انعتاق












هذه النافذة لا تمثل ملهاة. مكانها هذا مركز لثبات حركة الكون. كل ما تقع عليه أبصارنا أو تتحسه حواسنا هو سبب في إتزان الحركة الأرضية الرتيبة والحركة الجُرمية العملاقة. كنت اسرح في ربوات فكري هكذا، سلاسل تجرّها سلاسل حتى انقطعُ عن تيار الحياة من حولي. قد اتصلت أوشاج أفكاري بساحة رديفة مظلمة تنبعث منها رائحة تماثل روائح خزائن الورق أو مستودعات ألعاب الأطفال البلاستيكية. كانت ليلة عيد وأنا اُفضي برجاء حاسر أن يكتب الطبيب لأخي المريض ورقة الخروج. يتداعى الليل وينفرط النبض في قلبي إلى تسليم بالبقاء وتضييع فرحة عيد أخرى كئيبة في غرفة المستشفى الدافئة حيث تحتفل الممرضات بالعيد على طريقة أكثر هدوءً وعمقاً. تطالعني هذه النافذة وكأنها تغازلني وتثير فيّ هوايتي القديمة .حينها انساقُ في ظلال من اللحظة لتحليلات عقلي العقيم ينتشلني من سرحاني هذا صوتٌ مصدره الكهل الذي يتفيأ من مرضه معنا في ذات الغرفة وفي السرير المقابل تماما. وصوته هذا ليس سوى دعوات ممهورات باللعنات والشتائم لكل من يعرفهم، كأنه اختار أن يصفي حساباته الأخيرة على هذه الطريقة التي ارتضاها وربما وجد لها قبولا ورضا داخلياً أكثر. حتى هذا الشاب الذي يتعاهده في سكرات الليل وحين ينطفأ مثار الألم في جفون المرضى وتنهداتهم فيما يشبه السكون الرحيم، فإنه يكيل له وللممرضات أقذع السِباب، فيلعن أهله وأباه وكل رجال قبيلته الذي وصفهم بالمخنثين. ثم ينثني السكون مرة أخرى، فتنثني فيّ فرائص تشوّقي لأعاود انعتاقي من المكان وأجدد انهماري المتدفق وأصب توهج وعيي خارج مسارات اللحظة، وانسل نحو تلك الهضبة المظلمة الغائمة في باحة رأسي الخلفية. منذ كان يترائى لي في صغري الكائنين المُصلصلين وعيني تتحد بالفراغ وتتشبث به مخترقته لتعبّر عن حيلة الهرب، فتتحول فريسة رخيصة لهما، يمْثلان أمامي قد احتلا الصورة التي تشبثت بها عيناي - وغالبا ما تكون الجزء الأعلى والأخير من الحائط، فتنقلب هذه الصورة لخلفية مائية بطيئة الحركة، بينما يستغلان جمودي وذهولي البرئ ليلجان بوقاحة حدقة عيني. إنهما يتعديان بسفالة على حرية حاسة بصري. منذ تلك الغفوات المرتبكة المنتبهة وأنا اشك بإختراق حواس رأسي. هناك دخول غير شرعي يقتطف الوجل المثمر في ظلمتي ويعوّضه أسنمة حارة ولزجة من الشرود والحُلكة الدافئة. يُصلصل الصعلوك بصوت زئبقي فُخاري فتصم أذني، وتنبرح في انضغاطِه الدنيا ويشتد انخناقي، ثم يزمزم بكلمات غريبة فكأنها أصوات صاخة قاهرة كرقصات باذخة أمام شعور يقدس السجود لله، يزيدُ معها هلعي، وانقلب أسيراً لجنون كلماته وحكاياته التي تدلق الرعب في باحة نفسي. وهو يفعل كل هذا لوحده قد اختفى صديقه ذو الهامة العظيمة والهيئة المتضخمة والصوت الزنان النحيل. وهما كل مرة يحتلان أذني وبصري ويتبادلان الأدوار الشريرة. ولا يكاد يزحف الضحى إلى شرفة أشد سخونة إلا وتُقبل أمي تفك قيدي وتحررني دون أن تعلم من هذه الساعة الشاقة وهذا الاحتلال الأثيم. الضحى الذي يبتلع أمي فتنتقل