قفْر



إنها ليلة عيد. هذا الضجيج الفَرح يتأبط وجوه الناس. عامٌ تام منذ بدأ يتلمسُ معالم هذا الطرف الخامل من المدينة. لم تمضِ بضعة أشهر حتى أدرك أنه لا جنة موعودة وأن الشقاء له غصّة أبدية. كل نهار يستنزفهُ الوقت في المسير ليحمل الحديد في عربته اليدوية. تلهث رجليه ويرقص جسده لمشيته العرجاء. وبيديه يقبضُ على قضيبين أخضرين من الطلاء قد تفسخا ولامست نعومة المعدن باطن يده المتعرقة. وكل ظلام يعود من مسيره المتكرر ليجد في فناءٍ مهجورٍ قصره الأثري الذي يتقاسمه مع أعداد من البشر الهائمة. بشر أضاعوا الوطن أو أضاعهم الوطن فانسلوا إلى هذه الأرض الخاوية المقفرة ليخلقوا لهم وطنا بين أطنان القذارة. ها هي بقعته في زاوية الفناء تشهد له بالجذور والسكن. منذ عام تام حارب ليلج هذا الفناء وهو ينام في خواء وسهد وخوف جالساً القرفصاء كأنه يلد وطنه الجديد. رحلة النهار والظلمة سرقت منه وطنه مرات عدة. اختفت في الشهور الأول مرتبته التي ينام عليها وحين صرخ مزمجراً بالوعيد اجتره الأوغاد من قدميه على وجهه ليفهم قانون الوطن الجديد بين يدي الزعيم المبتسم وهو يتقلب على مرتبته منهكاً في فاكهة الجُحّ قد أعيته لذتها. بات للوطن المنهوب قانوناً وعليه أن يطيعه ليعيش. استحضر دوماً نذير جدته ألا يلجه الحرام ولو كان هواءً. في الأيام التي كان يضعف فيها سوق الحديد وطلبْ السكراب يعمل كمساعد في دكان الخضار ليغسل عنها تراب المزرعة. لكن احسان طرده حين عاد ابن خالته من إجازته الطويلة. كان احسان يأذن له أن يأخذ ما فسد من الخضار كجزء من أجره الزهيد. ولكنه لم يبال. إنه حيٌ وهو يشعر بالعَرق يتدفق من أعلى رأسه ليمسح وجهه ويغطيه. كان سوق الحديد قد ركد وبارت سلعته. فاقترب من أطفال الحي في شطره النظيف حيث تزداد الإضاءة الحمراء أناقةً ويخفت عواء الضجيج. باع لهم المُثلجات في ترموس. لكنه لم ينجح. طرده الآباء وطاردوه ولعنوه ونهروا أطفالهم من الاقتراب من هذا الرجل الغريب الأعرج. دعاه زعيم الفِناء ووطنه الجديد لينضم لعصابته ووعده بليالي من الجُحّ البارد الشهي. سخر منه وقد رأى مرتبته قد تحولت لأحد ابني الزعيم. بقي صامداً. ما هذا الوطن الذي يحميه؟. الوطن العالي البنيان الرابض في أعمق أعماقه. الوطن الشامخ. الوطن الصافي الأبيض الفضيل. إنه يجهل كيف بُني فيه وكيف سكنه منذ أزل. ولم يقدر على القفز من فوقه أو تجاوزه .تُعاوده صورة جدته وهي تدخن بمجلسها الأثري عند باب بيتها الأزرق. كم يشبه باب بيتها باب هذا الوطن الجديد. راقب لأيام وفي خِلسة بعد أن لسعه الجوع، ثروة العصابة التي لا تتوقف. حتى إنه تأكد أن الزعيم ينام في الغرفة الجديدة المشيدة من الخشب. وتحسر على تجارته. ما فائدة الحديد وبيعه؟!. صافح الزعيم عند باب غرفته في هجير تلك الظهيرة وعدد من بشر وطنِ الفناء ينظرون إليه في تمعن وصمْت." لتكن كما أنت بجوعك. لتَمُت رجلاً شريفا. لا تمت مثلنا ومثله ". هكذا باحت الأعين لعينه. لكنه تمسّك بقبضة الزعيم .كانت أولى المهام أن يرافق ويراقب شحاذاً محترفاً يخشى الزعيم أن الشحاذ لا يعطيه كل ما يصطاده. وفي أول نهار اصطاد الموت البشع الشحاذ المشكوك في أمره، حين دهسته شاحنة غافلة هو والطفل أشقر الشعر الذي يحمله بين يديه ليستعطف النفوس. عاد وفسخ عقد الزعيم وتقيأ قطع الجحّ التي تناولها ليلة البارحة عند باب غرفته. وبعد حين أغراه بعض سكان أوطان أخرى في المدينة بالرحيل لمدينة أخرى معهم. استأذنهم لحظة وذهب مسرعاً يعرج لسوق الحديد فوجده بناية قد قاربت على الجَهاز. ضحك بدموع ومسح العرق النابض به وعاد ماشياً متهالكا ينشج حسرة. وجدَتُه تنفث الدخان نحو السماء. كأنها تُشيد الشيء فيه. تشبث بوطنه اللاوطن. هلّوس كثيرا بأن يغوص في الصحراء عائدا إليها يُسلمها جُثته لتدفنها جنب أختيه ولكنه خاتل هذه الأفكار الزانّة. أحرقته شمس النهار واشتد كظمه. وفي ليلة المطر تلك زمجر في وجه الزعيم فأعاد له الزعيم مرتبته القديمة وقد فاضت برائحة القطط والبول. وقفَ يتنفس السماء والمطر يغسله ويغسل عَرقه المتجذّر في الأرض. أحصى الحديد المكوّم في زاوية الفِناء وراح يعرضه على الناس في ليالي رمضان مع بائعي المنقى وسيدات الفستق والذرة. من يشتري الحديد ؟ من يشتري ؟ لا أحد..لا أحد. لا بأس أيتها الجدة . إنها ليلة عيد وأغنية وطن. وانتهى حلمه في الصباح، جثةً مُلقاة تحت ظلال الحديد، ورُوح الجدة تُحيطها بالدعوات والنفوث والتراتيل، يُجرجرها زعيم الفناء، لينهب أعضاءها ويبيعها لسماسرة مستشفيات المدينة فتُرمم بها أجساد قد أصابها العطب ولكن لها وطن.




abuiyad