن سياسة الماضي أحداثاً وحسب، بل كانت أيضاً " سوابق" وأصولاً.. وبالتالي مادة معرفية ثقافية يتوارثها الخلف عن السلف"، ولم ينشأ علم الكلام ويتم التأسيس لـ " الجدل" إلا من أجل السياسة والدفاع عنها. لقد كان العقل العربي " يلتهم " نفسه بتهميشه للتجربة العلمية وعلماء الطبيعة على الرغم من مساهماتهم العظيمة في العلوم الطبيعية والرياضية وغيرها. ويُجمل الكاتب ملامح من التجارب العلمية التي كانت ممارسة علمية ناضجة حقاً، فينوّه بالتقدم الذي حققه الخوارزمي في الجبر العربي إضافة إلى السَّمَوْأَل المغربي " الذي تصور ومارس منهج " التحليل والتركيب" في الرياضيات بشكل ناضج جداً" في كتابه ( الباهر في الجبر ). كذلك ما قدمه الحسن ابن الهيثم " الذي مارس... الاستقراء العلمي و " الاعتبار" التجريبي بطريقة علمية تماماً، هذا فضلاً عن نظرياته الخاصة بالبصريات التي شغلت علماء الضوء في أوروبا لمدة طويلة" و أيضا.. " أضف إلى ذلك الانجازات العلمية في ميدان الفلك التي حققها البيروني والبتاني والبطروجي وغيرهم ..". أما ابن رشد فقد كان له دور رئيس في انتصار العلم في التجربة الأوروبية فقدم إليها ( وهي في ظل صراع وسيطرة الكنيسة على المسائل العلمية والظواهر الطبيعية برفضها كما فعلت مع جاليلو الذي قال بكروية الأرض وحُوكم، والإجابة عليها دينياً ! ) أرسطو الحقيقي، وحمل إليها الفصل بين الدين والفلسفة حيث كان الصراع الحاد بين " الفلسفة والكنيسة، بين العلم واللاهوت". أخيراً .. اشار الجابري فيما يشبه التحسر والتعجب حين يقارن بين ابن الهيثم والغزالي في الثقافة العربية الإسلامية، موت الأول مع أنه سبق الغزالي بثلاثة قرون وتوهج الثاني لأنه اعتنى بمشكلة النص، ولأن العقل العربي لم يكن مهيأ ليستقبل المنهج العلمي لابن الهيثم.. لقد كان غارقاً في الصراع الديني المذهبي الايديولوجي السياسي.





ـــــــــــــــ
تكوين العقل العربي
الدكتور محمد عابد الجابري
مركز دراسات الوحدة العربية
384 صفحة



abuiyad