مريود






الحنين مستوطن الروح وباعثها. ولسانها الأعمق حديثا، وفي قاربه الزمني يحمل بقدرة فنان رسوم ووشوم ذهبيةـ تبرق كلما مسحتها أشعة  شمسنا وهي تكشف عن أجزاءنا الخالدة من الذكرى. الحكاية تبعث في إنسان الحنين قلبين نابضين، قلب ينفض الغبار عن الصور وقلب يستجلي تلك الصور حتى يزيد ووضوحها ولمعانها. وهكذا لا تكاد تُبقي الذاكرة في مستودعها من كرّ الليل والنهار ودنيا الموت والبقاء إلا على صورٍ مُجمّدة إما باهتة وأثيمة فنلعنها وإما خضراء وعذبة فنلثمها ونُقجّر فيها أنهار الحنين والتعلق. مريود.. قصة الحنين، الذكرى التي تشيخ بالكلمات الصعبة ثم تخوض في رحبة الصِبا الغضة بكلمات تشبه الغناء أكثر. أعتقد أن لحظة الإنعتاق من الحياة تسجلب أعمق ذكرى تجعل منك إنسانا طاهراً.  تلك اللحظة كما تصورها الأفلام ؛ هالة من البياض ومشهدٌ لطفل أو طفلة ترتدي الأبيض الناصع وهي تعبر الحقول ثم تطير إلى السماء، لقطاتٌ مشوشة مقتطعة من شريط الحياة تختصر قصة حياة هذا المقبل على الوداع. اصدق من هذا صوّر العظيم الطيب صالح - رحمه الله- في مريود قصة الإنعتاق هذه. في وجهٍ يفيض رقة وجمالا يستحضر الزمن القديم وما تبقى فيه من ذكرى الطفل العادي النزق ويطوي هذه الصفحة من دفتر الحياة مع الصفحات الأخيرة ، إنه يقتنص ذاك الزمن ، زمن أرواحُ الرجال الحكيمة قد عجنتها الكهولة والكِبر ومع هذا فقد آن آوانها لتنثر ما تبطنه  من حوارات لطيفة مسلية عابرة كما عبر فيهم هذا الزمن، يتسنى لهم بعض الوقت للنظر في الذكرى. أما الحوار المستفيض في هذا القصة القصيرة فهو تمثال أثير يُعبّر عن لهفتنا الآدمية إلى استنطاق اللحظة والحدث وإجبار الكلام على تفسير ما نفكر فيه. الأرض المختارة ليبث فيها الطيب قصة الإنعتاق هذه هي أرض نعيمه وعشقه، حيث يستقي من الماضي حميمية العبارة السودانية العامّية وخصوصية تلك اللهجة العربية المشهورة؛ أرض صعيد السودان عند نهر النيل حيث يختلط إنسان التراب بإنسان الماء ويُعجن في بيئة منتاصفة الثبات والتموج.. هذه الحكايات الأخيرة عن حياتنا تخضع لقانون أدبي أخلاقي يقضي بألا يُقال كل شيء، أعظم وأشهر الحكايات في حياتنا قيمتها في الاستغناء عن الحديث عنها وجعلها تعتلي قصرا مُبرقاً في أعماقنا الكبيرة. الحديث الذي يطولُ كل شيء يفتقد حبكة الإخفاء، الراوي الذي سيقول كل شيء لن يلتقي بجمهوره غدا يتلقطون ألغازه ليحيروا حلها في بيوتهم. سعيد عشا البايتات القوي و الطاهر ود الرواس دعابة الأول وتأريخ الثاني االمستفيض. قمة الاشتباك الروائي لم يُحدث خللا في سلاسة القصة، بل وكأنه وصفة كاتب فيلسوفي عالم بكوامن ما ترجوه روح القارئ من تفتيش عن سلامها ومصالحة الحياة من حولها والكون الذي يشغلها على الدوام، إن هذا السلام للأنفس القارئة يحفظه لها نصٌ ذهبيٌ متنوع يغسلُ منها ركضها البشري المثخن ويبسط بين يديها