رُمانة












عاد موارباً جرحه يفتش عن صحوات جدته الصباحية. عاد ليُلملم شتات حكاية قديمة أنصت لها زمناً بين يدي جدته. لحق بها ترعى بغنمها بين مزارع الجبل. أسقته من قربتها وحدثته عن حال الغنم. ثمل بروحها الساخرة وتاه مع دورة حكاياتها. ينزقه جرحه فينشر تقاسيم الألم بغتة في جداول وجهه. واقتنصت جدته تلك الرعدة في محياه. أدلج ليلته في بيتها في جلبة دون راحة. فطنت لحيرة الرجل والحديث المعقود بلسانه. خرجت إليه في فناء الدار تحذره من هجمات القرود عند السَحر على بقايا الخبز والجُحّ. سألها وروحه تنحني عن حكاية قديمة كانت تحكيها له في طفولته. فاستقبلت طلبه الغريب بضحكة أماطت الستار عن فيهٍ خلى من الأسنان. في المساء ودعّها وقبّل بين عينيها ودسّ في جيبه هديتها. ساكناً في رحلته الممتدة بين قصورٍ مهجورة وصور فرضتها حكايات الجدة منذ الزمن الأقدم لأتباع من الجن تحيط بزوار هذا السبيل بين القرية والجبل. تناول ذكرى رمانة الأولى بعناء طفولي وعناية اللحظة. ترفل في ثوبها الأبيض في خيمة العرس تزفُ أختها الكبرى وهو باسطٌ إليها نظره حينما بصُرتْ به وأسقته نظرة طويلة آسرة، لحظة تبعتها لحظة حتى تعثرت وسقط الشمع بفتيله المشتعل على أطراف ثوب أختها العروس فكاد أن ينقلب نواح ومأتم. وهناك في فضاء تلك الذكرى المتجددة تُكمل "رمانةُ الحكاية" الدور في أطوار تأمله. فتتشابه صور الخيال بصور الذكرى. وتنضج الصغيرة في ثوبها الأبيض ليحمرّ في لون الغروب الأخير. وتصعد فوق الشجرة العظيمة فتحترس من أطماع أشرار الأنس والجن. وكل من أراد أن يظفر بها يخسر إذ أنه حين ينادي الشجرة يسألها أن تحط بهذه الفتاة الفاتنة بغير ما أسرّ به أباها للشجرة أول مرة. يجب أن يكون النداء ذاته وإلا فستجاوبه الشجرة بردها المعلوم: " أبوها ومرسوله يُمدّون.. وغيرهم بالشر يبعدون !". من أين وكيف يقدح في خبايا عقله ذاك النداء؟!. فتَحضُرُ الجِمالُ الثلاثة بسرعة الخيل الأصيلة وتركع الشجرة لتنسل أمانتها في هودج غِداف. فيفوز بها وبمباركة أبيها. ما هذا النداء؟؟ ما هو؟! . اختصرت جدته الكثير من الحكاية فقد مُحي من ذاكرتها تفاصيل تلك الحكايات التي كانت تحفظ بها أحفادها من الخروج إلى الطريق فتتخطفهم الجن أو يهوون في البئر المعطلة ناحية أحراج الحظائر الخَربة لسيد القرية. امتد مع هذه الرحلة شوق البقاء لتفقد أحوال الرفقاء. وكذلك الأعداء، ولكنه رماه وسحقه تحت هالة رمانة التي تُتَوِجُه وتتوهجه. والاشتباه الذي قض مضجعه. أما الحلم الأول ورمانة الصغيرة والتي كانت تكبره بأربعة أعوام فإنها اليوم مشهورة بالحياكة وفذة بأصناف القماش يقترب ابنها راضي من التزام دروس الحساب مع أنداده في دار سيد القرية. هذا ما عَلِقَ من أنباء القرية بذاكرته من حديث جدته. كأنه عاش حياة مخيبة الآمال. يمتنع الحلم فيها أن يكمل دورته كان حقيقة أو خيال. توسد شغب الأيام وانتظر شروق الحلم قبل أن تتخطفه أحاديث النفس ووشوشات طيور الليل وهو يبكي للنجوم وحيداً. وفي ظل كهفه العجف حباه منادي الطريق فرصة أخيرة قبل أن يواري هذا الجسد المختزنُ حبه وشوقه ووطره في التراب. عاد إلى رمانة الأرض والحقيقة. فالتقى في المسير منازل جدته وقد تحولت دوراً واسعة مرتفعة. والتقى راضي بمكانة عالية ومهابة شاب متعلم في بطن السوق، يدور حوله السوق. فسلّم عليه وقرأ عليه مشاعر الرحمة لوالده. وضحك على صاعقة السنين التي أحرقته .مشى يتكأ على عصاه إلى بيت رمانة يستذكر الطريق. ويعتلي الآكام. حتى إذا انتهى إليها. جَهلتُه لحين ثم تراجعت صرخت ضحِكت واعتنقته. وفي نهاية شهره الأول ذاك وقبل أن يتجرأ الكهل ليفصح بحبه الطفولي لحقت بزوجها. فخرج من تلك القرية حاجاً إلى كهفه. يحكي لنفسه حكاية رمانة الخيال في صدى من الشقاء والرضا والانقياد. ويسكن لوهلة..ويهمهم ليتأوه ويقول: يا ترى يا جدتي .. ما كان نداء تلك الشجرة؟! ما كان ؟!

18.2.2011 jeddah 







abuiyad