الاتجاه دائما يكون إلى الأمام






لم يعد يَرَاعني النظر إلى هذه اللوحة حينما اقود المركبة في هذا الطريق الأثير. الطريق الذي تنتثر على جوانبه بيوت متشابهة. وقليل من المركبات المتوقفة بشكل عاديّ عند بواباتها. لم تعد تسترعي انتباهي هذه الأسهم التي توجهني إلى المكان الذي ابحث عنه. أعتقد انه ربما لا ينتفع  بإشارات هذه اللوحة سوى عدد محدود جداً من الناس كل بضعة سنوات. الجميع هنا يعرف جيدا ان فرشاط إلى الأمام وجبل هادا إلى اليسار. وانه بالإمكان تسلق الجبل بالمركبة في طريقه الافعواني والخروج من الجهة الجنوبية للجبل. الارشادات المُتكررة تتحول تلقائيا إلى معلومات مُخزنة لا نحتاج أبدا إلى استدعائها، بل هو الغباء استدعائها. لَكَم كان الطريق إلى فرشاط يقضم مني قضمة ساخنة تشبه الألم وهو يقتطع من اللحظة حُسنها كلما اجتزتُ منه أمتارا. كنتُ اقطع هذا الطريق الطويل بصحبةِ أخوتي إلى حلقة لتحفيظ القرآن الكريم، لكني لم أتعلم القرآن هناك بل تعرّفت فيما يشبه الأثم الفادح برامبو. من تحت هذه الجبال والبيوت الساكنة خرج لي البطل رامبو. كان الاتجاه إلى الحلقة مساء كل يوم يمثل لي تمردا على هذا الاتجاه المفروض عليّ. وفي ضيق تلك الحلقة المُشددة حيث نُجبَر على قلبِ وجوهنا إلى حائط المسجد حتى لا نتخطف بما يحدث خلفنا من صور لبشر أو منظر وحتى لا يشغلنا  عن أمرنا شاغل. الاتجاه الذي نسلكه في حياتنا رغماً عنّا وعلى جهل من ادراكنا هو انحراف باطني إلى اتجاه آخر، نفتش عنه بكل حواسنا، بل ونستدعي فيه لذة غريبة لأدق اكتشافاتنا. إني لا انسى تلك المرة التي عبّرتُ فيها عن رفضي للإذعان الدائم للذهاب لحلقة التحفيظ، لقد تمردتُ، واختبأت في خوف وعزيمة متعاقبتين عند دواسة الأرجل حتى ولّى زمن الحلقة وكشفني الصبية وهم يستطلعون المركبة وانطلقوا في جموح بهذا الصيد الثمين، عُوقبت ولكني عرفت طريق التمرد وتلذذت بالمسير فيه فيما بعد. الطرق التي نسلكها عادة نتجرعُ للمضي فيها وقتاً رمادياً أجوفاً، لأن الاعتياد يُفقد الأماكن والزمن لونه. ونحن البشر نُقدّس الانزلاق في جدول ما تقتضيه العادة. وكأننا بُهُمٌ قد تَعلمَ طريقها إلى المرعى فإنها تشعر بالضياع إن حادت عنه. لكم حَفِل طريق فرشاط بشطرٍ من هنائي في هذه الدنيا. إنه يمثل البقعة الشاردة من أطراف الكون حيث تجتمع روحي في كامل زينتها دون قضمة أو حسرة أو انشطار. وأنا أقود مركبتي في هذا الطريق الممتد بين الجبال المظلمة أشعر أني عبدالله. وهكذا فلا اُدرك في تلك اللحظة أي اتجاه امضي إليه غير الاتجاه الذي يأخذني حيث أنا. و"أنا" تعني الطمأنينة في ظرفِ اتقادها. أول مرة فطرت فيها في نهار رمضان وأنا في جذوة طيشي كانت الجبال تخبأني أنا وصديقي عن أعين الناس، لم تكن اللذة في مجرد الإفطار، كانت اللذة في الشعور بالهتك دون عقاب، والسير خلافا لتيار هؤلاء البشر، ثم الانفراد بالذنب إن أمكن.  