هداية الحياة. تلك المشاهد صادقة، تخيل هؤلاء الرجال الكِبار اقتطعوا من حديثهم اليومي خروجا سافراً لقول ما علِقَ في قلوب بعضهم فترة من الزمن، عَلِق فقط ، ولم يكن متشباً أو مؤذيا أبدا. ص 37 " ابتسمتُ بحزن، فقد طافت الذكرى بنا معاً في آن واحد وكأن تلك الضحكة ظلت حبيسة في صدر ود الرواس كل تلك الأعوام، كبقايا ثروة ضاعت، حتى أثارها وجودي إلى جانبه هذا الفجر. قلت له أحثه على التذكر. ذات المكان على ذات الشاطئ. رجلان شيخان يرقبان شروقاً كأنه المغيب : " أما انت يا ود الرواس ففارس بر وفارس بحر". لكن صمته طال حتى يئست منه، وشغلتني الأصوات المبهمة التي تنبع من النهر، كأنني أسمعها من مسافة ألف ميل، فيها أصداء الأودية الجبلية البعيدة، والشلالات. وأذعنت زمنا للغط الموجات الصغيرة وهي تعدو بلا كلل من شاطئ إلى شاطئ. ومن آن لآن كان النهر، هنالك في القلب، عند ملتقى التيارات، يعوي عواءه القديم. وبينا أنا كذلك، إذا بصوت إنسان إلى يميني، كأنه يخاطب النهر والفجر الذي قرب يطلع : " الإنسان يا محيميد... الحياة يا محيميد ما فيها غير حاجتين اثنين... الصداقة والمحبة. ما تقول لي لا حسب ولا نسب ، ولا جاه ولا مال... ابن آدم إذا كان ترك الدنيا وعنده ثقة إنسان واحد، يكون كسبان. وأنا، والمولى عز وجل أكرمني بالحيل. أنعم عليّ بدل النعم نعمتين... اداني صداقة محجوب وحب فاطمة بت جبر الدار". أحسست بحزن، فقد كنت طوال حياتي، اعتبر صداقته شرفاً عظيماً لي، لذلك قلت له برفق : " وعبدالحفيظ .. وسعيد ... و ..." جدوى هذا الحنين أن يفتح فسحة فضفاضة مسالمة، تنتشل البشري من مرارة تجارب اللحظات إلى التربيت عليها وتعبئتها في حافظة الزمن حيث يُرفق بها غطاءٌ مفعم بالعودة إليها والتذكر. جدوى الحنين بإختصار هي مسالمة الحياة في إقبالها وإدبارها، وهذا الشعور هو الأب العاطفي الرفيق للأب العقلي المختزل في مفهوم الحكمة الذي يُصهر بالتجربة والتعلم لا بالكِبَر، حيث تكون الرفقة أكثر مسالمة وإطمئناناً. إن تعبيراَ حوارياً يقتص من "اللغة" العامّية مادته الأصيلة ليكن أحد أبطال النص هو ابتكار بنائي للرواية قلّ أن تجد مثيلاً له، خاصة إذا نظرنا إلى الإتقان الاسترسالي للحوار وكأنه جدول متدفق سياّر لا تبعثره الصخور الراسخة ولا جذوع الشجر في عرضه. ما يحفظ للعمل عظمته مع الحميمية الخاصة به والتي تَلبسه كثوبٍ أبيض على المقاس وعلى ذات التفاصيل هو عجين الحبْكة، حيث باتت عادية الارتفاع بالأحداث إلى قمة التعقيد ثم الإنفراج موضة سالفة وحبكة عفى عليها الزمن. عند الطيب وجدتُ الحبكة في القطرات الهانئة التي اتذوقها عند نهاية كل سطر، التعابير القصيرة التي تشبه طول حياة هذا الركب، الحبكة هنا هي الالتفاف بعيدا عن اشتباك الوقائع وتعقيدها إلى حرية النص المفتوح وكأنه بذرة يُلقى بها في رؤوسنا لتثمر بُعدا حقيقياً على أرضنا.

