صورة.. وعدد ثنائي من السنين




1










2




ما التشابه بين الصورتين ؟ ما الذي يميز السنين التي تتلاشى فينا ؟! . هذا العمر الذي لا يترك الأشياء كما هي.  يتقدم بنا كأنه يُلبسنا حُلل الحياة، ينثر فينا عبثه ولا نستطيع من أمرنا سوى أن نركض معه. إنها صورة واحدة ليست صورتين، صورة وعدد ثنائي من السنين  يتجاوز ربع القرن. يقف محمد على اليمين في الصورة الأولى ويقف في ذات المكان في الصورة الاخرى وكذلك  سليمان يقف في نفس موقفه في كلتا الصورتين. كأنهما تعارفا على مكان الوقوف منذ ربع قرن !. الفوارق هنا تُحسب بمقياس الحياة لا بمقياس الظلّ الذي تحبسه العدسة في الصورة. أما أنا فقد كنت تعلمت حب الحياة من محمد، حينما أتى لي بديوان غازي القصيبي - الله يرحمه - من البحرين ، وقبل هذا لما أغراني برائعة القصيبي العصفورية، وقبل هذا لما كان يصطحبنا أيام دارسته الجامعية في مدينة الضباب أبها ويدلنا على الأماكن المغلفة بروائح الورود الفاتنة وزوايا المدينة التي تُخبئ الليل الضاحك في أظلالها والمقاهي الحالمة بأناسها الأنيقين. لقد عشقت هذه المدينة لأن محمد كان يعشقها، هناك علاقة خالدة في أدق تفاصيل مخي بين حبي لمحمد وحبي لأبها. في المرة التي حصل فيها على أحد مراكز العشر الأوائل على مستوى المملكة في الشهادة الثانوية وضعتُ له مُلصق شديد الثبات في نفسي، مُلصق يرفعه في مكان خاص به. أما ما يتسرب من بين تفاصيل الصورة الأولى فهو ذكرى حكاية طريفة قديمة. الحكاية القديمة صادقة تناقلها أهل بيتنا والأقربون حتى استقرت في الذاكرة الجماعية، يقولون أن هذين العبقريين في صغرهما اتفقا على خداع بعض الحاضرين في بيتنا الأحمر القديم، فارتديا سروالين طويلين وتحتهما اخرين قصيرين وانطلقا مسرعين إلى الحضور واعلنا فجأة أنهما سيخلعان السروالين هكذا ويتعران نكاية وجنونا وتحديا، كانت الخطة أن يُنزلا السروال الطويل لينصدم الحضور بهذه الجرأة ويحاولوا تلافي الموقف بردعهما ، ثم حين يظهر السروال القصير تنطلي الخدعة على الحضور ويضحك الطفلان كثيرا لتغلبهما على الكبار بهذه الطريقة، خدعة بسيطة ولكنها جريئة وخطيرة في ذات الوقت، أما سبب تناقل هذه الحكاية فليس الأمر مجرد نقلا فكاهيا لإبداع هذه الخدعة ولكن لأن الخطة لم تُنفذ جيدا كما ينبغي لها، فقد أخطئا معاً واقتدا السروال القصير مع الطويل إلى الأسفل لتنقلب الخدعة عليهما وتصبح قصة طريفة يُتندر بها عليهما حتى اليوم، يظهر والله أعلم أنه لم تكن هناك بروفة مسبقة لاختبار مدى نجاح الخدعة !. تحفظ ذاكرتي من صور الأخوين المشتركة مقطع فيديو من أرشيف أشرطة كاميرة الفيديو خاصتي يعود لإحدى عشر سنة مضت، يظهر في المشهد الأخوين وقد أمسكا بيدي بعضهما بعد نهار مطير وقد صفت السماء وصحا الجو ، سليمان يحمل حقيبة الكاميرة ، يتوقف محمد في نهاية الممر ويقفز ليتعلق بعصاه الحديدية المثبتة جيدا بالسقف المعدني المُعد لتسلق شجرة ورق العنب، يرفع جسمه إلى أعلى ثم يتكور على نفسه ويلتف ليخرج من الجهة الاخرى ثم يهبط إلى الأرض القريبة. مشهدٌ واحد بريء وتفصيل صغير في هرم عملاق من العلاقة بين الأخوة. إننا ننشأ لنكتشف بعضنا ونتفرس في وجوه بعضنا  ثم حين نحفظها جيدا ونحفظ رسمة عبوسها وفرحها نضحك ..