بقهوتها الصباحية بين جاراتها تبادلهم الزيارة والأحاديث انقلبُ أنا فيه خردة حية محبوسة يعيث فيها هذين الشيطانين بصورتيهما وصوتيهما الملعونين. منذ ذلك الحين وأن اتحسس الكون المحفور والمخمور برأسي. هذا الكون الغامض يشي ببُعده الممتد حيث نستودع فيه كل تفاصيل ألواننا وحياتنا فكأنه يخلق عالماً جديدا داخله ويبسط بضائعنا في فوضى بيّنة، تروقه وتُصيبنا بتوتر كهربائي يُشكك فينا حواسنا الخفية وكأنها لم تعد قادرة على تحسس حوائجها في الظلام، أو وكأنها تبدو في صورة معكوسة تتطلب بعض الوقت لاستيضاحها والتثبت منها. آثار قضمات ناعمة في حواف بوابة قد خُلّعت فيما يشبه خلعها فض بكارة همجي في مبتدأ مساء ليلة في مدينة تركها الحريق بالأمس رمادا بارداً. ينبعث السواد في هيئة أنفاس الداخلين لهذا الكون. بينما ينتشر الظلام في هالات موزعة حول تلك الألياف باهتة الألوان وهي تقطر ثمارا ويرقات مُتدلية بأخيطة ورؤوس وجوهها مدموغة ببواطنها. معزوفات وهمية غاية في البذخ لا تُثير مكمن الشعور البتة ولكنها تستغرق وقتا شاطئياً لتنقضي. تنطوي في ثنايا عتبات هذا الكون مطايا تقود إلى حيث تتلاشى العلامات والأسهم حيث يتنافس المكان والمطية للظفر بفوضى الغرق في درجات أشد انتثاراً وتحللاً في ذات الفراغ الدامس. حيث تتشوق الذات للوذ بركن الانبعاد والعدم أو حتى التنزه في تيه يشبه الدخول من صحراء المجهول اللامتناهية، فهذا الدخول غاية الكرم والإنعام فما هو سوى الانعتاق من الذات الحاضرة، أما الخروج فلا يُجدّف بالهاربين إلا إلى الانكشاف والفضح والتمشي بين ظهراني الشقوة. وفي ساعات فاحمة أخرى، تتماسح الألياف الباهتة في عتمة الكون وتتناجى على استضافة الغريب الزائر -ليس سوى أنا- لتُقدم له جولات تعريفية بجغرافية سواده الممتد والمنغمس ، فيزجرها ويعتلي منصته السامقة ويصلصلها بيده إلى كائنات تماثل كائنات كونه المُبصر، يُصلصل الأبل والكلاب والجبال، ثم ينزلق من منصته لأرض هاوية محروثة ببقايا البدايات التي لم تكتمل. ينقلب طائرا جارحاً في عتمته اللامترائية ثم جرواً، ديكاً، حجراً، شيئاً أبكماً.. ينغرس بذرة.. يتفرع غصناً.. يناور جذراً.. يتكثفُ دمعاً .. ينقرح دملاً.. يتشابك خاطراً.. ويصرخ فكرة.. فكرة.. يتشقلب .. يتشقلب في ساحة رأسه الخلفية المظلمة. يمضي حراً لا سيداً لا عبداً.. حراً. ينحني مستئذناً لحظته، وينسل متحفزاً يغريه لعاب الظلمة التي تحيل لحظة صحوه إلى انغماء متناغم محفوف بالهاويات القطنية المسالمة. يتمخض كوناً موبوءً بالغرق المُنسي، ربما هو الخيال في أدق تعابير الانعتاق من اللحظة والشرود بها إلى الكتمان. تنجفي الظلمة في قاع كلمة بذيئة مكررة أرسلها الكهل في منتصف هذه الليلة. حيث عاد يوشوشني أمل كاذب ونداء أفاك ينزوي في بقعة صدري المضطربة، ويضمر حسن نية بالطبيب الذي سيُقبل فجأة ويمنح أخي ورقة خروجه لأنصرف معه. انتصفت ليلة العيد ودنا السَحر وصوت أم كلثوم ينبعث من جوالي " يا ليلة العيد آنستينا ".. والطبيب لا يأتي. 






abuiyad