تتفتق عنّا هذه الحياة ننظر لبعضنا ، كأننا نشبه بعضنا، نعتقد أحيانا كثيرة أننا توأم تشوّه تطابقه هذه البصمة ، ولكن بصمة الحياة الخاصة بكل واحد منّا هي ما يُميزنا. لا تشابه أبد الدهر بين اثنين. نحملُ أحداثا وأفكارا وظروفاً خاصة بنا تُقيدنا، وهي أيضاً تخلق قصصنا. إن في كل مكان قصة، وفي كل تجمعٍ حكاية، وفي كل بلاد مروية لا تحفظها الكتب ولا تحكيها الأقلام، تزدحم الدنيا بالحكاية حتى ينفرط الحد الفاصل بين الحقيقة والخيال، بين الحدث والإحداث، فكم يحكي قاص مجتهد من وحي خياله قصةٌ أخفاها القدر في دهره المنزوي أو المكان المندثر. لا يدري أحدٌ إلا الله هذا الارتباط اللطيف بين خيال كاتب وواقع حكاية. في "مريود".. أشهد بأني لامست هذا المعنى اللطيف ، وفي " مريود" أيضا.. الحكاية والمروية لا يُفترض أن تكون نِزاعا أو غراماً أو جنوناً على الرغم من وجوده، ليست القصة في "مريود" حدثٌ بالأهمية على أن يستحثنا بالتشوق أو التوقع، إن القصة هنا  هي مجرد حديث عن الحياة، عن الأناس من حولنا ننظر إليهم بأعين بهيمية، تستصغر حياتهم كأنها لا حياة .. ولا حدث .. ولا وجود. إن هذا البُعد الورائي لسرد حياة عادية لأحدهم - مميزة بهم - سرٌ خفي تعتنقه نفس القارئ ولا تدريه، أقصد بالبُعد الورائي هنا ما تناقشه الفلسفة منذ نشأتها، وهو تفسير الوجود وحكمته، والحياة وأصلها وكنهها، حتى ننتهي أخيراً ورغم الجدال لنُقدّر حياة الإنسان ووجوده، نقدّر حياته وأحداثه اليومية العاديّة التي تنسج عنوان الرواية، ونقدّر كل فصول هذا الرواية البشرية. وفي أعماق النص يُدلل الطيب على هذه الفكرة ، إن كل مروية لها تأريخ لا يقدر أحد على جلب كل التأريخ، فيذهب غارقاً في تأريخ أبا الطاهر ود الرواس ليُبرهن على الأسماء وكيف تُخلق أيضاً وتصبح مروية. زوّج الشيخُ بلالاً أبا الطاهر ونصحه وقد كان بلال من مفارقي الدنيا ومن محبي التصوف وأهل الحضرة، قال له الشيخ  ص 63 " يا بلال . إن دروب الوصول مثل الصعود في مسالك الجبال الوعرة. مشيئة الحق غامضة. يا بلال، إن حب بعض العباد من حب الله، وهذه المسكينة تحبك حباً لا أجده من جنس حب أهل الدنيا، فعسى الحق أن يكون أرسلها إليك لأمر أراده. عساه جلت مشيئته أراد لك أن تختبر مقدار حبك بميزان حب هذا المسكينة لك فإما صحوت وانقطع سبيلك وإما ازددت ظمأ إلى كأس الحب السرمدي ويكون سبحانه وتعالى أنفذ مشيئته بإذلالك في إرادته القصوى". إن نصٌ للحكمة ، يُكرره الشيخ كثيراً في تؤدة معلم صابر، يقول الشيخ  ناقما على أمراء المسلمين، وكأنه يوّجه حديثا لحكامنا الذي عاثوا ظلما ص 61 " والله والله الذي لا إله غيره، إن أمراء المسلمين، إذا أخذ منهم الاغترار، وتزينت لهم الدنيا وهي دار البوار وأعجبتهم حالهم وكثرة أنصارهم وسكروا بكأس السلطان وبدا لهم أنهم أقوياء مخلدون في محابسهم، ضربهم الله بصولجان عزته، وقصهم ظهورهم ، بسيف نقمته، وسلط عليهم سيوف أهل الكفر، ومكن منهم أعداءهم، وأخرج لهم من مكامن جحورهم من يكيدون لهم ويغالبونهم حتى يذهب الغالب والمغلوب، والطالب والمطلوب، فينقلبون وكأنهم أعجاز نخل خاوية، أو كهباء ذرته الريح في يوم صفصف كما فعل الله بقوم عاد وثمود، فالبدار البدار". أما المشهد الأخير الذي يكتنف هذه القصص العاديّة فهو عادةً أكثر الأحداث سلاماً وطُهرا وبياضاً. المشهد الأخير هو المشهد المتدفق شعورا مختلطا لا مميزاً. في " مريود " قصة الصِبا هي قصة الشيخوخة  ذاتها مع بعض الوداع البسيط. تلك الفتاة