ونضحك ثم نضحك حتى لا نتذكر لماذا ضحكنا أولاً ؟. قلت في الجملة السابقة أن علاقتنا الأخوية هرم يبدأ بقاعدة ممتدة من القرب ثم ينحسر الأمر حتى نصل للقمة التي نفهم فيها بعضنا جيدا حتى ولو ابتعدنا عن بعضنا كثيرا. كان سليمان يعني لي التجارب الغريبة في مرحلة ما ،  أيام المتوسطة كان يفك جهاز الراديو ويلعب في أسلاكه حتى يحصل على موجة تردد عمليات المرور في منطقتنا فأجلس لجانبه واستمع معه منبهر بهذه الفكرة وكأنها مشهد حساس ومربك لبطل استخباراتي أو جاسوس، كانت لديه عبقرية في فكّ الأجهزة والتعامل معها، وعلى هذا الوقع كان سليمان هو منفذي الحقيقي لتعلم القراءة، كنت في المرحلة الابتدائية والمتوسطة اقرأ بنهم روايات الجيب " الرجل المستحيل"، رجل الاستخبارات المصري أدهم صبري للكاتب الجميل نبيل فاروق، لقد قرأت عدد هائل من هذه الأعمال المتسلسلة والتي تجاوزت أو اقتربت من مئتين جزء - إن كانت ذاكرتي تعمل جيدا-، إضافة إلى بوليسيات أجاثا كريستي فلا أنسى البيت المائل والرجل ذو السترة البنية وغيرها الكثير، وفي مراحل مبكرة في الابتدائية كنت أقرأ القصص المصورة عبر المجلات الشهيرة تلك الأيام مثل ميكي ماوس وماجد وغيرها، كل هذه الروايات والمجلات كانت تدخل إلى بيتنا وإلى غرفتنا نحن الأولاد عن طريق سليمان، في آخر المرحلة المتوسطة قرأت اللص والكلاب لنجيب محفوظ وعمل آخر نسيته وكانت بداية ولعي بنجيب. في الصورة الأولى ينظر الأخوان إلى العدسة ، كانا ينصتا للأوامر وللإشارات حينها، في الصورة الثانية والتي ألتقطها في زواج سليمان قبل بضعة أيام تتجه أعينهما لمكان اخر أو لعدسة أخرى، كأنه إيحاء خفي يتدفق من خلال الصورة إيحاء بالتطاول على تلك العدسة التي تُلزمهما الانقياد لتعاليم المُصوّر ولتعاليم هذه الحياة وهذا العالم بقوانينه المختلفة، ما يؤكد هذا التطاول الذي نتعرف عليه في مراهقتنا ونتحارب معه لننتصر عليه فنتعرف على أنفسنا حقا هو ذاك الجمود والانكماش في الصورة الأولى، ألم تكن تلك الابتسامة في الصورة الثانية أكثر مناسبة للأرواح الطفولية في الصورة الأولى ؟! ، هل نعيش أحيانا طفولة فقدناها صغارا حينما نتخطى السنوات ونكبر. جملة علاء وردي في قناته عن الطفولة التي تسكن كل واحد منّا هي حقيقية جداً ومليئة بالاعتراف. الغريب في الصورة أنها تستودع اللحظة إلى شيء يشبه الخُلد الدنيوي وهي تحفظ الأشياء كما هي، ولكن الصورة لا يمكن أن تحفظ كل شيء لا