إن في اقتراف الذنب لذة مبطنة بالتوبة والبكاء وطلب المغفرة من الله. وقد كان الطريق إلى ذاك الجبل الذي يخفينا عبر طريق فرشاط هذا، حيث امتدت فترة التمرد. في الليالي القديمة كنّا نعرف جيدا المركبات التي تتجول في هذا الطريق، كنّا نعرف جيدا مركبات بائعي الحبوب المخدرة ومواعيد خروجهم واختفائهم، نعرف ألقابهم ولا نرى وجوهم، ولا أعتقد أننا كنا صيدا ممكناً لهم، فنحن نتجول هنا لمجرد التجول والعلم بما يحدث في هذا الطريق طوال الوقت إن أمكن. أما الشؤم الذي كان يحمله هذا الطريق فهو حوادث المركبات التي كانت تتزايد مع نهاية أيام الأسبوع وعصاري المطر، أما إذا اجتمع يوم الأربعاء بالمطر فإننا نخرج ننتظر حادثٌ مميت أو رجلٌ ملقى على الشارع ينازع الروح. تخرج الناس للتنزه والتلذذ بنسيم فرشاط العليل ويخرج أحدهم ذاهلاً ليفكّ العلاقة المضطربة بين روحه وجسده ويغادر الدنيا غريبا على نظر من المتأوهين أمثالي. أكثر هؤلاء الميتين في الطريق من الرعاة النازحين من اليمن والصومال حيث يرحلون غرباء مرتين. وغير بعيد عن هذه اللوحة ذات الاشارات الغائمة عن عيني كانت لي تجربة أليمة تكسّر على إثرها فك وجهي العظمي إلى ثلاثة أجزاء وخُلع من مكان واحد. أخذني هذا الاصطدام باتجاه تجربة مشحونة بالغرابة واللذة، كان اهتمام الناس يُثير فيّ شعور ورغبة مُلحّة بأن تمتد أيام مرضي، فهذا التعاطف نحوي جعلني استخف بفداحة الضرر على تحصيل النظرات المتكاثرة لوجهي الذي تحوّل لما يشبه كرة القدم الأمريكية في أبعاده المنتفخة. لقد سمعتُ عن هذا المرض أوهذه المتلازمة العجيبة، أن يتعمّد البعض الوقوع في المرض ليُحصّل التعاطف. آآه من يبيع للناس المرضى لحظة من وقته يُشعرهم فيها بأهميتهم في الحياة فيستلذوا بها دهراً. أما في قريتي فالاتجاهات اصبحت مدموغة بالدسائس التي تُشعل الحياة. إن البشر هنا يحسدون الحسد على وجوده، مرحى لبِذر الحسد في أرض خصبة في قريتي. هل تعتقد أن فضاء القرية هو أكثر حميمية وقُربا وأن وشائجه متينة؟!، نعم هي متينة إلى تلك الدرجة التي ترى فيها الحسد من الأعين مباشرة دون أن تطلب عليه دليلاً. في قريتي الصغيرة ترتعش الخطوط والأسهم وفقاً لقوة جذب الأقطاب. لم أكن أعتقد أن المكيدة ستمتص من الناس آدميتهم، وأن الشقاء سيشُدّ البعض من نواصيهم حتى يَذُرّهم في رماد المأساة، كما في المرويات القديمة الأثيرة تتعقد الحبكة في قريتي، وأعيش التفاصيل كما أني سأشهد على كل هذه التفاصيل بذاكرة مُشوّهة بعد سنين طويلة. انتشر السحر هنا، وأخذ البعض يتهم أناس بأسمائهم، وأن الرجل الصالح في البلاد البعيدة أخبرهم أنهم اصحاب ضرر وعملِ قديم، وتنازع الناس على شهوة الفتك، تَمُدهم النفس بزخمها الحاقد الناقم الغائظ. فهكذا هي الأرواح في قريتي مغتربة في حصنٍ من القربى، تنتطلق باتجاهات متنافرة كأنما هي أقطاب لا تتعارف ولا تتلاصق بتشابهها. وهذه الأرض أيضا تحملُ نفوسا طاهرة عظيمة. هذبتها الحياة