التي كانت تناديه " مريود" وهو يناديها " مريوم "، تلك الفتاة التي كانت تسابق الأولاد في حفظ القرآن وفكّ طلاسم الحروف، تلك الفتاة التي تلبس الجلباب والعمّة لتتحول ولداً يحق لها ما يحق للأولاد من الإنخراط في المدرسة، تلك الفتاة التي كانت تسبحُ معه في مياه النيل وهما متماسكان، هي المشهد الأخير من المروية. إنها الأشياء القريبة التي لا نملكها. الحدث الذي يستفتح به المروية هو ذاته الحدث الذي ينهي به، بنفس الأسى للأماني التي تُجهض، والأحلام التي يقعقع صوت إنهزامها. بعد أربعين عاما على فراش الموت استحثا المحبين الكهلين مراسيم الزواج، واختلط على مريم " مريود "، تقول ص 79  "العيون عيون مريود . والخشم خشم مريود . والحس حس مريود . لكين أنت ما مريود . مريود أصغر. أبداً انت ما مريود . انت منو ؟". صمتت قليلاً، ثم قالت : " يمكن انت مريود. انت مريود وما مريود. زول وما زول. انت لا أي زول ولا أي شيء". ثم بكت وقالت : "  خسارة مريود مات . وانا يزوجوني بكري. ابدأ. أحسن أنا كمان أموت ولا أتزوج بكري".

ثم يختم الطيب هذا المشهد الحياتي العظيم المملوء حبا وصدقا وطهارة وإخلاصا وبكاءً مريراً وصبرا حتى النهاية بهذا الوصف العجيب وبلغة سامية بارعة ممطرة شعورا بالحنين والنداء والدعاء، ص 80 - 81 -82 - 83- 84 - 85 - 86 : " محجوب قبل خدها وهو يغالب الدموع فتغلبه. وانحنيت عليها وقبلت جبهتها، فتشبت بي وطوقتني بذراعيها، فأحسست بها مثل سرٍ عزيزْ، مثل شيءٍ عسيرٍ مستحيلْ. ذلك العطر. ذلك الشباب. ذلك الحلم. دارت عجلة الزمان القهقرَى، حتى توقفت عند ليلة صيفٍ قمراءْ، ليست من ليالي هذا الزمان ولا هذه الأرض. وسمعتُ حس بكائي كأن أحداً غيري يبكي الدموع التي ظلت حبيسةً كل تلك الأعوام. هذه حصتي من كل شيء. هذا نصيبي وإرثي. مات عنها وتركها لي لتموت على صدري. لعلني لهذا عُدت. 

كانت مثل طائر. رفعها محجوب من نعشها فشهق ضوء المصابيح على حافة القبر، وسمعت هبوب أمشير تناديني بلسان مريم "لا شيء .. لا أحد." خطا بها نحو القبر، فاعترضت طريقه ومددت يديَ. نظر إلي برهةً، ورأيت عيناه ترقّان وتغرورقان، فتركها لي. كانت خفيفة مثل فرخ طائر وأنا أسير بها في طريقٍ طويلٍ يمتد من بلدٍ إلى بلدْ ومن سهلٍ إلى جبلْ. لم يكن حلماً. أبداً. كان مريم نائمةً على كتفي. سرتُ بها على ضفة نهرٍ إلى وقت الضحى، فأيقظها لفح الشمس على وجهها. انفلتت مني وقفزَت في الماء. كانت عارية. أشحتُ عنها، ولكنني لم أطق صبرا فأدرتُ لها وجهي. نظرتُ، فإذا هي في بركةٍ من الضوء، وكأن أشعة الشمس هجرت كل شيٍ وتعلقت بجسدها. كانت تغطس وتقلع، وتختفي هنا وتظهر هناك، وتضحك لي من جهة اليمين، ثم إذا هي تناديني من جهة اليسار. نعم. نعم. نعم. أريد أن أغرق في نبع ذلك الضوء الذي ليس من أضواء هذا الزمان ولا هذه الأرض. لكنني ترددتُ، ليس أكثر مما يطرف جفن العين. في تلك اللحظة، عاد الشعاع إلى منبعه، وذهب الطيف، لا أعلم إلى أين. ناديتُ بأعلى صوتي "يا مريوم. يا مريوم." فعاد الصدى مجسماً بألسنةٍ شتىَ "يا مريود. يا مريود." ضربتُ دون هديٍ في صحراء عقبة تُويوي ريحها وتتهايل رمالها، حتى بلغ مني اليأس وأخذ مني الجهد. ثم إذا شجرة طلْحٍ يلمع نوّارُها. تهالكتُ عندها. فجأةً أحسستُ بمريم. بُعيد العشاء أو قُبيل الفجر لا أعلم. لكنني أذكر ظلاماً رهيفاً وضوءاً ينسكب على وجهي من عينيها، شربتُ منه حتى بلغ مني الظمأُ غايته. قلتُ لها: - 

"ألا أسيرُ معك؟ فإنني الآن أقوى." 

