تَوأم




إلى نذير
أو رُوحه ..








في رقةِ من الروح يَعُدُّ بإصبعه الصغيرة الشعرات البيض في لحية أبيه ويختطف من عبثه الضحكة الآمنة من بين الشفاه القاسية. في حين كل عصر من خميس تحتضنهم التلة القاحلة وحرارة الشمس تبعث رائحة الأجساد مختلطة بنكهة الثياب البيضاء وعطر أبيهما العتيق. وفي وجهيهما نظرة تحارب تلك الأشعة التي تجعلهما لا يران فيولان لها ظهريهما كما فعل أبوهما. وأيامُ كانت تخضرّ التلة في الشتاء يبتسم الأب كثيراً لعراكهما. يناولهما قطع الذرة المشوية بعناية ويغرق في الصمت معهما وهم يلتهمون بلذة. كبرا هنا. التلة هي مرباهما. حتى تلك المرات الكثيرة التي نزل بها المطر في عصاري الخميس الخالدة كانا يضحكان والماء يكشف تفاصيل جسديهما والأب يطاردهما ليقبض على أحدهما ويرسم أشكالاً بدائية بشعره. أما هو فقد بات أكثر قرباً لأبيه وهو يشعر بالفتوة تنبتُ بنخاع عظامه. ثم اعتاد أن يقود المركبة نيابة عن أبيه. ويقدم الذرة المشوية بنفس تلك العناية القديمة. وفي تلك الأيام حكا لهما الأب عن تفاصيل أمهما. وكيف غادرت بابتسامة صامدة وهي لم تتخطى الخامسة والثلاثين ؟ وأن الشوق والفقد كادا يذهبان به لولاهما. وأن وصيته الوحيدة أن يكون في التلة قبره حيث كانت ليالي الحب والأحاديث الطويلة الساحرة مع أمهما. ثم انتفضا لعناقه وهما يتمتمان بدعاء البقاء وطول العمر. وبعد سبع سنين فارقهما وقد انقضى أول شهر من زواجهما وهما في الثالثة والعشرين. ولم تخلو التلة من أول حضور مرير. والسكون يخيم بطيفه يعالج الفقد بتلك الأرواح المعذبة. وفي المرة التالية لم يحضر أخيه فاقترب من القبر وأرسل دموعه يدري انه ينصتُ له. وبقي حتى حلّ الظلام وتعالى نبح الكلاب في بطن الوادي فمضى يقدم الأعذار لأخيه. ولكن الأخ اختفى. وحين وقف مع والد زوجة أخيه عند مسجد القرية قال له : قالت لي أنها ستسافر مع زوجها أسبوع وستعود. وانقضت أسابيع. وأختلع من فؤاده صورة أخيه وهو يلعنه كل لحظة حتى عند القرب وهو يناجي أبيه. ولكن الذكرى لم تتركه بل كادت أن تقضي عليه. ثم اشتدت عليه ليالي الأرق ونهارات القلق. ليتقلب في جحيم. لماذا اختفى هكذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟. عاود زيارة طبيبه النفسي فقد قض منامه رنين الجرس الذي يصم بأذنه ويخلق في روحه الهلع. أجهضت زوجته مولودها للمرة الثانية. نسي مذاق الذرة. تهلهلت جبال الصبر التي أحياها والده. والندم يخرق في قلبه بقع سوداء ساخنة. ولكنه بقي وفياً للتلة مهما ازداد زوارها ليلاً ونهاراً وأضجره ذلك. يسرح ببصره لأولئك الأطفال فكأنه برائحة عطر أبيه تلاعب أنفه. ثلاث سنوات من الاختفاء. ثلاث سنوات حتى وردته مذكرة من الشرطة تقضي بنبش القبر وتشريح الجثة مرة أخرى. وصُعق. ودفع رثاء الناس بكلتا يديه وعينيه. وصُعق أخرى حين وقعت عينه على اسم أخيه في ورقة استدعاء المحكمة. ماذا فعلتَ يا أخي؟ و ماذا أصابك أيها المعتوه ؟. عاد الخميس بترددٍ قذرٍ يجذبه مرة ويدفعه أخرى فيغرق في صمت يمحي ملامح كائنه الانسان. " المكان مغلق ". ولكنه يتسمّر أمام القبر المفتوح. وذكرى عصاري المطر واللعب تمخر في روحه كأنها رحلة غياب أو وداع جديدة. عليه أن يستعد لها. قال القاضي له :


- هل قتلت أباك ؟

- لا.

- ثم قال له الطبيب الشرعي:

اظهر التشريح الجديد أن أباك قُتل بسم الثاليوم ، وهو الذي أدى لاجهاضات زوجتك. وقد تعرفتْ على رائحته في المختبر وقالت انك كنت تخفيه في صندوق مركبتك.

ماذا فعلت يا أخي؟ ألم نتفق على توديعه معاً ؟ ألم أرش الثاليوم في كوبه كل ليلة بجرعات صغيرة كما أسررت إليّ حتى لا يقضي فجأة ؟ ألم تقل أن أبانا مات مع رحيل أمانا وإنه يبحث عن الخلاص؟ آآه منك. أيها الوغد. أيها الطماع. أيها الخبيث. ترغب في كل شيء لوحدك، حتى التلة.


jeddah 18.2.2011


abuiyad