السالفة فكانت مرتفعة كريمة. حينما يحكي لي والدي شيئا من خصائص شطره الأول في الحياة حينما كانت الأرض غير هذه الأرض، لا أضواء تشعها الكهرباء ولا مركبات تشق الطُرق ولا تقنيات تختصر الحياة وتسخرها.. حينها كانت النفوس أكثر وضوحا. ترتسم عليها اتجاهات وأسهم وضاءة حيث تبصرها كل الأعين. يقضي الناس معظم يومهم في الزراعة والرعي ولوازمها. حيث يعرف الجميع أين يذهب الجميع. كان للرجل الأكبر والأقدر الحُكم والسمع والطاعة، كان الكل بسبب هذا القرب والمعرفة يعرفون جيدا مكانة كل واحد منهم وهم بعد ذلك يسيرون على قوانين تصنعها القرية ولا مكان للتواري أو التذاكي أو الاختلاق. اليوم في ذات القرية انتشرت العنصرية، كل جماعة تجزم بعودة نسبها إلى رسول - عليه الصلاة والسلام - حتى أولئك الذين كانوا عبيدا عند جدي قالوا بأنهم من آل البيت. أنا لست عنصريا أبداً. بل انبذها بشدّة وكل عنصري . ولكني ارفض هذه الاتجاهات التي تخلقها الفوضى في قريتي. لقد ظلم أهل القرية تعاليم القرية. وتعالوا عليها بهذا التحزب والتكدس في جماعات متعادية. كل هذا يشبه المسير في الطريق إلى فرشاط بعد غياب طويل، حيث تهطل عليّ الذكرى كمطر أثير حبيب يعالج جِراح حارة لا تبرد. بعض البقع في فرشاط تشبه أماكن خاصة في قلوبنا نمرُّ بها في مناسبات قليلة، لا نجلس فيها بما يكفي لتقديرها، ولكننا نطبطب سريعا عليها لموعد قادم، وهكذا يصبح الالتقاء شحيح مهما تكرر. هناك جسر أو كوبري - إن صح التعبير-  يجري سيل فرشاط من تحته وهنا آخر يحتضن السيل الذي يتخلل في طريقه هذه القرى والبيوتات المتفرقة في صورة بانورامية خالصة يخرج الجميع ليشاهدها. في ليالي خاصة كنت ألتقي بصديقي عند الكوبري الثاني نتحدث في صمت ونقتطع من بعض الحديث الساخر بضع ضحكات يُعيدها لنا الصدى ثم نلتهم عشاءنا ونغادر. وفي ذات المكان رسمت خططا وخِدعا اغويت بشراً وكذبت عليهم، اختبرت أنفسا وعقولا، دفعت بعض أصدقائي للبوح بأقبح ما يكنونه ببوحي المُستدرِج لهم. هذه الشخصية التي كنت أعيشها انعشت فيّ السخرية من الناس. اني انظر إليهم بعين ناقدة هازئة حتى اليوم. وها أنا اليوم ادافع هذا الشعور المستوطن والشخصية الغريبة لابعث للناس برسائل احترام وثقة ناصعة وبيضاء كما في السر كما في العلن، اني ارغب في التوبة من السخرية من الناس في داخلي. لأني كبرت ولم يعد من الممكن لي السُخرية منهم في الخارج حيث يجلسون بجواري وينظرون إليّ بما يوازي مكاني عندهم. لفرشاط تأريخ جميل. ولها نكهة غير قابلة للتصدير. بها شعراء وعباقرة ومبدعون.. إنها مزار ما بعد المطر. وبها تنتظم مواكب الليل السامرة. وفي منتصف جبالها تتكشف السماء عن نجومها الخافية، فنرى هذا العدد الهائل من النجوم الصغيرة المتراصة في السَماء. الاتجاه دوما سيكون إلى الامام .. فرشاط.. أما جبل هادا فأفّضل كثيرا صعوده من الطريق الجنوبي الاخر.









* ملحق.















abuiyad