قالت: "لا. أنت تعود أدراجك وأنا أسير من هنا وحدي." 
قلتُ: "لكنني ..." 
قالت: "إنك لن تستطيع معي صبرا. فوراء هذه البيداء جبال. ووراء الجبال بحر. ووراء البحر لاذا ولاذا. النداءُ لي وحدي. أنت تعود وأنا أمضي." 
ثم أخذت رأسي ووضعته في حجرها، وهدهدتني زمناً بصوتٍ كأنه دبيبُ نمالٍ في تلال رمال، وقالت لي: - 
"لا تبتئس يا ضوء عيني فإنني لن أبعد. سوف تراني وتسمع صوتي." 
قلت وأنا لست أنا "هيهات . هيهات." 
حينئذ قبلتني بين عيني، وابتسمت بكل جمال وجهها في وجهي، وقالت: - 
"بلَى بلَى يا رمانة قلبي. إذا احتجتني فادعني فسوف أجيء" 
قلتُ: - 
"هيهات . هيهات." 
قالت: - 
"ولكن عليك أن تصبر وتُذعن" 
قلتُ: - 
"إذاً اجعلي لي آيةً" 
قالت: - 
"آيتك ماء. آيتك ماء. أبداً تتلفت خلفك. آيتك أن تظل يقظان إلى آخر العهد. ستراني وسوف أعينك قدر المستطاع." 
"فلأسر معكِ خطواتٍ أُقدِّمكِ." 
قالت: - 
"لا يا تفاحة فؤادي. هنا مفترق الطرق وإنه الوداع." 
عصر الحزن قلبي عصراً، ولم أجد الدمع الذي أُبرِّد به حر جوفي لأنها سلبتني نعمة البكاء. 
قلت لها: - 
"إذاً زوديني ." 
قالت: - 
"لا" 
قلت: - 
"زوديني" 
قالت: - 
"لا" 
قلت: - 
"زوديني" 
قالت: - 
"لا" 
قلت: - 
"زوديني" 
قالت: - 
"واحسرتا عليك يا محبوبي. خير الزاد أنا. وإنني مفارقتك من هنا. لا شبع لك من بعدي ولا ري، ولا شفيع ولا نجي. فاضرب حيث شئتْ، وتزود إن استطعتْ واطلب النجاء. إلى أن تلقاني فأعطيك المنَّ والسلوى." 
ثم أبعَدَتْ. وسمعتُ صوتها كأنه ينـزل من السماء، ويحيط بي من النواحي كافة، تطويه رياحٌ وتنشره رياح: - 
"يا مريود. أنت لا شيء. أنت لا أحد يا مريود. إنك اخترت جدَّكَ وجدك اختارك لأنكما أرجح في موازين أهل الدنيا. وأبوك أرجح منك ومن جدك في ميزان العدل. لقد أحبَّ بلا ملل، وأعطى بلا أمل، وحسا كما يحسو الطائر، وأقام على سفر، وفارق على عجل. حلم أحلام الضعفاء، وتزود من زاد الفقراء، وراودته نفسه على المجد فزجرها، ولما نادته الحياة... لما نادته الحياة ..." 
قلتُ نعم. قلتُ نعم. قلتُ نعم. ولكن طريق العودة كان أشق لأنني كنتُ قد مشيت".







مريود " بندر شاه"
الطيب صالح
دار الجيل -بيروت 
86 صفحة من الحجم الصغير
10 ريال - مكتبة تهامة ؛ أنا شريته من بسطات 
الصواريخ قبل سنتين بريالين.



abuiyad