تحفظ التعابير ولا الأفكار والخيال ولا حتى ما قبل وبعد الصورة. ربما تغشنا الصورة إذا حكمّنا إليها الحياة. محمد الأكبر والأطول في الصورة الأولى يتجاوزه سليمان طولا في الصورة الثانية، الشعر الناعم الغزير الذي تنتجه فروة رأس محمد وهو طفل اختفى، وتوقفت أجزاء كثيرة من الفروة عن إنتاج الشعر، كان محمد يقول لي في أولى أيام دراستي في الجامعة لما أطلت شعري " استمتع بشعرك قبل أن يداهمك الصلع من حيث لا تدري ..!". أكثر ما شدني في الصورة الثانية هو مقدمة الفكين مع شكل ذقنهما والابتسامتين والشارب ، هذا المحيط بالذات كأنه صورة مستنسخة من الاخر، تلك الفوراق التي نراها صغارا تصبح أكثر شبها واتفاقا عندما نكبر ، الفوارق هنا بكل اشكالها، وهذا جيد أن تكون الفوارق في حقيقتها تشابه. لقد شعرت طوال حياتي هذه بطبيعة سليمان التي تملك تجاوبا رائعا معي ومع الاخرين وكأنه طيع يدك  تفتقده سريعا وأنت تلقى من الناس اعراضا واستخفافا وتكبرا، بينما يكتب محمد في نبذته على تويتر ان حياته صمت وأنه يحاول يتعلم الكلام ، المعنى المستتر لهذه الجملة هو تقديس الكلام والحروف التي نكتبها وننطق بها، هل نفكر في كلمتنا بهذه الكيفية المتأملة التي تصنع الحكمة للانسان. قلتُ مرة أنه هناك فرق بين الصمت في موضع الحكمة والصمت حين يأتي على شكل إعاقة، مرة شرح لي في متنزه المسقي ذات صباح الجدوى من الصمت، وبما اني اُصنّف تحت فئة الثرثارين الذين يوصلوا الفكرة بأكبر قدر من الكلمات مالم تؤثر كثرة الكلمات على فهم المتلقي فلا يفهم شيء البتة، فقد كان لذاك الشرح المستعجل أثر جيد تعلمتُ به الصمت في الوقت المناسب والصمت في الوقت المخصص للصمت. و مرة أخرى امطرت السماء وقررنا سليمان وأنا خوض مغامرة وكنّا حينها صغارا في الابتدائية، خرجنا من بيتنا يحفنا هزيم الرعود ولمعان البروق وروائح التربة والحشائش المُنعَشة تلاعب أنفينا، كانت مياه المطر النازلة تبللنا حتى تتشبع بها ملابسنا وتلامس أجسادنا الصغيرة، قطعنا طريقنا الممتد من المزارع الموحلة وقد احتمت الكلاب واختبأت تحت العروج وهي تهزهز ذويلها وتنفض فروها مما أصابها من مياه المطر. لماذا كانت تلك مغامرة ؟، لأن الجميع يتحصن في بيته عند المطر، الصغار والكبار، خوفا من حوادث البرق المميتة ومتاعب المطر الاخرى. وحين انتهينا إلى الجهة الاخرى من القرية وتجاوزنا المزارع أخرجنا كيسا خبأنا به غيارا نظيفا وبعد أن اقلعت السماء  لبسنا غيارنا الدافيء في زاوية جدار بيت قيد العمران. كانت مغامرة من أجل المغامرة لا غير . اتذكر هذه المغامرة وكأنها قصة حدثت لانسان آخر يحفظها خيالي أو مقطع من رواية ما تشبّثت به ذاكرتي، لا ادري لماذا اتذكره كثيرا ؟! ، ربما لأن أفكاري عن الأشياء كانت بسيطة وجميلة وأكثر أماناً، يذكرني سليمان بالأمان الذي تحويه البساطة.


1432 

abuiyad